رئيس الشيوخ عن التعديل الوزاري: تداول المسئولية سُنْة العمل العام وجوهر الديمقراطية    بدء الجلسة العامة لمجلس الشيوخ برئاسة المستشار عصام فريد    سعر اليورو اليوم الأحد في البنوك.. بكام في البنك الأهلي؟    المالية تعلن بدء صرف مرتبات فبراير 2026 غدًا    نائب محافظ البنك المركزي: الاستدامة والتمويل الأخضر وإدارة مخاطر المناخ في صدارة أولويات القطاع المالي منذ 2020    وزيرة التنمية المحلية والبيئة توجه بسرعة فحص الشكوى ومتابعة دورية لجهود رفع المخلفات وتكثيف خدمات الجمع ونقلها للأماكن المخصصة    بنك مصر يخفض عوائد الحسابات بعد قرار المركزي بخفض الفائدة 1%    روسيا: أسقطنا 222 مسيرة أوكرانية خلال 24 ساعة    توافق مصري تونسي على أهمية الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي الليبية    كييف تعلن إسقاط 55 طائرة مسيرة روسية خلال الليل    رحيل اضطراري، محمد صلاح يستعد لمغادرة ليفربول و3 معايير تحسم وجهته المقبلة    ضبط 4 ملايين جنيه حصيلة قضايا النقد الأجنبي و6 أطنان دقيق خلال 24 ساعة    تداول فيديوهات لغرق مطاعم و كافيهات على كورنيش وشواطئ الإسكندرية    قتله شاب ثأراً لابيه بعد ربع قرن.. الامن يكشف ملابسات مقتل مدير مدرسة بقنا    مصرع 3 عناصر شديدة الخطورة، الأمن يداهم بؤر إجرامية في قنا وأسوان وأسيوط    محاكمة مديرة مدرسة سيدز ومشرفاتها بتهمة تعريض الطلاب للاعتداء    ضبط 45 مخالفة تموينية متنوعة خلال حملات مكثفة على الأسواق بالفيوم    تنوير بير السلم    إعفاء دور النشر المشاركة في «دمشق للكتاب» من رسوم الاشتراك    هل تم إغلاق بوابة مستشفى الدمرداش؟.. جامعة عين شمس تكشف التفاصيل    نائب بالشيوخ يستعرض تفاصيل طلب مناقشة بشأن العلاج على نفقة الدولة    تخريج الدفعة الأولى من الجامعة الأوروبية في مصر    وزير الصحة يشهد تخريج الدفعة الأولى من الجامعة الأوروبية في مصر    حبس سيدة ألقت ابنها الرضيع على قيد الحياة بمقلب قمامة فى الإسكندرية    خيانة وكتاب أثري يشعلان «فن الحرب».. يوسف الشريف يعود لدراما رمضان بعد 4 سنوات    تسريبات جديدة حول مقتل لونا الشبل.. ماذا كشفت؟    ماذا ننتظر من نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية؟!    هشام حنفي: كامويش ينقصه التأقلم.. وناشئو النادي يستحقون فرصة    حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت..    ارتفاع طفيف بسعر الدولار مقابل الجنيه فى بداية تعاملات اليوم    مسلسل رأس الأفعى يتصدر تريند X قبل عرضه حصريًا على ON فى رمضان    أنا وقلمى .. قصتى مع حفيدتى.. و«عيد الحب»    «كولونيا» و«القصص» يمثلان مصر في مسابقة الفيلم الطويل بمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية    وزيرة الثقافة تشهد حفل ختام سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت وتؤكد: أحد أهم الفعاليات الداعمة للإبداع    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 15فبراير 2026 فى المنيا....اعرف مواقيت صلاتك بدقه    أولاد حارتنا.. أسئلة فلسفية! (3)    على هامش مؤتمر ميونخ.. وزير الخارجية الصيني يدعو لتعزيز العلاقات مع كندا    نص كلمة الرئيس السيسي خلال تقرير اللجنة التوجيهية لرؤساء دول وحكومات "النيباد"    السيسي: مصر تعتزم تنظيم قمة أعمال أفريقية خلال العام الجاري    القطة التى أوقعت ب«إبستين»    شائعة جديدة تطال طبيب القلوب والعقول.. القصة الكاملة عن حسام موافي    زكى رستم، عملاق التمثيل الذي أرعب فنانات مصر وهذه قصة رفضه لفيلم عالمي يهاجم العرب    أسعار الخضراوات اليوم 15 فبراير 2026    اليوم.. نظر محاكمة 11 متهما بقضية داعش الهرم    رئيس الأساقفة حسام نعوم في زيارة محبة للمطران كيريوس كرياكوس في الناصرة    بيان "نص الليل"، كواليس الصلح بين السيد البدوي ومنير فخري عبد النور    شهداء ومصابون في قصف إسرائيلي على مخيم جباليا شمال غزة    مواقيت الصلاة الأحد 15 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    «كلموني عشان أمشيه».. شيكابالا يكشف مفاجآت بشأن أزمة عواد في الزمالك    الملكي يعتلي القمة.. ريال مدريد يمطر شباك سوسيداد برباعية في البرنابيو    القبض على داعية سلفي بعد فيديو مسيء لوالدي النبي عليه الصلاة والسلام    صدارة الدوري.. سعود عبد الحميد يساهم في انتصار لانس بخماسية على باريس    بعد التأهل متصدرًا.. من يواجه الزمالك في ربع نهائي الكونفدرالية    صلاح: كنت تحت الضغط أثناء ركلة الجزاء.. والتتويج بالكأس يعتمد على سوبوسلاي    رد الهزيمة بسيناريو مماثل وتاريخي.. إنتر يفوز على يوفنتوس في الدقائق القاتلة    مواقيت الصلاه اليوم السبت 14فبراير 2026 فى المنيا    هل طلاق الحامل صحيح؟.. الإفتاء تُجيب    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوسف القعيد يكتب: عندما قابلت إحسان عبدالقدوس قبل ربع قرن «1-2»
نشر في الدستور الأصلي يوم 19 - 02 - 2010

مازلت في انتظار الناقد الذي ينصفني، من يصدق أن إحسان عبدالقدوس - أكثر الروائيين شهرة في الثلاثين سنة الأخيرة - يقول هذا الكلام؟ ربما كان الصدق مع النفس والصدق مع الآخرين هو دافعه لتلك الكلمات.
لقد آن لنا أن نتحدث بصفاء ووضوح عن أكثر الروائيين العرب إثارة للجدل والنقاش، فقد وصل توزيع كتبه إلي أرقام فلكية ومع هذا لم ينصفه النقاد حتي الآن، مع أنه قدم إنتاجه الأدبي في سنوات تميزت بالتوق والبحث عن حساسية أدبية جديدة، وإحسان عبدالقدوس - فضلاً عن الدور الأدبي - هو جزء متوهج من تاريخ مصر السياسي والاجتماعي في نصف القرن الأخير.
ولأنه كان يحتمي بالصمت في الفترة الأخيرة وكان يردد أنه يهرب من المقال السياسي إلي جنة القصة والرواية، فالحديث مع إحسان عبدالقدوس يحاول أن يعرض بأسلوب مباشر وبسيط، كيف يفكر صاحب الوسادة الخالية، وفي بيتنا رجل، ولا تطفئ الشمس. وسيجد فيه قراؤه المتعمقون وقراؤه السطحيون - علي حد سواء - خلاصة لموقف الرجل وآرائه وأفكاره. إن من يستمع إليه وهو يتكلم يتأكد أنه أمام إنسان رضع الأدب منذ صغره وتغذي علي أصوات الفن.
إحسان عبدالقدوس، تخرج أصلاً في كلية الحقوق وعمل محامياً لمدة عام ونصف العام، وكان أول شيء ينشره قصيدة من الشعر المنثور نشرها دون توقيع، وكان أول مرتب له قدره عشرة جنيهات، وتولي رئاسة التحرير وعمره ستة وعشرون عاماً فقط وهو الصحفي الذي فجر قضية الأسلحة الفاسدة وهي إحدي القضايا التي مهدت لثورة يوليو وحمل قلمه وقاد به المعارك، ومصر الملكية تتصدع أسسها ببطء، وعاصر الثورة وهي مجرد حلم في الأذهان وكان صديقاً لرجالها.
الحديث معه سياحة في الزمان والمكان، تستدعي كلماته رجال هذا العصر كلهم ابتداء من أمه السيدة فاطمة اليوسف، ووالده محمد عبدالقدوس الذي يكشف إحسان هنا، وفي هذا الحديث - عن كلام لا تعرفه الأجيال الجديدة لأول مرة - وهو أن والده كان شاعراً وكان كاتباً مسرحياً وأن إحسان اتجه إلي الأدب كنوع من التقليد له.
قال إحسان عبدالقدوس: إن السجن في بلد حر أفضل من الحرية في بلد سجين. وكانت قضية حرية الرأي أهم قضايا عمره وقال أكثر من مرة: إن اليوم الذي يمر عليه دون أن يكتب قصة يوم لا قيمة له، ومن قبل قال الروائي الأمريكي أرنست هيمنجواي: تناسب الصحافة الروائي دائماً، غير أن عليه أن يعرف متي يتركها في الوقت المناسب.
وقصة إحسان عبدالقدوس، هي قصة ذلك الذهاب والإياب بين القصة، عشقه الأول والصحافة حرفة عمره الأولي..
لن نقول إنه أشمل وأكمل حديث أدلي به إحسان عبدالقدوس ولكن تعالوا نقرأ العناوين فقط: محمد نجيب، جمال عبدالناصر، أنور السادات، محمد عبدالقدوس الأب، فاطمة اليوسف، محمد عبدالقدوس الابن، موقف النقاد، العزلة التي يعيش فيها الآن، سينما هذا الزمان الصعب، الذهاب إلي المسرح المستحيل، الرواية الخيرة وظروف كتابتها، المعارك الطويلة علي مدي العمر، الطفولة البعيدة، أين المرأة في القصص الأخيرة؟ الحنين للارتباط المنظم بالحياة الأدبية والصحفية، هل سيعود للكتابة السياسية في مصر؟
وهذه العناوين مجرد فقرات من أطول حديث له.
- لا بد من البدء باعتراف صغير وخاص، إنها المرة الأولي التي أجلس فيها مع إحسان عبدالقدوس أراه وأسمعه وهو يتكلم. ألقي أمامه، بكل ما لدي من تساؤلات ويرد عليها برحابة صدر نادرة، بدأ أبناء جيلي في التعامل مع الحرف المكتوب وهو كاتب مشهور ومعروف. وقابلنا كل الأساتذة الذين سبقونا وهو وحده الذي لم يلتق به العديد من أبناء جيلي.
من يصدق أن الكاتب الذي تمتلئ قصصه بكل هذه الحرارة الراعشة والذي يقدم في أدبه هذا المجتمع المترامي الأطراف فرض علي نفسه من البداية حالة فريدة من العزلة. قديماً قالوا: إن العزلة الكاملة هي الطعام الحقيقي لأي فنان صادق. ومن النادر أن تشاهد إحسان عبدالقدوس في مكان أدبي، ومن النادر أن تشاهده يخاطب الجماهير، مع أنه في حجرة مكتبه المغلقة جيداً يعيش مع أبطاله، وقصصه بكل الحرية والجرأة التي لا يتصورها أحد. لا بد من ظهور خاص، تلك هي المرة الأولي - فيما أعلم - التي يجلس فيها إحسان عبدالقدوس، ثلاث ساعات يتكلم عن نفسه وعن حياته برحابة صدر من النوع النادر. حتي الأسئلة التي سببت له الألم أجاب عنها. وحتي الأسئلة التي تركت في النفس الإحساس بالمرارة، تكلم رداً عليها. مع أنه نادر الأحاديث التي أدلي بها من قبل. ومع هذا كان كريماً لحد السخاء في الرد علي كل سؤال وجهته إليه.
فقط أكتب الآن بعد ربع قرن من اللقاء أن إحسان عبدالقدوس طلب مني حذف جملة واحدة من الحديث. عندما قال لي إنه قابل مع غيره من الصحفيين الرئيس السادات في القناطر الخيرية بعد اعتقال ابنه محمد. وأن السادات لحظة خروجه توقف أمام إحسان وقال له إنه حبس ابنه محمد. فرد عليه إحسان: المهم أن يتم كل شيء في إطار سيادة القانون. وقبل أن ينصرف سأله: تحب أفرج عنه يا إحسان؟ فقال إحسان: إنه لا يحب أي شيء استثنائي. ما يسري علي غيره يسري عليه.
ولأن هذا الحديث أجري بعد اغتيال السادات. وقبل الإفراج عن الذين اعتقلهم السادات. وفي الأيام الأولي لحكم الرئيس مبارك. فإن إحسان عبدالقدوس رأي أن نشر هذا الكلام قد لا يكون مناسباً للمناخ العام. فقد لاحظت عليه رغم أن محمد ابنه كان في السجن وقت إجراء الحديث. فإن الرجل كان يتكلم عن السادات بشكل ما من أشكال الحب. وهذا حقه.
اللقاء زمانه ومكانه:
جري اللقاء في منزل إحسان عبدالقدوس شقة من الزمان القديم. الحجرات الواسعة، الطرقات نصف المظلمة الطويلة الطويلة، البيت الذي يعبق برائحة من نوع خاص. أول ما تشاهده وراء الباب جرائد اليوم الصادرة في صباح اليوم، موضوعة في مكان خاص بها، جلسنا في حجرة مكتبه، حجرة زجاجية، يحيط بها الزجاج من كل ناحية. وراءه صورة قريبة الشبه منه رسمها له جمال كامل وهو مصلوب. يقول لي: هكذا أفهم وضع المفكر؛ مصلوب طوال عمره، محاط بعالم من الكتب، وراءه شهادة أمه الخاصة بفن التمثيل صادرة من المملكة المصرية، وزارة الأشغال العمومية. تشجيع التمثيل. والشهادة الخاصة للسيدة فاطمة اليوسف صادرة في سنة 1925 وخلفه صورة والدة محمد عبدالقدوس وأمه فاطمة اليوسف. وصورة أخري لمحمد عبدالقدوس وفاطمة اليوسف ومكتوب تحتها تاريخ الزواج: يونيو سنة 1917، يقول إحسان:
- ولدت بعد التقاط هذه الصورة بعامين.
في مواجهته، مجموعة مجلدات روز اليوسف وصباح الخير - وتحتها أعماله الكاملة 34 كتاباً هي كل نتاجه الأدبي فيها 500 قصة ما بين قصيرة وطويلة قدمها علي مدي سنوات عطائه الأدبي وعلي مكتبه العدد الأخير من مجلة الهلال ومجلة صباح الخير، وكتاب توثيقي عن معاهدة كامب ديفيد فيه النصوص الأساسية لها، وعدد من نشرة التقدم؛ النشرة التي كان يصدرها حزب التجمع الوحدوي التقدمي الوطني. في غياب جريدة الأهالي. فوق أعماله الكاملة؛ توجد اللافتة الوحيدة في المكتب وهي آية كريمة من القرآن الكريم ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم) في مواجهته صور العائلة؛ ابنه محمد، أحمد الموجود حاليا في أمريكا وزوجته. وابناه كريم وشريف، في الحجرة أكثر من صورة لابنه محمد، المتحفظ عليه الآن يعلق هو علي ذلك قائلاً: منذ التحفظ علي محمد في الثالث من سبتمبر الماضي ونحن نجمع كل صوره ونكبرها ونضعها هكذا. أحدث صورة لمحمد وعروسه في زفافه؛ وهما يقطعان معاً تورتة الفرح.
يقول: أم محمد هي التي تجمع هذه الصور العديدة وترفعها في كل مكان في البيت الآن.
كتب الآخرين:
قال إحسان عبدالقدوس ذات يوم إنه لا يقرأ الكتب التي تُهدي إليه، وإنما يقرأ الكتب التي يشتريها فقط. لم هذا؟. يبتسم الرجل الذي يلبس بنطلوناً أسود وفانلة شبابية سوداء ويضع علي العينين نظارة سوداء وكل هذا اللون له حضور خاص في حجرة زجاجية: يصبح لشمس الشتاء حضور نادر فيها. ويقول:
- هذا الكلام له قصة. كنت أهدي كتبي إلي الآخرين وفي ذات يوم قال لي الدكتور طه حسين إن زوجته تشكو من كثرة الكتب في البيت. وأنه يضع بعض هذه الكتب في البانيو ومن يومها لم أهده أو أهدي غيره كتبي خوفاً من هذا المصير الغريب. وإن كنت أقرأ كل ما يصلني من الكتب، وأعتز بالكتب المهداة إليَّ فعلاً.
في هذه الأيام، تنشر لإحسان عبدالقدوس رواية مسلسلة: في القاهرة ولندن معاً. قال لي بسعادة غامرة، إنه بعد نشر الحلقة الأولي منها سأل رئيس التحرير: هل ارتفع التوزيع بعد نشرها أم لا؟ وكالعادة كانت الإجابة إن نشر القصة رفع التوزيع فعلاً. ولكن السؤال، الذي يثيره نشر هذه القصة الآن هو: هل لها علاقة بما جري في مصر مؤخراً ابتداء من السادس من أكتوبر الماضي؟ «اغتيال السادات وما جاء بعده» الرواية عنوانها: «يا عزيزي كلنا لصوص». والذي يستوقف الإنسان هو: علي من تعود نون الجميع في هذه الرواية؟ قال إحسان عبدالقدوس:
- في رواياتي، لا أتعمد شخصية معينة تكون البطل. أنا في كل قصصي أعتمد علي تنوير نواحي المجتمع. هذه القصة قائمة علي ناحية معينة من نواحي المجتمع خاصة الناحية الاقتصادية والتجارية وكيف يخسر الناس وكيف يكسبون. إنه ما يسمونه بالانسياب الاقتصادي.
هل كتبت هذه القصة بعد السادس من أكتوبر؟
- هذا كلام يقال، ولكنه غير صحيح، لم أكتب هذه القصة بعد وفاة المرحوم أنور السادات. فأنا قد انتهيت من كتابتها منذ عام مضي تقريباً. ولكن جدَّت بعض الظروف جعلت نشر القصة - في هذا العام الأخير صعباً - وهذا تقرير شخصي مني أنا. لقد قررت أن أنشرها في الأيام الأخيرة من حكم الرئيس أنور السادات. إن الفترة الأخيرة لم تكن تسمح بنشر هذه القصة لأنها تقوم علي نقد عنيف. الجو العام الذي تقوم عليه القصة كان يتعارض مع الموقف بالنسبة للنشر، أو للسماح بالنشر، ولم يكن في نيتي نشر هذه القصة في لندن أبداً وأنا أخصص القصص للنشر الداخلي ولكن بعد أن اتفقت علي نشرها في مصر قررت نشرها في لندن في نفس الوقت. من عادتي أن أكتب القصص وأركنها فترة من الوقت.. وللعلم لديَّ الآن ثلاث روايات تنتظر النشر فعلاً.
هذا يقودنا إلي مفردات الكتابة وطريقتها عندك. كيف تكتب؟
ومن أي النقاط تبدأ الرواية عادة؟
- أبداً دائماً بتحديد الموضوع، موضوع القصة، وأعتمد غالباً في هذا علي الخواطر وعلي المؤثرات العامة التي تؤثر في خواطر أي إنسان. وبعد أن أقرر الموضوع أبدأ في تحديد الأحداث والشخصيات، التي تعبر عن رأيي في هذا الموضوع. وهذا قد يستغرق مني عدة أشهر وأحياناً سنة كاملة وأنا تائه بخيالي في موضوع القصة إلي أن أستقر علي صورة كاملة. فأبدأ الكتابة بعد أن أكون قد حددت النقاط التي ترسم القصة. كتابة القصة ليست سهلة بالنسبة لي. ولكنها أكثر إمتاعاً لي - وأنا أكتب - من كتابة المقال السياسي. عندما أكتب القصة أشعر أني منفعل كلياً. ولكن في المقال السياسي أعتمد فقط علي التفكير العقلي. القصة تشمل إحساس الكاتب أيضاً، والتعبير عن إحساسه وهو يكتب دائماً، أحياناً أقول إن كاتب القصة كالممثل، فالممثل يمثل الشخصيات علي المسرح والكاتب يمثل هذه الشخصيات علي الورق بقلمه.
عن العودة للكتابة السياسية في مصر:
في ظل الانفراج الذي حدث مؤخراً في مصر. يطرح السؤال نفسه: هل يعود إحسان عبدالقدوس إلي الكتابة السياسية في مصر مرة أخري؟
- لم يعرض عليَّ أحد حتي الآن أي شيء. وأنا سبق أن اتفقت مع الأهرام - علي أن أقتصر في عملي - علي نشر القصص فقط. ولا يزال هذا الاتفاق مستمراً. ولم يحدث أي اتفاق مع أي مؤسسة صحفية، أو دار للنشر حتي الآن.
والروايات الثلاث الموجودة في درج مكتبك الآن، ماذا عنها؟
- أفضل - وأرجو أن توافقني علي ذلك - أن أحتفظ بعناوين وموضوعات هذه القصص مفاجآت للقارئ.. ولأنها كلها قصص طويلة، يستغرق نشر الواحدة منها عاماً كاملاً تقريباً.
- الجالس علي المقهي في الشارع السياسي عندما يتكلم عن زعماء عصره لا يمكن الجلوس مع إحسان عبدالقدوس الرجل الذي يمثل جزءاً مهماً من تاريخ نصف القرن الأخير من حياة مصر، دون سؤاله عن الزعماء الذين عاصرهم.
ماذا عن تقييمك لمرحلة حكم الرئيس أنور السادات؟
- صداقتي بالمرحوم أنور السادات لم يؤثر فيها تباعدنا العام واختلافاتنا السياسية فكنت محتفظاً بصداقته، وأعتقد أنه هو الآخر ظل محتفظاً بصداقتي، رغم التباعد، ورغم الخلاف، ورغم أن ابني محمد كان من بين المتحفظ عليهم في سبتمبر الماضي فهي صداقة تعود إلي عمر طويل بدأت منذ عام 1948، وقد تعرضت هذه الصداقة لكل ما شمل هذا العهد من أحداث ورغم ذلك لم تتأثر، لأنها لم تكن مجرد صداقة عمل ولكنها صداقة تقارب علي المستوي الشخصي وتفاهم في الهدف الوطني رغم الاختلاف في وسائل تحقيق هذا الهدف. بالنسبة لأنور السادات، أضعه في الإطار الذي أضع فيه كل تاريخ مصر منذ بدء الثورة. فقد تولي حكم مصر منذ بدء الثورة حتي الآن، 4 رؤساء أؤمن بأن كلاً منهم قام بدوره ثم انتهي عندما انتهي هذا الدور، محمد نجيب قام بدوره في تقديم الثورة في صورة أكثر جدية؛ بدلاً من أن تكون مجرد ثورة شبابية وبعد ذلك قام جمال عبدالناصر بدوره في تحقيق ما تفرضه الثورة فعلاً؛ أي في هدم كل ما كان قائماً قبل الثورة وبناء مجتمع جديد تفرضه الثورة ثم انتهي دور جمال عبدالناصر وكان الوضع بعد هزيمة 67 يحتاج إلي شخصية مغامرة جريئة ليست شخصية عادية فاختار الله أنور السادات واستطاع السادات أن ينقل مصر من حالة إلي حالة. ثم انتهي دوره. وأصبحت مصر في حاجة إلي شخصية لها مقومات أخري تستطيع أن تضمن لمصر الأمن والأمان وبناء المستقبل. واختار الله حسني مبارك ليقوم بهذا الدور.
هل أنت قدري؟
- من طبيعتي الاستسلام للقدر. فأنا مؤمن بالله وبأن الله يحب مصر وبذلك يجعل القدر يتطور بها من مرحلة إلي أخري ويختار لكل مرحلة ما يناسبها من الرجال وأن يتحمل مسئوليتها.
وماذا عن المستقبل؟
- المستقبل يتطلب عملية بناء واسعة ويتطلب تخطيطاً جيداً وتفاصيل جديدة. فنحن مثلاً نحتاج إلي الحرية الاقتصادية ولكن هذه الحرية إن لم يتم وضع ضوابطها بحيث تكون واقعاً ثابتاً، تضمن التوفيق بين المصالح المتضاربة بين الطبقات ونحن مثلاً نقول الديمقراطية ولكننا لم ننته بعد من وضع تفاصيل هذه الديمقراطية بحيث تستقر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة والأحزاب، وهكذا. فكل ما نأمل فيه بالنسبة لمستقبل مصر لم يتم وضع أسس ثابتة له وتفاصيل كاملة بحيث تصل إلي حالة مستقرة وتستقر مئات السنين كما هي الحالة مثلاً بالنسبة لأمريكا وبالنسبة لدول أوروبا المتقدمة.
يتحدث الرئيس حسني مبارك كثيراً عن دور المثقفين في المرحلة القادمة، ما هو تصورك لهذا الدور؟
- دور المثقفين لا يقوم علي تصريح من الرئيس. دور المثقفين يكون علي مسئوليتهم عن أنفسهم وإتاحة الطريق أمامهم لتحمل هذه المسئولية، أو أي فرد آخر فلا يجب أن تكون من مهامه تحديد دور هؤلاء المثقفين. المثقف معناه أنه إنسان مبدع، خالق متطور، يبدع بنفسه، ولنأخذ مثالاً عندما يعين الرئيس ويعين أحد المثقفين رئيس لجنة، أو رئيس وزارة، ونتيجة هذا التعيين تعتمد علي المثقف نفسه. فهو مسئول عن نفسه وبعد هذا فمجال المثقفين أوسع من التوجيهات أو التعيينات الرسمية، إنها مسئولية تصل إلي الشارع نفسه.
إحسان وابنه محمد:
محمد عبدالقدوس صحفي شاب ابن إحسان عبدالقدوس، متحفظ عليه الآن تري كيف يري الأب هذه المرة وضع ابنه هناك في السجن؟
- أتعمد أن أتعامل مع ولدي محمد وأحمد، منذ وعيهما علي أن أحمِّل كلا منهما مسئولية نفسه وأنا لا أملك ولا أعطي نفسي أي حق عليهما إلا مجرد إبداء الرأي إذا استشاراني. محمد عمل بالصحافة، وصمم علي أن يبدي رأيه السياسي ولا شك أنني مختلف معه، لا في الأهداف الوطنية، ولكني أختلف معه في طريق الوصول إلي هذه الأهداف ولكن الخلاف لم يؤثر أبداً في العلاقة الأبوية التي تربطني به، ولا في احترامي له بل إني أضع نفسي دائماً بجانبه، وأترك له نفس الحرية التي أتركها لنفسي وأتساءل دائماً: ربما كان هو أصوب مني في رأيه خصوصاً وأني عندما كنت صغيراً ومن الجيل الجديد كنت مختلفاً سياسياً مع أقرب الناس إليَّ، وكنت أعتقد أنني الأقرب إلي الصواب ولأنني أعتقد أن كثيراً من آرائي هي التي تحققت فعلاً فربما كانت آراء محمد أيضاً هي الأصوب وهي التي يمكن أن تتحقق.
كيف تقول إن هناك خلافاً بينكما، والوسيلة واحدة وهي الكتابة؟
الاختلاف في الآراء، نحن نتكلم عن الديمقراطية، وإن كان موقف كل منا مختلفاً عن الآخر.
ما الجذور التي خرج منها محمد إذن؟
- قد لا يعلم الناس أنني من عائلة متدينة كلها، محمد ليس غريباً في اتجاهه عن العائلة. جدي الشيخ أحمد رضوان كان من خريجي الأزهر، ومن رجال القضاء الشرعي وكان شخصية متحفظة بحكم تدينه، واشترك في الحياة السياسية وإن كان معجباً بالفن في حدود هذا التدين وكان يحضر عنده كل المطربين؛ عبده الحامولي ورجال عصره من أهل الفن وقد أطلق علي ابنه اسم عمنا عبدالقدوس رضوان وعبد القدوس اسم عازف ناي كان جدي معجباً به ومع الأيام ضاع اسم رضوان وأصبح أبي يحمل اسم عبدالقدوس وهو الوحيد الذي يحمل هذا الاسم في العائلة. وباقي العائلة لا يزال يحمل اسم رضوان وقد لا يعلم الكثيرون أننا من القرية أصلاً. فنحن من قرية شبرا اليمن التابعة لقرية كفر مأمونة من محافظة الغربية وكنا نملك هناك خمسة أفدنة وكنت أتردد علي هذه القرية حتي سن العاشرة وكنت أقضي فترة كل سنة في هذه القرية ثم انفصلت عن القرية بعد وفاة جدي والعائلة لا تزال في القرية وتحمل اسم رضوان.
الحلقة الثانية الأسبوع القادمة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.