يبقى السؤال المعلق: لماذا لم يقدم المسرح المصرى إبداعاً يليق بالانتصار العبقرى لمصر فى أكتوبر 1973؟ الإجابة تأتى فى تأمل الفصل اللاشعورى بين تمجيد انتصار الشعب المصرى وجيشه العظيم وبين المسافة النفسية للمثقفين المصريين مع بطل أكتوبر الرئيس الراحل أنور السادات.
وسبب هذا الأمر هو مناخ الحظر والمصادرة الذى شهدته مصر لأهم رموز الفكر والإبداع والثقافة التى تألقت فى ظل النظام الناصرى، ويصبح السؤال المزعج : كيف أفرزت هزيمة 1967 إبداعاً مسرحياً مصرياً عبقرياً؟ بينما تجاهل المسرح الاحتفال بالنصر بذات المستوى؟!
وتأتى الإجابة بأن السادات قد حاصر المثقفين التقدميين فتم حظر عرض مسرحية باب الفتوح لمحمود دياب وسعد أردش فى موسم 1971 وسافر أردش إجبارياً للعمل بالجزائر فى ذات العام، وتوالى رحيل وغياب الكبار تدريجياً، خاصة مع تصاعد موجة ضغط نظام السادات على المثقفين عقب مظاهرات الطلبة الشهيرة 1972 والتى خلدها أمل دنقل فى قصيدته الشهيرة الكعكه الحجرية.
ظهر الإسلام السياسى فى الجامعة عبر شعار حزب الله يواجه حزب الشيطان وتمدد إلى الشارع، وتم مصادرة الكبار فى معظم مجالات الإبداع، وقد امتدت الكارثة لقامه فى حجم الأديب الكبير الراحل يحيى حقى الذى تم عزله من رئاسة تحرير مجلة المجلة فى حملة إغلاق كل المجلات الأدبية التى كانت تصدر فى مصر فى بداية السبيعينات.
تفسير الأمر فى إطار الخداع الاستراتيجى للعدو حيث منع السادات كل الأصوات التى كانت تنادى بالمعركة هو تفسير أراح الصدور قليلاً صبيحة السادس من أكتوبر ,1973 ولكن استمرار سياسات حصار الثقافة الجادة عقب الانتصار والدخول فى معادلات انقلابية لصالح الإسلام السياسى والكيان الصهيونى وسياسات الانفتاح الاقتصادى ابنة الرأسمالية المتوحشة، والتى انتهت بالإغتيال العبثى لبطل أكتوبر فى حادثة المنصة الشهيرة.
ولذلك يمكن فهم الالتحام المدهش لمصر حول القائد جمال عبد الناصر رغم هزيمة دولته ونظامه السياسى عام 1967 م، وهو ما عبر عنه المسرح المصرى فى أهم إبداعاته القيمة التى كسرت المسرح التقليدى والتحمت مع أحدث منجزات المسرح العالمى وخاصة المسرح الملحمى والتسجيلى، يكفى أن أذكر من موسم 1967 الزير سالم «لألفريد فرج»، وليالى الحصاد «لمحمود دياب»، وظل هذا الزخم حاضراً حتى بداية السبعينات لأن مصر كانت تقاوم الانكسار بكل طاقة الإبداع العبقرى، وظل المسرح عقب أكتوبر 1973 حاضراً، ولكنه كان فى إطار احتفالى يمكن وصفه بالانفعال الفرح دون الاعتناء بجماليات الكتابة والإخراج المسرحى، فقد كانت معظم المسرحيات أمسيات حماسية ذات طابع مباشر وبسيط، وفى ظل غياب كبار الكتاب عن 1973 فقد حضر للمشهد النقاد والشعراء ففى موسم 1973 يكتب الناقد الراحل الكبير فؤاد دواره مسرحيته «العبور»، ويكتب الناقد إسماعيل العادلى مسرحيته حدث فى أكتوبر ليخرجها كرم مطاوع، ويقدم الشاعر زكى عمر أمسيته المسرحية إخراج القدير الراحل عبدالغفار عوده، ولكن تبقى مسرحيات ذات طابع احتفالى هو تعبير عن الانفعال بالانتصار العبقرى، إذ يبدو أن الإبداع المصرى يتجلى فى المقاومة أكثر من تجليه فى الانتصار.
أما المواسم المسرحية التى تلت ذلك فقد ظلت محاصرة فى مسرح يقرأ أفكار الدولة ويتردد كثيراً فى الاحتفاء بالمخالفين لها، مما ساهم فى تراجع المد المسرحى المهم منذ 1967 حتى 1971 ليظهر المسرح التجارى المرتبط بالانفتاح الاقتصادى فى إشارة لبدء عملية تراجع قوة مصر الناعمة تدريجياً.
ولذلك يبقى نصر أكتوبر حتى الآن يحتاج لمن يرصده ويخلده فى إبداع مسرحى خلاق يتجاوز الصيغ الاحتفالية المتكررة، مثله مثل نصر 25 يناير العبقرى الذى لم يلازمه إبداع مسرحى وثقافى يليق به، إذ دخلت مصر فى صراع مختلف جديد مع قوى الإسلام السياسى التى أطلقها السادات ضد قوى الثقافة الوطنية فى أوائل السبعينيات، مما يضعنا أمام إشارة واضحة بأن ثورة 30 يونيو العبقرية تحتاج حقاً لثورة ثقافية ذات طابع جماهيرى لحماية انتصار مصر من السرقة والتشتت حتى لا نصبح مثل عملاق منتصر يدور حول نفسه ويجرب الاتجاهات المختلفة، لا وقت للتجربة والخطأ فثورة بلا ظهير ثقافى حقيقى هو تأخير مؤكد فى السير نحو الاتجاه الصحيح.
من المؤكد أن الأيام القادمة ستأتى بالإبداع العبقرى الذى يليق بأكتوبر 25 ,1973 يناير تصحيح مسارها فى 30 يونيو .2013