استقرار أسعار الخضروات والفاكهة بسوق العبور.. والبامية تسجل مستويات قياسية    ميناء الإسكندرية تشهد تداول 164 ألف طن بضائع خلال 24 ساعة    محافظ الغربية يتفقد صوامع القمح بمدينة طنطا لمتابعة منظومة استلام وتخزين الذهب الأصفر    محمود عصمت: 46 مليار جنيه استثمارات لتوفير التغذية الكهربائية لمشروعات التنمية بسيناء    وزير الطيران: إطلاق شركة طيران خاصة قريبًا بأسطول 4 طائرات مملوكة لأحد كبار المستثمرين في السياحة    الثلاثاء.. إنطلاق الحملة القومية الأولى للتحصين ضد مرض الحمى القلاعية بالمنوفية    الرئيس السيسي: نرفض العنف السياسي والإرهاب.. وارتياح لسلامة ترامب بعد حادث إطلاق النار    الحرب الإيرانية: مصير المفاوضات بين واشنطن وطهران وسط تصريحات "متبادلة" من الجانبين    بلديات فلسطين.. فوز 197 هيئة بالتزكية ونسبة المشاركة 54%    خاص | حسين لبيب يدرس السفر مع بعثة الزمالك للجزائر لحضور نهائي الكونفدرالية    الأجهزة الأمنية تكشف حقيقة تعدي شخصين يستقلان سيارة أجرة على عامل بالضرب ومحاولة اختطافه بالمنوفية    بسبب ماس كهربائي.. مصرع شخص في حريق شقة بكرداسة    إحالة نجل أحمد حسام ميدو لمحكمة الطفل بتهمة حيازة مواد مخدرة    نجوم ساندوا شيرين.. أبرزهم محمود الليثى وأحمد سعد وعزيز الشافعى    قصور الثقافة هذا الأسبوع.. شمال سيناء تستقبل ملتقى البادية وانطلاق احتفالات عيد العمال بقويسنا وبرج العرب    اليوم.. توزيع جوائز مهرجان جمعية الفيلم ال52    رفضت الارتباط به فقتلها، تأييد حكم الإعدام بحق المتهم بقتل فتاة الخصوص    إعلام عبري: نقل جنود إسرائيليين بحالة خطرة بعد هجوم جنوب لبنان    عاجل مدبولي يشيد بالأداء القياسي للبورصة المصرية وارتفاع التداولات لأكثر من 12 مليار جنيه يوميًا    سلة - إيهاب أمين: لم ننسجم مع المحترفين بشكل جيد.. وعلينا التعلم من الأخطاء    وزير «الصحة» يصدر توجيهات حاسمة لرفع جودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين    أبو ريدة يشارك بكونجرس 'فيفا' رقم 76 في كندا    استثمارات تعليمية كبيرة بسيناء، 4.5 مليارات جنيه لإنشاء وتجهيز جامعة الإسماعيلية الأهلية    مجلس الشيوخ يناقش طلب برلماني بشأن خطة الاستعداد لدورة الألعاب الأوليمبية    الداخلية تنظم الملتقى الثالث لبرنامج التعايش بين طلاب أكاديمية الشرطة والجامعات المصرية    تجدد المعارك قرب العاصمة المالية باماكو    محافظ سوهاج يوجه بتكثيف الحملات الرقابية على المطاعم والأندية    جامعة مصر للمعلوماتية تستهدف تقليل مدة الدراسة بكلية الهندسة لرفع كفاءة العملية التعليمية    البابا لاون الرابع عشر: الكاهن «قناة للحياة» لا حاجز أمام المؤمنين    ياسر جلال يطالب بتطوير مراكز الشباب.. والاستعداد لأولمبياد 2028    رئيس الوزراء يستعرض الأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة ونشاط الفترة الماضية    عودة برنامج «براعم الإيمان» على إذاعة القرآن الكريم بعد توقف لأكثر من 30 عامًا    نادية مصطفى ترد بقوة على تصريحات رئيس الجالية المصرية في فرنسا    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    مدة غياب محمد خطاري عن الإسماعيلي بعد إصابته أمام مودرن    التعليم: طورنا أكثر من 80% من مناهج التعليم الفني وفقا لمنهجية الجدارات    200 سفير مياه من 25 دولة، مصر تعزز حضورها في أفريقيا عبر التدريب    بالصور: الجلسة العامة لمجلس الشيوخ بحضور وزيري الشباب والرياضة والشئون النيابية    إغلاق مضيق هرمز.. قفزة أسعار الأسمدة تدفع لموجة جديدة من تضخم الغذاء عالميا    شهادتان لطلاب التعليم الفني.. البكالوريا التكنولوجية وشهادة إيطالية بدءًا من العام المقبل    النائبة ميرال الهريدي تدعو لاستضافة محمد فراج وهاني أبو ريدة للشيوخ لمناقشة مخاطر إعلانات المراهنات بالملاعب    ضربة استباقية لمافيا إلحاق العمالة.. سقوط 15 شركة بدون ترخيص نصبت فخاخها للشباب    وزيرة الإسكان: بروتوكول التعاون مع الوطنية للتدريب خريطة طريق لتأهيل القيادات وتعزيز كفاءة إدارة المشروعات    رسالة طريفة من ريهام عبد الغفور ل «هشام ماجد» في عيد ميلاده    تطورات ملف تعديل عقد إمام عاشور فى الأهلى وحقيقة الغرامة المالية    بسبب سوء الأحوال الجوية.. إغلاق ميناء العريش البحري    الغَنِى الحَقِيقِي    في يومها العالمي، كيف تحمي الشريعة حقوق الملكية الفكرية؟    رحلة الإنسان المعاصر فى «الجسد»    الصحة: تقديم 50 مليون جرعة تطعيم خلال العام الماضي    فحص 9.5 مليون طفل.. «الصحة» تُبرز جهود مبادرة علاج ضعف وفقدان السمع    إنريكي: نعيش أفضل لحظاتنا قبل مواجهة بايرن ميونخ    إقبال واسع على قافلة جامعة القاهرة التنموية الشاملة «قافلة النصر» بحلايب وشلاتين وأبو رماد    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 26أبريل 2026 فى محافظه المنيا    سكرتيرة البيت الأبيض: ترامب سيلقي خطابًا كبيرًا الليلة    جولة تفقدية للارتقاء بالخدمات الطبية داخل مستشفيات جامعة الأزهر في دمياط    الصومال وسلطنة عمان يؤكدان أهمية التعاون على المستويين الإقليمي والدولي    مصطفى يونس: أتمنى عدم تتويج الأهلى بالدورى.. والزمالك يمتلك رجالا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أمير الشعراء في مملكة الغناء
نشر في صباح الخير يوم 26 - 07 - 2011

كان الشعر العربي علي موعد مع القدر ينتظر من يأخذ بيده ويبعث فيه روحا جديدة تبث فيه الحركة والحياة وتعيد له الدماء في الأوصال إلي أن جاء «البارودي» ليعيد الروح إلي الشعر العربي ويلبسه أثواباً بديعة الشكل والصورة ويوصله بماضيه بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية. ولم يكن «البارودي» هو وحده نجم عصره وإن كان له فضل السبق والريادة فلقيت روحه الشعرية الوثابة نفوساً تعلقت بها فملأت الدنيا شعراً بكوكبة من الشعراء من أمثال إسماعيل صبري وحافظ إبراهيم وأحمد محرم وأحمد نسيم وأحمد الكاشف وعبد الحليم المصري وكان أحمد شوقي هو نجم هذه الكوكبة وأميرها بلا منازع بعد أن ملأ الدنيا بشعره وشغل الناس وأشجي القلوب.
النشأة ومؤشرات النبوغ
ولد أحمد شوقي بحي الحنفي بالقاهرة يوم 16 أكتوبر عام 1870 لأب شركسي وأم من أصول يونانية كان جده كردي الأصل جاء إلي مصر في عهد محمد علي الذي ألحقه بقصره وقد بدد والد شوقي ثروته فكفلته جدته لأمه التي كانت تعمل وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل ونشأ معها في القصر ولما بلغ الرابعة من عمره التحق بكُتَّاب الشيخ صالح فحفظ قدراً من القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة ثم التحق بمدرسة «المبتديان» الابتدائية وأظهر فيها نبوغاً واضحاً كوفئ عليه بإعفائه من مصروفات المدرسة وانكب علي دواوين كبار الشعراء حفظاً واستظهاراً فبدأ الشعر يجري علي لسانه.
بعد أن أنهي شوقي تعليمه بالمدرسة في الخامسة عشرة من عمره التحق بمدرسة الحقوق عام 1885 وانتسب إلي قسم الترجمة الذي قد أنشئ بها حديثا وفي هذه الفترة بدأت موهبته الشعرية تلفت نظر أستاذه الشيخ محمد البسيوني ورأي فيه مشروع شاعر كبير فشجعه علي ذلك.
وكان الشيخ بسيوني يدرس البلاغة في مدرسة الحقوق وينظم الشعر في مدح الخديوي توفيق في المناسبات وبلغ من إعجابه بموهبة تلميذه أحمد شوقي أنه كان يعرض عليه قصائده قبل أن ينشرها في جريدة الوقائع المصرية، والمثير أنه أثني علي شوقي حضرة الخديوي وأفهمه أنه جدير بالرعاية وهو ما جعل الخديوي يدعوه لمقابلته.
تزوج الشاعر أحمد شوقي من السيدة خديجة شاهين ابنة حسين بك شاهين «من أصل تركي» وكانت رقيقة طيبة القلب حتي أن «شوقي» كان يشبهها بقطة من أنقرة لشدة رقتها وطيبة قلبها.
السفر إلي فرنسا
بعد عامين من الدراسة تخرج «شوقي» في مدرسة الحقوق والتحق بقصر الخديوي توفيق الذي ما لبث أن أرسله علي نفقته الخاصة إلي فرنسا فالتحق بجامعة «مونبلييه» لمدة عامين لدراسة القانون ثم انتقل إلي جامعة باريس لاستكمال دراسته حتي حصل علي إجازة الحقوق عام 1893 ثم مكث أربعة أشهر قبل أن يغادر فرنسا في دراسة الأدب الفرنسي دراسة جيدة ومطالعة إنتاج كبار الكتاب والشعر.
العودة إلي مصر
عاد شوقي إلي مصر فوجد الخديوي عباس حلمي يجلس علي عرش مصر فعينه بقسم الترجمة في القصر ثم توثقت علاقته بالخديوي الذي رأي في شعره عونا له في صراعه مع الإنجليز فقربه إليه بعد أن ارتفعت منزلته عنده حتي سمي «شاعر الأمير» وظل شوقي يعمل في القصر حتي خلع الانجليز عباس الثاني عن عرش مصر وأعلنوا الحماية عليها عام 1914 وولوا حسين كامل سلطنة مصر وطلبوا من الشاعر مغادرة البلاد فاختار النفي إلي برشلونة في أسبانيا وأقام مع أسرته في دار جميلة تطل علي البحر المتوسط.
بعد فترة طويلة من النفي صدر العفو عنه وعاد إلي مصر في فبراير سنة 1919م واستقبله الشباب استقبالا حارا واحتشد الآلاف لتحيته وكان علي رأس مستقبليه شاعر النيل حافظ إبراهيم فأخذ ينشد:
وكل مسافر سيعود يوما.. إذا رزق السلامة والإيابا
ولو إني دعيت لكنت ديني.. عليه أقابل الحتم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهي.. إذا فهت الشهادة والمتابا
وقد سبقت ركائبي القوافي.. مقلدة أزمتها طرابا
تجوب الدهر نحوك الفيافي.. وتقتحم الليالي لا العبابا.
في مدح الرسول
بعدها نظم «شوقي» إسلامياته الرائعة وتعد قصائده في مدح الرسول «صلي الله عليه وسلم» من أبدع شعره قوة في النظم وصدقا في العاطفة وجمالا في التصوير وتجديدا في الموضوع ومن أشهر قصائده «نهج البردة» التي عارض فيها البوصيري في بردته، كما كتب «شوقي» قصائد أخري علي طريقة نهج البردة، منها قصيدة «الهمزية النبوية» وقصيدة «ذكري المولد» التي جاء مطلعها. سلوا قلبي غداة سلا وتابا، لعل علي الجمال له عتابا.
شوقي وأم كلثوم
تعتبر قصيدة «ولد الهدي» مع قصائد «سلوا قلبي» و «نهج البردة» من أهم القصائد الإسلامية لشوقي، وتقع قصيدة، «ولد الهدي» في مائة وواحد وثلاثين بيتاً، اختارت منها أم كلثوم أربعة وثلاثين بيتاً، وأعادت ترتيبها علي غير ترتيبها في الديوان وغنتها من ألحان رياض السنباطي ومنها:
ولد الهدي فالكائنات ضياء.. وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله.. للدين والدنيا به بشراء
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي والمنتهي والسدرة العصماء
وحديقة الفرقان ضاحكة الربا
بالترجمان شذية غناء
والوحي يقطر سلسلا من سلسل واللوح والقلم البديع رواء
نظمت أسامي الرسل فهي صحيفة في اللوح واسم محمد طغراء.
اسم الجلالة في بديع حروفه، ألف هناك واسم طه الباء.
ذات يوم وجه «شوقي» دعوة لأم كلثوم التي لبت الدعوة وقامت بالغناء في كرمة ابن هانئ ومن إعجابه بالغناء قدم لها كأسا من الخمر ولكنها لم تكن تشرب الخمر فتصرفت بلباقة وذكاء ورفعته علي شفتيها فقط دون أن ترشف
امه للفصحي التي كان شوقي أمير شعرائها.
منه شيئا وقد أعجب شوقي بلباقتها فكتب لها قصيدة، يقال أوصلها بنفسه في الصباح التالي، وقد ظلت القصيدة منذ عام 1932 إلي عام 1944 حيث عهدت بها لرياض السنباطي لتلحينها وغنتها بعد أن تم تغيير كلمات بيتين ورد فيهما اسم أم كلثوم، ويقول شوقي في مطلع القصيدة:
سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها
واستخبروا الراح هل مست ثناياها
- شاعر الشعب المصري وترجمانه
مال «شوقي» بعد عودته من المنفي إلي جانب الشعب وتغني في شعره بعواطف قومه وعبر عن آمالهم في التحرر والاستقلال والنظام النيابي والتعليم، ولم يترك مناسبة وطنية إلا سجل فيها مشاعر الوطن وما يجيش في صدور أبنائه من آمال.
- إمارة الشعر العربي
أصبح «شوقي» بعد عودته من المنفي شاعر الأمة المعبر عن قضاياها، لا تفوته مناسبة وطنية إلا شارك فيها بشعره، وقابلته الأمة بكل تقدير وأنزلته منزلة عالية، وبايعة شعراؤها بإمارة الشعر عام 1927 في حفل أقيم بدار الأوبرا بمناسبة اختياره عضوا في مجلس الشيوخ، وقيامه بإعادة طبع ديوانه «الشوقيات» وحضر الحفل وفود من أدباء العالم العربي وشعرائه، وأعلن الشاعر «حافظ إبراهيم» باسمهم مبايعته بإمارة الشعر قائلا في قصيدته الشهيرة:
بلابل وادي النيل بالشرق أسجعي بشعر أمير الدولتين ورجعي.
أعيدي علي الأسماع ما غردت به، براعة شوقي في ابتداء ومقطع.
أمير القوافي قد أتيت مبايعاً، وهذي وفود الشرق قد بايعت معي.
بينما وقف شاعر القطرين خليل مطران قائلا:
يا باعت المجد القديم بشعره، ومجدد العربية العرباء أنت الأمير ومن يكنه بالحجا فله به تيه علي الأمراء.
شوقي والعامية
في الوقت الذي ظلت فيه القصيدة المغناة بشكلها الفصيح والعامي متراخية في تطورها بعض الشيء ظهر الشاعر إسماعيل صبري ليعيد إحياءها من جديد ثم أمير الشعراء أحمد شوقي.
- وقال الدكتور يسري العزب في بحثه لنشأة الأغنية العامية : الغريب أن البارودي نفسه كان الدافع لدخول شعراء الفصحي إلي حلبة الكتابة الشعرية بالعامية، حيث طلب من الشاعر إسماعيل صبري أن يكتب شعرا عاميا في مهاجمة الإنجليز الذين يحتلون مصر لكي يتغني به المطربون، واللافت أن هذه الدعوة لاقت صداها في نفس صبري فكتب أولي أغنياته العامية التي قدمها المطرب عبده الحامولي بلحن محمد عثمان، وكانت تقول كلماتها :
- عشنا وشفنا سنين
- ومن عاش يشوف العجب
شربنا الضنا والأنين
جعلناه لروحنا طرب
وغيرنا تملك وصال
وإحنا نصيبنا خيال
كدا العدل يا منصفين
- وأضاف : والمؤكد أن الأغنية حازت علي إعجاب رجال العصر عامهم وخاصهم وقتها واستمر صبري في كتابة الكثير من الأغنيات العامية التي تأتي جميعها بلغة رقيقة أقرب إلي الفصحي البسيطة منها إلي عامية الأغنية الخشنة السوقية ومن أشهرها «الحلو لما انعطف» و« قدك أمير الأغصان».
ويستكمل : قصد شاعر الفصحي سامي البارودي من تلميذه الشاعر إسماعيل صبري حين نصحه بالاتجاه إلي العامية أن تصل الكلمة الهادفة عن طريق الغناء للشعب وهو نفس الأمر الذي دفع الشاعر أحمد شوقي إلي المضي علي طريق صبري في كتابة الأغنية، وساعد علي دخول شوقي عالم الأغنية العامية لقاؤه بمطرب ناشئ هو «محمد عبد الوهاب» آمن شوقي بمواهبه الموسيقية والغنائية فأحبه بل تبناه حتي نضجت مواهبه وصار بعدها مطرب الأمراء.
ومضي يقول : ربما يظن البعض أن الشاعر شوقي بدأ الكتابة بالعامية للمطرب محمد عبد الوهاب، لكنه كتب قبل ذلك لكبار المطربين بدءا من مطرب الخديوي عبده الحامولي والشيخ يوسف المنيلاوي وملك وغيرهم إلا أن ما كتبه شوقي لكل هؤلاء يؤكد أنه كان في مرحلة التجريب، لأن معظم أغانيه لهم لا تعدو أن تكون «أدوارا» أو « مواويل» صغيرة مثل موال :
الناس لليل تشكي
وتيجي له تحكي
والنيل لمين يشكي ويروح لمين يحكي بدرك يا ليل طلعته
وبدري خبيته
غاير يا ليل قل لي
تكونش حبيبته
وهناك موال آخر غناه الشيخ يوسف المنيلاوي يقول : ساهي الجفون
ما كفاك الهجر يا ساهي
فرحان الجفون
وعن حال الشجي ساهي
الليل يطول يا قمر
وأنا سهران عليك يا ساهي
حسك تقول مدعي
يا مجنن العشاق
القلب أهو جريح
والكبد للساهي
وأوضح عزب : رغم السلبيات التي تظهر في عاميات الشاعر أحمد شوقي الباكرة إلا أن هناك سمة مميزة من سمات شوقي الفنية كانت تميز شعره الفصيح وهي عزفه الدائم علي عنصر التضاد واستخدام أسلوب الاستفهام والتحذير الشعبيين.
وأكد الدكتور يسري العزب في بحثه : يمثل « الليل» الذي بدأ مع بدايات شوقي العامية محورا تصويريا رئيسيا من محاور القصيدة الأغنية حتي بعد تمرسه علي كتابة الأغنية العامية ووصولها النضج والكمال في بعض أغنياته التي أسهمت إلي حد بعيد في تدشين، بل تدعيم المطرب محمد عبد الوهاب كموسيقي ومطرب في الثلث الأول من القرن الماضي وهو ما كان له أثره المحمود في تطوير الأغنية المصرية بعد ذلك، أي بعد أمير الشعراء أحمد شوقي والموسيقار محمد عبد الوهاب تحولت الأغنية من الإسفاف والتسطيح إلي التعبير بلغة وصور رومانسية رقيقة.
وأشار عزب : كتب الشاعر أحمد شوقي لعبد الوهاب سبع أغنيات وبعض المواويل والأدوار، وجاءت مفردة « الليل» متخذة جانبا مهما في هذه الأغنيات، حيث نجد ثلاثا منها تتجه لمخاطبة الليل مباشرة باعتباره طرفا مشاركا في علاقة الحب التي تربط بين الحبيبين، وهذه الأغنيات هي « في الليل لما خِلي» و« بالله يا ليل» و« الليل بدموعه جاني»، واللافت للانتباه أن مفردة « الليل» تتكرر في هذه الأغنيات 16 مرة بمفردات دلالية مختلفة.
ورأي الباحث : معني ذلك أن صورة «الليل» كما وردت في معجم شوقي العامي تحتل أهمية كبيرة في حياة الشاعر الوجدانية وفي شعره الوجداني، وتلقي صورة «الليل» في شعر شوقي العامي صورا رومانسية أخري أهمها صورة «الطيور المصرية الخاصة» التي نادي بها نقاد التجديد الرومانسي، ولعل أبرز هذه الطيور « البلبل» الذي احتلت صورته قصيدة بأكملها هي « بلبل حيران»، ويليها صورة الطائر المصري الجميل «الحمام» الذي يرفرف في أغنيات أخري، وتأتي صورته مشعة حين يتمايل علي صفحة النيل.
ويستكمل : يقول شوقي في إحدي أغانيه العامية :
قالت غرامي في فلوكة
وبساعة نزهة ع الميه
لمحت ع البعد حمامة
رايحة علي المية وجاية
وقفت أنادي الفلايكي
تعالي من فضلك خدنا
جات الفلوكة والملاح
ونزلنا وركبنا
حمامة بيضا بفرد جناح
تودينا وتجبنا.
وأضاف : الواضح من خلال هذه الأغنية أن الحمامة كانت دافعا قويا يدفع بشوقي لتحقيق حلم غرامه في نزهة نيلية جميلة.
ومضي يقول : في قصيدة « الليل يحب الجمال» للشاعر أحمد شوقي نجد البلبل والحمامة يتجولان إلي مطلق « الطير» في الخمائل، حيث يجعله طرفا في علاقة التشبيه حيث يقول :
الحب طير في الخمايل
شوفنا غرايب فنونه
حاكم بأمره وشايل
علي جناحه قانونه
تيجي تصيده يصيدك
ومن سلم من حباله
وكل خالي مِسيره
يعذب الحب باله.
وألمح الدكتور يسري العزب في بحثه : إذا كان « الليل» و « الطائر» صورتين بارزتين من صور شوقي في شعره العامي فمن الطبيعي أن نجد الحدائق والنيل وشاطئيه وما ينبت فيها جميعا من مرود وأزهار وخمائل هذه البيئة التي يتحرك فيها شوقي بصورتيه الأثيريتين، وهو ما نجده في قصيدة « بلبل حيران» التي تقول كلماتها :
بلبل حيران علي الغصون
شجي معني بالورد هايم
في الدوح سهران من الشئون
بكي وغني والورد نايم.
وبيَّن العزب : هذا الأمر يظهر في قصيدة « سكران» التي تقول كلماتها:
سكران بغير الكاس
في مجلس الورد
من عنبر الأنفاس
ومنظر الخد
وأضاف : القصيدة تؤكد مقدرة شوقي علي بعث الحياة في الطبيعة
ولفت العزب : الشاعر أحمد شوقي استطاع أن يجعل من البلبل رمزا فنيا جيدا للحبيب أو المحب الرومانسي المتيم، حيث يقول في إحدي قصائده العامية :
يبص فوقه ويبص تحته
ويمد طوقه ويشم ريحته
فن يحطه وفن يشيل
وبجناح يقوم به وجناح يميل
وأوضح الباحث : يستمر شوقي في قصيدته حتي ينتهي به الحال إلي نهايات التجارب الرومانسية عندما استسلم لعذاب المحب، بل استمرأ جراحات حبه وعذاباته في قصيدته العامية التي تقول كلماتها:
يا ريحة الحبايب
ياخد الملاح
لشوكة جمالك
وضعت السلاح
وكشف العزب : القصيدة الأخيرة تكاد تمثل قمة ما وصل إليه فن الأغنية العامية عند الشاعر أحمد شوقي من حيث اكتمال قدرته علي استلهام الطبيعة وتوظيف مفرداتها في خلق الرمز الفني لحالة الشاعر النفسية وموقفه الرومانسي من تجربة الحب، وإذا كان هذا الموقف الرومانسي هو الذي دفع شوقي للكتابة للمسرح الشعري باعتباره وسيلة فنية تجريدية فإن الموقف نفسه هو الذي دفعه لكتابة الأغنية العامية باعتبارها من أقرب الوسائل إلي أن يعبر الفنان عن ذاته وعن عواطفه الخاصة بعد أن ضاق شعره الفصيح فلم يسمح له بذلك وبعد مطالبة النقاد لشوقي بتجديد أدب الأمة بالابتكار كما تجددت روحها بالثورة.
وخلص الدكتور يسري العزب إلي القول: عندما اختار الشاعر أحمد شوقي العامية المصرية وسيلة للتعبير عن ذاته من نهاية القرن 19 كان يصدر عن موقف تجديدي صِرف، والمؤكد أن شوقي لم يقف من الشعر العامي موقفا ملتزما إنما رأي فيه أداة فنية ربما تكون أقدر في التعبير عن أحاسيس شوقي في استخد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.