صراع مرير تعيشه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية منذ فترة ليست بقليلة، أجواء توتر تلقى بظلالها على المشهد العام بين الحين والآخر، محاولات مستميتة لهدم وتشويه صورة البطريرك الحالى ولا أحد يعرف حقيقة مصدرها؛ ولكن الأكيد أن من يسعى لذلك يتحرك لأهداف شخصية لا علاقة لها إطلاقًا بأى عقيدة أو وحدانية كما يروّج الكثيرون على صفحات السوشيال ميديا والوسائل الإعلامية المتاحة لذلك. مع بداية الأسبوع الماضى استقبلت مصر أكبر وفد إيطالى سياحى جاء ليحج فى مصر ،وذلك بعد أن أعلن البابا فرنسيس بابا الفاتيكان أن رحلة العائلة المقدسة فى مصر والطريق التى سارت فيه هو حج كاثوليكى يجب أن يزوره المسيحيون الكاثوليك فى أنحاء العالم ليتبارك منه المؤمنون جميعًا. ولمن لا يعرف معنى هذا الإعلان أو نتائجه يجب أن نشير أولًا إلى الحقيقة التى ينكرها أغلب الأقباط الأرثوذكس الذين يعيشون فى مصر، وهى أن تعداد الكاثوليك على مستوى العالم يفوق المليار نسمة فالفاتيكان على الرغم من أنها أصغر دولة من حيث المساحة إلا أن عدد رعاياها على مستوى العالم كبير جدًا، ولذلك هى تعتبر الكنيسة الأكبر فى العالم. الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هى الكنيسة الأولى فى الشرق الأوسط فقط، أما عالميًا فتأتى فى المرتبة الثالثة بعد الكاثوليك والكنيسة الروسية، والتى تعد أكبر الكنائس الأرثوذكسية عالميًّا؛ وبالتالى يكون بابا الفاتيكان قد فتح أمام مصر مصدرًا مهمًا جدًا للسياحة من جميع أنحاء العالم؛ حيث بدأ الحجاج المسيحيون يتوافدون لمصر؛ لزيارة أماكن طريق العائلة المقدسة. ما إن تناقلت وسائل الإعلام خبر إقامة الوفد الإيطالى لمراسم القداس بدير السريان بوادى النطرون حتى انطلقت موجة هجوم غير مبرر على البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية عبر مواقع التواصل الاجتماعى، اتهمه فيها بعض المسيحيين بالتنازل عن الإيمان الأرثوذكسى، وقالوا: إن التاريخ لن يرحمه، متناسين أن الكنيسة الكاثوليكية تفتح أبوابها للأقباط الأرثوذكس فى المهجر لإقامة القداسات والاجتماعات بها. تناسى خصوم البابا عن عمد - مستغلين جهل أتباعهم - أن الكنيسة الكاثوليكية أعطت الأرثوذكسية كنائس بلا مقابل لتحويلها إلى أماكن للصلاة، بل الأمر الآخر أن على أرض مصر كانت هناك كنائس كاثوليكية وإنجيلية تحولت إلى أرثوذكسية، والأهم من كل هذا، وذاك أن إقامة قداس كاثوليكى داخل أى كنيسة أخرى لا يعنى إطلاقا بأن الأخرى تنازلت عن معتقدها. ساعد على زيادة الاحتقان فى هذا الأمر خروج بعض وسائل الإعلام تتحدث عن أن ما حدث فى دير السريان هو نواة لوحدة الكنائس الأمر الذى دفع أحد رهبان دير السريان للرد. قال القس يحنى السرياني: من قال إن النواة الأولى لوحدة الكنائس بإقامة أول قداس للكاثوليك بدير السريان هذا كذب، فمن عام 1997 وإلى عام 2003 وخلال عملى كمسئول عن زيارات الأجانب والمصريين كم من رحلات أجنبية على مر الأعوام الماضية أتت للدير، وقاموا بإقامة صلواتهم بمضيفة الدير وقدم لهم واجب المحبة الذى يقدم لأى زائر. وتابع القس يحنى: حدث بدء رحلات مسار العائلة المقدسة تم خلطه بجهل متعمد ودون مرجعية إيمانية ولا استشارة رأى من يهمه الأمر؛ فقط لافتعال خبر، فزيارة الأماكن المقدسة شىء، وتقديم الواجب والمحبة شىء آخر، والاشتراك فى وحدة سرائرية والإيمان والعقيدة شىء آخر. السؤال هنا: من الذى يسعى لتشويه صورة عصر البابا تواضروس، ويصر على اتهامه بأنه لا يهتم بالحفاظ على مبادئ الكنيسة القبطية وإيمانها فى سبيل تحقيق الوحدة الذى يسعى لها منذ جلوسه على سدة الكرسى المرقسي؟.. الوقائع تشير إلى وجود حالة تربص واضحة بالرجل. منذ زيارة البابا فرنسيس لمصر فى مايو الماضى، وثار الكثيرون حول ما أشيع عن وثيقة المعمودية؛ حيث نشر البعض أن البابا بصدد التوقيع على معاهدة مشتركة تفيد بعدم إعادة المعمودية مرة أخرى وقبول الآخر كما هو، إلا أنه وبحسب الوثيقة التى نشرت على راديو الفاتيكان أن الطرفين اتفقا على السعى المشترك لعدم إعادة المعمودية وهو ما يعنى أن الموضوع مازال فى إطار المناقشات اللاهوتية، والتى تقام مع الكنائس كلها. هذا الصدام غير المبرر والمتكرر ساعد على إجهاض محاولات التقريب بين الطائفيين منذ البداية، فالوثيقة التى وقعها البابا فرنسيس والبابا تواضروس كانت تنص على عدة بنود أغلبها لم ينفذ حتى هذه اللحظة، فقد نادى الحبران بالبحث عن ترجمات مشتركة للصلاة الربانية، لتكون موحدة حيث قالوا: «إن هذه المحبّة» التى تجمع مسيحيي العالم» تجدُ تعبيرها الأعمق فى الصلاة المشتركة. فعندما يصلّى المسيحيّون معًا، يدركون أنّ ما يجمعهم هو أعظم كثيرًا ممّا يفرّق بينهم. إن توقنا للوحدة هو مستوحى من صلاة المسيح: «لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا» «يوحنا 17، 21». فلنعمِّق جذورنا المشتركة فى إيماننا الرسوليّ الأوحد عبر الصلاة المشتركة، باحثين عن ترجمات مشتركة «للصلاة الربانية»، ومن خلال التوصل إلى تاريخ موحّد لعيد القيامة» كان مجرد ذكر إمكانية تغيير الصلاة الربانية كفيلًا بإثارة الرأى العام القبطى ضد البابا بصفته المسئول الأول عن الكنيسة، وقطعًا إذا كان مجرد محاولة تغيير الصلاة اليومية دون الإخلال بالمعتقد مرفوضًا بشكل قاطع، فقد كان الفشل الذريع من نصيب أى محاولة لتوحيد عيد القيامة على مستوى جميع الطوائف. كما حملت الوثيقة بندا واضحا حول سر المعمودية، حيث قيل: «نعلن، وبشكل متبادل، بأننا نسعى جاهدين، بضمير صالح، نحو عدم إعادة سر المعمودية الذى تمَّ منحه فى كلٍّ من كنيستينا لأى شخص يريد الانضمام للكنيسة الأخرى.. إننا نقرُّ بهذا طاعةً للكتاب المقدس ولإيمان المجامع المسكونية الثلاثة التى عُقدت فى نيقية والقسطنطينية وأفسس، أى أن الحديث كان لا يخلو من أنه سيتم الرجوع لكل المجامع التى يؤمن بها جميع الكنائس المصرية. وهنا يظهر السؤال الملح مرة أخرى: من الذى يقوم برمى كرة الثلج ولمصلحة من أن تظل الكنيسة هكذا فى صراع مستمر؟، والسؤال الآخر: هل يدرك البابا تواضروس حجم المشاكل، وكم المتربصين به، ويريدون تأجيج الشارع القبطى عليه، وإذا كان يدرك كل هذا فلماذا لا يتخذ قرارًا واضحًا، وخاصة أن أغلب من يقوم بذلك أشخاص معروفة لكثيرين؟. إن السعى للوحدة لا يعنى إطلاقًا إلغاء طرف لصالح آخر، ولكنهم يتحدثون عن محاولة إيجاد طريق مشترك للوصول للوحدة عن طريق إيجاد نقاط مشتركة واضحة للكل. البابا تواضروس عاد الأربعاء الماضى من لبنان، حيث كان يشارك فى لقاء الكنائس الشرقية، كما أنه سيشارك فى يوم الصلاة والتأمل حول وضع المسيحيين فى الشرق الأوسط، والذى دعا إليه البابا فرنسيس فى 7 يوليو القادم فى مدينة بارى الإيطالية. إن البابا تواضروس يسعى للوحدة الحقيقية دون المساس بالعقيدة، فهو يحرص على المشاركة الفعالة، حيث دعا أعضاء الكنائس الشرقية لإقامة اللقاء الخاص بهم فى مايو المقبل بدير الأنبا بيشوى بوادى النطرون، وبذلك يكون البابا تواضروس أول بطريرك يخرج الكنيسة للمجتمع مرة أخرى فهل ستتاح له الفرصة لذلك أم أنهم سيغتالونها من البداية؟.