هذا الحوار الذى أجريته مع الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس مضى عليه 31 عاماً.. كنت أحاور الكاتب الكبير عن الحرية وكان يبحث عنها ويحكى عن المهر الذى دفعه، لكى يخطب ودها ولا نزال جميعاً نبحث عنها ونطلب ودها. ∎ ألم تكتب للسينما أفلاما سياسية مباشرة ؟ - مرة واحدة.. بفيلم (الله معنا).. أردت أن أستقبل الثورة بأداة فنية أخرى غير القصة. ولهذا كتبت (الله معنا) مباشرة للسينما واشترك (سامى داود) فى هذا السيناريو.. ولاقى الفيلم متاعب كبيرة لدرجة أنه لم يظهر إلا بعد مرور ثلاث سنوات على الثورة. ∎ هل احتجت الرقابة على بعض مشاهد الفيلم ؟! - رحبت الرقابة بالفيلم، ولكن الأزمة التى حدثت بين جمال عبدالناصر ومحمد نجيب كانت السبب.. كان لسه نجيب فى الحكم.. شاهد الفيلم بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة وقالوا: لازم تشيل محمد نجيب من السيناريو، ثم يقول آخرون يجب أن يبقى محمد نجيب، طلعت تشنيعات كثيرة على هذا الفيلم ومرة قال لى جمال عبدالناصر : أنا سمعت إنك عامل فيلم مطلع فيه أمى غسالة . يستطرد إحسان عبدالقدوس: أنا ابتعدت عن تحديد دور عبدالناصر فى الفيلم، وجعلت البطل الذى يرمز لعبدالناصر يده مبتورة بعد أن عاد من القتال وقد قام بدوره عماد حمدى - عشان ميباقش جمال عبدالناصر.. وأذكر أننى سألت عبدالناصر وقلت له: شفت الفيلم؟ قال: لا.. قلت: شوف الفيلم وبعدين حاسبنى. وبالفعل شاهد عبدالناصر الفيلم فى القناطر وكنت معه، واكتشف أن لا أمه غسالة ولا حاجة. وبعد أن حذف دور محمد نجيب من الفيلم أمر بعرض الفيلم على الفور، بل أصر على أن يحضر بنفسه الافتتاح. وده كان الفيلم السياسى الوحيد الذى كتبته للسينما ! ∎ ولكنك دائما تضع بعدا سياسيا فى القصص التى تقدمها ؟ - طبعا، المغزى السياسى تجده فى العديد من قصصى، مثل شىء فى صدرى، فى بيتنا رجل، الرصاصة لا تزال فى جيبى، وغيرها إنما الفيلم السياسى مش ممكن يضمن نجاحه إلا إذا كانت هناك حرية كاملة فى كتابته وإعداده.. ثم حرية كاملة فى عرضه، ولكن الرقابة دائما عنيفة جدا عندما تتعرض لفيلم سياسى.. ويكون هدفها هو قتل هذا الفيلم، ولهذا تظهر هذه الأفلام بطريقة غير لائقة. ∎ السينما تعيش واقعا أليما ∎ أفلامك السياسية هل تعرضت لمقص الرقيب ؟ - كل أفلامى لم تنج من مقص الرقيب، الرقابة تتغير مفاهيمها مع تغير الحاكم، مثلا أيام السادات ظهرت أفلام صريحة جدا تقوم على نقد فترة ما قبل أنور السادات، ولو كانت هذه الأفلام نقدت أنور السادات أو الحكم فى فترة السادات لم يكن يسمح لها بالظهور. ∎ فى رسالة الماجستير التى قدمها (عصام نصر) عن الفيلم السياسى انتهى إلى أن السينما دائما تنافق السلطة الحاكمة بنقد فترة الحكم السابقة وليست الحالية ؟! - ليس نفاقا ولكنه واقع أليم، لا تستطيع أن تعرض فيلما سياسيا قويا كاملا ينتقد الحكم القائم فعلا الرقابة لن تسمح به.. وحتى اليوم لا نستطيع أن نعرض فيلما سياسيا إلا عن فترة سابقة، الأفلام اللى طلعت فى نقد حكم عبدالناصر، ممكن يطلع مليون فيلم عن نقد أيام السادات، ولغاية النهارده مطلعتش أفلام تنتقد السادات. ∎ هل يواجه الكاتب الروائى نفس المحاذير الرقابية التى يتعرض لها السينمائى ؟ - السينمائى يواجه صعوبة أكبر.. وخصوصا فى الفيلم السياسى، السينما تعانى أكثر من الصحافة أو الكتابة الروائية لأن السينما تصل إلى الطبقة الشعبية التى لا تجيد القراءة، والمعروف أن عدد الأميين فى مصر أكبر من عدد القراء لذا تتشدد الرقابة. ∎ لهذا يلجأ كاتب القصة والسينمائى أيضا إلى الماضى لينتقده فى الوقت الذى يريد أن يقول إن هذا هو ما يحدث الآن. مثل قصة (شىء فى صدرى) التى تنتقد أوضاع ما قبل الثورة بغرض انتقاد ما حدث بعدها ؟ - قطعا ده موجود، كان لازم أنسب القصة للماضى، شىء فى صدرى تعنى المجتمع السياسى الذى كان قائما قبل الثورة، لكن هذا المجتمع فضلت له أذيال بعد الثورة. ∎ الرقابة بين عبدالناصر والسادات ∎ هل كانت الرقابة أيام السادات أقل عنفا وتشددا بالمقارنة بفترة حكم عبدالناصر ؟! - مفيش شك، أنها أقل عنفا من أيام عبدالناصر، لكنها ظلت قائمة بشكل آخر، وهذا يعود للظروف التى أحاطت عبدالناصر والظروف التى أحاطت بأنور السادات. السادات على سبيل المثال ألغى الرقابة على الصحف اعتمادا على أن رئيس التحرير هو الرقيب وحتى اليوم لا تزال الصحافة القومية مفروضا عليها نوع من الرقابة غير المباشرة. ∎ خد عقلى وأعطنى فنك ∎ قلت للكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس: هل هناك تعريف معين للفيلم السياسى ؟! - لا يوجد تعريف معين، لكن الفيلم السياسى بوجه عام هو الذى ينقلك كحالة سياسية لا تستطيع أن تعيشها إلا إذا كانت تعبر عن واقع، ولهذا تلجأ الأفلام التاريخية التى لا تعبر عن واقع نعيش فيه حاليا، إلى قوة المناظر والتمثيل والسيناريو والحوار، ولكن إذا قدمت فيلما عن مرحلة حالية، فيجب أن تكون صريحا، وأن يمس هذا العمل واقعك مسا صريحا.. ده الفيلم السياسى من وجهة نظرى.. مثل قصة (الرصاصة لا تزال فى جيبى) كنت أمجد فيها انتصار أكتوبر 73 وحتى أكون واقعيا وأجعل الناس تتعلق بهذا الفيلم.. بدأت بالهزيمة فى 67 حتى انتهيت إلى الانتصار فى 73 ورغم ذلك لم يمر هذا الفيلم بسهولة مع الرقابة، وأنا أعتبره فيلما ناجحا لأنه واقعى وبه نقد صريح للاتحاد الاشتراكى.. الفيلم السياسى يجب أن ينقل المتفرج للحدث نفسه، زى ما أنا بقول دائما (خذ عقلى وأعطنى فنك)! ∎ هل يوجد عندنا أدب سياسى ؟! -لا.. لا.. الواقع أن أدب القصة ليس به متخصصون، هناك كتاب سياسة متخصصون فى هذه الناحية، لكن القصة لا تزال فنا جديدا بالنسبة لمصر حيث لم يزد عمرها على 70 عاما. فقط القصة تصدر عن إحساس وطنى وهذا الإحساس الوطنى مثلما يكتب عن «الترموايات» يكتب عن مشكلة إسرائيل لا يوجد كاتب متخصص فى القصة السياسية لكن هناك متخصصون فى المقالات السياسية. ∎ عبدالناصر.. الرقيب الوحيد المتفتح ∎ بعد هزيمة 67 قيل إن هناك بعض الحرية سمحت بها السلطة لامتصاص ثورة الناس،فهل انعكست هذه الحرية على الأدب والفن والسينما؟ بعد 67 لم تكن هناك حرية ولكن كان هناك بعض النقد فى حدود ضيقة ويدهشك أن الرقيب الوحيد الذى كان منفتحا ويستطيع أن يقدر ما ينشر وما لا ينشر بعد 67 هو جمال عبدالناصر نفسه، أذكر أن أى قصة سياسية أكتبها تواجه بالمنع لكن إذا قرأها عبدالناصر أفرج عنها على الفور، أذكر قصة «علبة من الصدئ المصدى» كتبتها بعد الثورة وكنت أقول من خلالها إن ما حدث أيام الملك يحدث أيضا أيام الثورة، وبعد أن ظهرت القصة فى كتاب فوجئت بأن عبدالناصر يأمر بإنتاجها فى التليفزيون. طلب منهم أن تظهر القصة كما هى فى التليفزيون وفوجئت بأنهم يطلبون القصة وعندما عرضت القصة فى التليفزيون أخبرنى أنور السادات أن عبدالناصر استأذن منهم أثناء أحد الاجتماعات وقال «أنا طالع أشوف القصة فى التليفزيون «عشان قلتلهم ما يغيروش منها حاجة». ∎ لماذا كانت الرقابة متشددة خلال تلك الفترة؟ جمال عبدالناصر كان شخصية متفتحة جدا، لكن أى واحد تانى يقولك أشطب أحسن لدرجة أن أحد أعضاء مجلس الأمة قدم سؤالا للمجلس عن قصة «أنف وثلاث عيون» وهذا يحدث لأول مرة فى العالم العربى كان السادات وقتها رئيسا لمجلس الأمة وقال لى إن هناك سؤالا موجها عن «أنف وثلاث عيون» قلت له: حاجة مدسوسة عليه، قال لازم أدى للمجلس حرية توجيه الأسئلة وعايزك تاخذ الموضوع ببساطة، ثم اتصل بى د.عبدالقادر حاتم وزير الإعلام ذلك الوقت الذى كان عليه أن يرد على سؤال عضو مجلس الشعب باعتباره وزيرا للإعلام وقرأ على نص الإجابة التى أعدها للرد على العضو وقال فيها إن هذا ليس دفاعا عن القصة، لكنه يرفض أن يتدخل المجلس فى أشياء من هذا القبيل. وإذا كان لا يمكن لأحد أن يفرض قيدا على إحسان عبدالقدوس فى الكتابة، فإن الذى لا يطيق هذه الحرية عليه أن يتقدم بشكوى أو بلاغ للنيابة، بالفعل انتهى الموقف وجاء لى مقدم السؤال إلى مكتبى واعتذر لأنه لم يقرأ القصة، وقال إنه كان ضحية لعبة سياسية. ∎الحكيم حاول ثم تراجع ∎ ولكن هذا الاتهام بالإباحية دائما ما يتردد ضد أغلب إنتاجك الفنى؟ أنا أحارب سياسيا بمهاجمتى أدبيا لما يقولوا عنى كاتب جنس.. أنا أعتبر نفسى أقل الكتاب فى هذه الناحية.. ودليلى على ذلك أن كثيرا من الكتاب افتكروا أن سر نجاح قصصى سببه الجنس.. وقدموا قصصا مليئة بالجنس، لكنها لم تنجح بالطبع لأنه لا يمكن أن تنجح قصة إلا إذا كانت مجردة من تعمد الجنس وأنا لا أتعمد الجنس كموضوع، أنا فقط أعطى لنفسى صراحة فى المشاهد بلهجة مهذبة. ∎ الرقابة حاليا كيف تراها؟ حاليا لا يوجد اتصال بين الكاتب ومركز الصحافة، العنصر الوحيد الذى يسيطر على كل الصحف هو رئيس التحرير نفسه، ورئيس التحرير ممكن يمنع نشر ما لا يريد نشره، وكلنا تعرضنا لذلك حتى توفيق الحكيم. ليس بسبب تدخل الرقابة ولكن بسبب رئيس التحرير وبالطبع هذا موجود فى كل صحف العالم فرئيس التحرير هو الذى يحدد ما ينشر وما لا ينشر ولكن ما هى العلاقة بين رئيس التحرير والحكومة.. هل يخضع لها أم لا؟ ∎ لا أخفى شيئا.. ∎ عندما تكتب هل تخفى بعض أشياء حتى لا تصادر الرقابة ما تريد أن تقوله؟ - أنا من عادتى - وهذا هو ما تقوم عليه شخصيتى - حر جدا مع نفسى، أنا منعزل بنفسى وأكتب ما أعتقد أنه صحيح وأقتنع به ولايؤثر أحد على رأيى وأتذكر فى عام 54 كنت أقدم للإذاعة حديثا كل أسبوع. هذا الحديث بكلمة تصبحوا على خير تصبحوا على حب، وثار بعض المتزمتين وقالوا إزاى تقولوا تصبحوا على حب، معنى كده أنه بينصح بممارسة الجنس، اتصل بى جمال عبدالناصر وقال لى: ما تغير تصبحوا على محبة، عشان تبعد الاتهام عنك، قلت لا.. لا يمكن، أنا أريد أن أضع هذه الكلمة فى موضعها الصحيح، قاللى عبدالناصر طيب زى ما يعجبك، وبعد أن قال عبدالناصر ذلك قررت أن أتوقف عن التسجيل للإذاعة منذ ذلك التاريخ وبعد ثلاثين عاما لا أزال مصرا على ذلك! وبابتسامة ودودة حانية لم تفارق ملامحه طوال الحديث يضيف إحسان عبدالقدوس: الحب هو تبادل الإحساس بالمسئولية بين الناس كلها، أنا مسئول عنك لأننى أعطى لك حديثا وأنت مسئول عنى لأنك سوف تنشر هذا الحديث فإذا كنت أنا أحبك وأنت تحبنى فمن المؤكد أن هذا الحديث سوف ينجح. الحب هو الله والوطن والناس. كانت هذه رحلة طوال الأسابيع الماضية مع السينما والسياسة أثارتها رسالة الماجستير التى حصل عليها «عصام نصر» المدرس المساعد بكلية الإعلام، ربما لم تكن الإجابات كافية، ربما أخفى السينمائيون بعض آرائهم.. ربما حجبوا بعض الحقائق، ولكن يبقى أن هذه أول محاولة تضع السينمائيين والسياسة على خط ساخن.∎