فرحة المصريين بشهر رمضان ترتبط بالمسحراتى، الذى ترسخ فى آذانهم بصوته حيث يكسر هدوء الليل بعباراته الشهيرة على دقات الطبلة، مثل «اصحى يا نايم وحّد الدايم.. الرِّجْل تدب مَطرح متحب.. رمضان كريم»؛ خصوصًا فى الشوارع والحارات القديمة، ورُغم ظهور الأجهزة الذكية والمنبهات؛ فإن العديد من المصريين لا يشعرون بفرحة الشهر الكريم إلّا بسماع طبلة وصوت المنادى. شخصية المسحراتى التى عرفها المصريون منذ العصر الفاطمى، منتشرة فى العديد من الدول العربية والإسلامية. «الضافونجو» التركى تُعتبر مهنة «الضافونجو» أو المسحراتى موروثًا تقليديّا قديمًا يعود إلى العصر العثمانى؛ حيث كان عازفو الطبول فى رمضان يقومون بحراسة منازل المسلمين فى الليل وكانوا يجوبون الشوارع ويقرأون قصائد تركية مختلفة يرافقها الطبول، وكانت مهنة المسحراتى تطوعية متوارثة من الأب إلى الابن لذلك كان معظم عازفى الطبول من العائلة نفسها، وبعد 700 عام من تأسيس الإمبراطورية العثمانية، تحرص جميع البلديات فى تركيا على استمرار التقليد القديم وتدريب أجيال جديدة من المسحراتية فى رمضان وتأهيلهم على الوجه الأمثل. فِرَق إندونيسيا أمّا فى إندونيسيا، فالمسحراتى عبارة عن دورية موسيقية تطوف الشوارع قبل الفجر لإيقاظ الناس، وتتكون الفرقة من 25 شخصًا يقومون بإلقاء القصائد الدينية ومرتدين أزياء تقليدية جذابة، وتستخدم دورية الموسيقى الخيزران كوسيلة صوتية. وتستغل إندونيسيا تقليد دوريات السحور كنوع من الجذب السياحى، كما يستخدم سلاح الجو الإندونيسى هذا العام ولأول مَرّة صوت طائراتهم الحربية من طراز F16، وT50i بدلًا من المسحراتى فى بعض المناطق مثل جزيرة جافا وسرقرطة وكلاتين وسراجين ويوغياكارتا طيلة شهر رمضان ووفق ما ذكرته صحيفة ذى جاكرتا بوست. ونقلت الصحيفة عن المتحدث باسم سلاح الجو سوس يوريس قوله إن استخدام الطائرات فضلًا عن المسحراتى قبل الفجر لإيقاظ الناس من أجل السحور مهمة مزدوجة، فهى تحافظ على مهارات التحليق ليلًا للطيارين؛ حيث إنه غير مسموح لهم بالطيران وهم صائمون إلى جانب إيقاظ الناس للسحور. سهرى الهند عرف مسلمو الهند الذين يقدرون ب 8 ٪ من إجمالى مسلمى العالم، المسحراتى منذ مئات السنين، الذى لايزال يقوم بدوره فى إيقاظ الناس للسحور فى المناطق الإسلامية مثل مومباى وحيدر أباد وودلهى وكشمير وكولكاتا، من خلال قيام مكبرات المساجد بالنداء للسحور ويطلق على ذلك اسم سحر الخوانى أو سهرى، وعادة ما يكون المسحراتى عاملًا أو حارسًا بأحد المساجد خلال بقية العام. يستخدم المسحراتى الصنوج، وهى آلة موسيقية عبارة عن قرصين من النحاس يشد أحدهما باليد اليُمنى والأخرى باليُسرى ويكون إيقاعه هابطا وصاعدًا، وتستعمل عادة فى الفِرَق العسكرية، ويحرص السكان على تقديم المال لذلك الشخص تقديرًا له على مجهوده طوال الشهر، وعادة ما يكون الناس كرماء خلال هذا الوقت؛ حيث يحصل المسحراتى على ما يقرب من 15 ألف روبية، أى ما يعادل 213 دولارًا خلال شهر رمضان، وفى بعض المناطق الأخرى يعمل المسحراتى الهندى بنظام المقايضة؛ حيث إنه يأخذ أجره قناطير من الأرز والسكر. انتقلت مهنة المسحراتى للهند من الدول العربية منذ دخول الإسلام عن طريق التجار العرب والمهاجرين التجار من الجزيرة العربية الذين استقروا فى ولاية غوجارات وأصبحت منذ ذلك الحين جزءًا من التراث الدينى والثقافى للهند. المسلمون فى ماليزيا التى تُعتبر أكبر دولة من حيث عدد المسلمين بالعالم لا يحتلفون بشهر رمضان إلا بالمسحراتى، الذى يتواجد فى العديد من القرى والمدن منذ بداية رمضان إلى نهايته، ويطوف على الأحياء والبيوت لينبه الناس عن طريق قرع الطبول، ولكن مرّتين فى اليوم، عند الإفطار والسحور على عكس ما هو متعارف عليه فى الدول العربية والإسلامية، وفى الليالى العَشر الأخيرة من شهر رمضان تقوم فرقة بدور المسحراتى؛ حيث يتم تخصيص سيارة مزينة باللافتات والشعارات الدينية ومجهزة بمكبر الصوت لأداء مهمة المسحراتى. شامة باكستان واجهت مهنة المسحراتى فى باكستان بمرور الوقت زوالًا تدريجيّا حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة الجيل القديم بسبب الهجرة الجماعية لبعض السكان؛ حيث كان المسحراتى يجوب المناطق الشعبية المليئة بالسكان ويطلق عليه اسم «شامة» مستخدمًا طبولًا، ومنذ ما يقرب من عامَين بدأ ضاربو الطبول إحياء تقليد المسحراتى مرّة أخرى لإيقاظ الناس وقت السحور رُغم التحديات التكنولوجية بهدف الحفاظ على الموروث الدينى. نفار المغرب وينتشر المسحراتى فى معظم الدول العربية الإسلامية، ففى بلاد المغرب يطلق عليه اسم «نفار»، وهو الشخص الذى يقوم بالإعلان عن قدوم شهر رمضان ويحمل بوقًا طويلًا، يُسمى النفير أو البوجل، وهى آلة نفخ نحاسية حادة الصوت، تنتظم إيقاعات على هيئة نغمات تصدر بشكل زوجى لإعلان ساعة الاستيقاظ أو السحور فى رمضان، وعادة ما ينفخ النفار سبع نفخات إمّا فى مئذنة المسجد أو متجولًا بالشوارع معلنًا عن قدوم رمضان وكذلك وقت السحور. وفى دول الخليج يطلق عليه «أبو طبيلة»؛ لاستخدامه طبلة تُعرف بالبازة، وهى عبارة عن طبلة من جنس النقارات ذات وجه واحد من الجلد مثبت بمسامير وظهرها أجوف ومصنوع من النحاس يتم القرع عليها بواسطة خرطوم أو قطعة من الجلد، ويطوف بها فى الشوارع لينشد بعض العبارات، منها «اصحى يا نايم وحّد الدايم». أمّا فى اليمن فيطلق على المسحراتى اسم «المفلح»، ويعمل متطوعا طول شهر رمضان يجوب الأحياء والحوارى الصغيرة حاملًا بيده طبلة تسمى «النقرزان» عبارة عن قطعة من النحاس أو الصاج شد عليها رِقّ من جلد التيس أو الماعز وتستخدم فى زوج وتكون إحداهما أصغر من الأخرى وتوضعان على حمّالة فى مواجهة الضارب وينقر على كل واحدة منهما بالعِصىّ. وفى السودان يسمى المسحراتى «المنادى»؛ لأنه يطوف شوارع الحى بصحبة طفل صغير حاملًا فانوسًا ومعه دفتر مسجل به جميع أسماء أهل الحى لمناداة كل شخص باسمه؛ خصوصًا الأطفال قبل الفجر، وفى العراق يسمى المسحرجى أو «أبو السحور»، وتُعتبر مهنة المسحراتى جزءًا من التراث الشعبى القديم المرتبط بالشهر الكريم؛ حيث كان لكل زقاق مسحراتى يضرب الطبل لإيقاظ الناس لتناول الطعام والصلاة. كان أول من استخدم الطبلة من أجل إيقاظ الناس للسحور هم المصريون؛ حيث ابتكروا الطبلة ليحملها «المسحراتى» ليدق عليها بدلًا من استخدام العصا والنبابيت وكانت تسمى «بازة»، وهى صغيرة الحجم يدق عليها المسحراتى دقات منتظمة ثم تطورت بعد ذلك واستبدلت بالطبلة الكبيرة. مهنة المسحراتى ظهرت لأول مَرّة فى عصر الدولة العباسية، ويَذكر المؤرخون أن المسحراتى ظهر إلى الوجود عندما لاحظ والِى مصر عتبة بن إسحاق أن الناس لا ينتبهون إلى وقت السحور ولا يوجد من يقوم بالمهمة فتطوع هو بنفسه لهذه المهمة فكان يطوف شوارع القاهرة ليلًا لإيقاظ أهلها وقت السحور، وكان ذلك عام 238ه؛ حيث كان يطوف على قدميه سيرًا من مدينة العسكر إلى مسجد عمرو بن العاص فى الفسطاط مناديًا الناس «عباد الله تسحّروا فإن فى السحور بركة»، وفى عصر الدولة الفاطمية أصدر الحاكم بأمر الله الفاطمى أمرًا لجنوده بأن يدقوا على البيوت بهدف إيقاظ النائمين للسحور، ومع مرور الوقت تم تخصيص شخص للقيام بهذه المهمة وسُمى ب«المسحراتى».