طائرات "خارج الخدمة"، اضطراب بحركة الطيران العالمية بسبب أزمة "إيرباص"    انفجارات قوية تهز كييف وأنباء عن هجوم روسي واسع النطاق    رباعي الأهلي من المغرب إلى الدوحة مباشرة للانضمام لمنتخب مصر بكأس العرب    وزيرة التضامن تعلق على مسلسل "كارثة طبيعية" وتكشف خطة التدخل الواقعية لحالات الاستغاثة    المهرجان الدولي للفيلم بمراكش يطلق دورته 22 ويكرم حسين فهمي    محمد موسى يفضح لعبة الإخوان: تجارة بالدين وخدمة لأجندات استخباراتية    هل يحتوى ترامب التصعيد بين الصين واليابان أم يشعله؟    وزير الإعلام السوري: الهجمات الإسرائيلية تهدف لجرّ سوريا إلى مواجهة عسكرية    روسيا تهدد بحظر تطبيق واتساب على أراضيها بسبب الإرهاب.. ما القصة؟    بيرو تعلن حالة الطوارئ على حدودها مع تشيلي وسط تزايد محاولات الهجرة    انتهاء فعاليات اليوم الأول من التصفيات النهائية للمسابقة المعلوماتية الأكبر فى مصر «ديجيتوبيا» DIGITOPIA    أبطال المشروع القومى للموهبة بكفر الشيخ يحصدون 6 ميداليات والمركز الثالث    خبر في الجول - عامر حسين يقترب من الإشراف على الكرة في الاتحاد السكندري    نجم أهلي جدة يعزز سجله المثالي في الفوز على القادسية    عواد الأقرب لحراسة مرمى الزمالك أمام كايزر تشيفز    والدة شيماء جمال: لا تهاون مع من يحاول استخدام اسم ابنتي لمصالح شخصية    خبير تكنولوجيا يحذر من تجاهل التحولات الرقمية وسقوط ملايين الوظائف    محمد موسى يكشف أخطر أدوات الفوضى الرقمية واستهداف المجتمعات    تعرف على المستندات المطلوبة من حجاج الجمعيات بكفر الشيخ    اليوم.. تحديد مصير الملاكم المتهم بالاعتداء على أسرة في الشيخ زايد    وزير الثقافة يتفقد موقع حريق ديكور مسلسل «الكينج» | صور    تحرير 88 مخالفة لمحلات مخالفة لقرار الغلق خلال 24 ساعة بالجيزة    ننشر قائمة فئات المعلمين غير المستحقين لحافز التدريس    محمد موسى يفتح النار على مروجي شائعات شيماء جمال: ارحموا من تحت التراب    وصول هانى رمزى لمهرجان شرم الشيخ الدولى للمسرح وتكريمه بحفل الختام    رئيس قطاع الديجيتال بالمتحدة: الكثير من التريندات الرائجة لها محتوى سطحي    ستيف بركات يقدم جولة «Néoréalité» العالمية على مسرح دار الأوبرا المصرية    الباقيات الصالحات تطلق تجربة تُعيد ربط الأجيال وتغيير نظرة الأطفال للمسنين| فيديو    استشارية تربية تكشف تأثير الذكورية المفرطة على العلاقات الزوجية والأسرية    استشارية نفسية تحذر: الذكورية المفرطة تهدد الصحة النفسية للأسرة بأكملها    خبير تربوي: الطبيعة الفسيولوجية للرجل لا تبرر السيطرة المفرطة    عالم الأزهر يكشف مخاطر الخوض في حياة المشاهير على السوشيال ميديا    نجاح أول جراحة للقلب المفتوح بالمجمع الطبي الدولي بالأقصر    الصباحى: ركلة جزاء الجيش الملكى غير صحيحة.. ورئيس الحكام يهتم برأى الاعلام    إيرباص تستدعي 6 آلاف طائرة إيه320 بسبب خلل بأنظمة التحكم    مصرع عاملين دهساً أسفل عجلات القطار بكفر الدوار    النيابة العامة تُنظم حلقة نقاشية حول تحقيق التوازن بين سلامة المريض وبيئة عمل آمنة    استقالة مدير مكتب زيلينسكى تربك المشهد السياسى فى أوكرانيا.. اعرف التفاصيل    مدرب الجيش الملكي: كنا نستحق الفوز.. والأهلي من بين الأفضل في العالم    أحمد دياب: بطل الدوري الموسم القادم سيحصل على أكثر من 50 مليون جنيه    وزير الإسكان ومحافظ كفر الشيخ يفتتحان محطة مياه شرب قرية دقميرة اليوم    لحظة الحسم في الإدارية العليا: 187 طعنًا انتخابيًا على طاولة الفصل النهائي    أخبار 24 ساعة.. مصر تفوز بعضوية مجلس المنظمة البحرية الدولية    كيف ينتشر فيروس ماربورغ وأخطر أعراضه؟    سفير مصر لدى أثينا: وفد رجال أعمال يونانى يزور مصر لتعزيز العلاقات الاقتصادية    وزير قطاع الأعمال العام يشهد افتتاح المعرض المصاحب للمؤتمر الوزاري الأفريقي    مصر تفوز بعضوية مجلس المنظمة البحرية الدولية للفترة 2026 - 2027    رئيس الطائفة الإنجيلية يشارك في احتفال مرور 20 عامًا على تأسيس مركز الإبراهيمية للإعلام    وزير قطاع الأعمال يلتقي وزيري الصناعة الصيدلانية والصحة الجزائريين لبحث توسيع آفاق التعاون الدوائي    رفعت فياض يكشف حقيقة عودة التعليم المفتوح    محمود بسيونى يكتب: جيل الجمهورية الجديدة    تكريم حفظة القرآن الكريم بقرية بلصفورة بسوهاج    المفتى السابق: الشرع أحاط الطلاق بضوابط دقيقة لحماية الأسرة    أكاديمية الشرطة تستقبل وفدًا من طلاب الثانوية في زيارة تثقيفية لتعزيز الوعي    زيارة مفاجئة لوكيل صحة أسيوط لمستشفى منفلوط المركزي اليوم    تحقيق عاجل بعد انتشار فيديو استغاثة معلمة داخل فصل بمدرسة عبد السلام المحجوب    في الجمعة المباركة.. تعرف على الأدعية المستحبة وساعات الاستجابة    مشاركة مصرية بارزة في أعمال مؤتمر جودة الرعاية الصحية بالأردن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سبع جنات الحلقة 8
نشر في صباح الخير يوم 02 - 06 - 2015

«جنات» تزور «سلطان» فى المستشفى، وتطلعه رغم غيبوبته على ما جرى من «سماء» والدكتوراه التى أعدتها عن حالته التى تسميها «الهوس الجنسى والاضطراب النفسى».
«جنات» تشعر أن الدكتوراه كانت وسيلة لجأت إليها «سماء» لدرس حاله والسيطرة عليه، فلما فشلت فى ذلك اختفت، لكنها عادت للظهور الآن، هل جاءت لتعيد محاولاتها الفاشلة!
ويأتى «سمير» زميل الفنان «سلطان» للزيارة، فيكشف عن بعد سياسى وطنى وراء غيبوبة الفنان وعجز المثقف فى مواجهة حال الانحدار العام، ثم يذكره بأن العجز مرحلة، وأنه حان الوقت للعمل.. وأن غيبوبته هى امتداد لغيبوبة يعيشها البلد كله!
ولا يجد «سمير» مفرا من الإشارة إلى شقيقته الدكتورة «سماء» التى تزوجت وتطلقت من زميل لهما فى خلية ثورية، خانهما وأبلغ عنهم.
فهل تريد هى معاودة ما انقطع بينكما؟
أسأل نفسى، وأظن أنك تسأل نفسك، السؤال نفسه».

«13»
«سلطان»
طول عمرى إقول إن اسمك على مسمّى: «سمير نور».
من سنة 1964 وأنا وأنت إخوات.. لا نفترق، فى المدرسة، فى الكلية، فى المجلة، وحتى فى المعتقل!
كنت مطمئنا أنك ستكون أول من يسارع لنجدتى عندما حدث ما حدث.
ومع أننى لا أعرف ماذا جرى لى حتى أكون هنا.. أحاول أن أتذكّر اللحظات السابقة مباشرة على وقوعى فى هذه الغيبوبة.
كنت أجلس معك ومعنا زميل آخر.. من هو؟.. لا أتذكّره الآن.
غارقا كعادتى فى وضع فكرة كاريكاتير جديد.
وأنت تناقش أفكارى كعادتك أيضا.. أقول لك إننى ضقت ذرعا بالدمار والفساد والعشوائية التى تفرض نفسها كأسلوب حياة على كل شىء فى البلد.
وتتكاثف أفكارى وتندمج فيها مشاعرى، فأبدأ باللهاث.. تتقطع أنفاسى.. يضطرب إحساسى بالتوازن.. وترتبك قدرة عيونى على الرؤية.
وأحس كما لو أننى آلة كهربائية.. مروحة، غسالة، ثلاجة انقطعت عنها الكهرباء فجأة.. أحدهم سحب «الكوبس» من «الفيشة».
إظلام تام.
ولولا أننى جالس على مكتبى، لسقطت على الأرض منهارا.
ولاحظت أنت ماجرى، ولم يكن عاديا.. فأنا أتهاوى وأسقط من على مقعدى.
لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم، تماما مثل قرود الحكمة المشهورة.
والأخطر هو أننى لا أدرك شيئا!
يتصبّب العرق ويتفصّد من كل جزء فى جسمى. عرق غزير.
وأتهاوى وأكاد أسقط أرضا، وتنتبه أنت فتبادر إلى الإمساك بى وتطلب الإسعاف.
أنت الوحيد الذى حضر معى للمستشفى.. فى سيارة الإسعاف.
سألك الأطباء عما جرى، وهل تعلم ماذا تناولت أنا من غداء قبل الغيبوبة؟.. وهل تعلم شيئا عن تاريخى المرضى؟..
وقلت كل ماتعرفه.. وأبلغت أهلى وجاء أخى «أمير» على الفور.
وأخطرك الأطباء بعد فترة بأن حالتى غامضة الأسباب.. غير عادية.
يعجبنى فيك، ضمن ملامح كثيرة تميّز شخصيتك، أنك قادر على الضحك والسخرية، فى أحلك اللحظات.. كنت تفعل ذلك فى عزّ زنقة امتحانات الثانوية العامة، وفى الفترة التى تشرّفنا فيها بدخول المعتقل سويّا.
وفى مواقف أخرى كثيرة..
والآن، تضحك وتسخر.. وتسوق الجنان، وأيضا تبكى.
لاتبك يا «سمير».. أضحك كما شاء لك الضحك، لكن أرجوك، لا تبك.
لا شىء يستحق البكاء عليه، وحال مصر سينصلح يوما ما.. بنا أو بغيرنا.
ولو دامت لغيرهم مابقيت لهم، هذا حال الدنيا..
المشكلة الحقيقية أنه تم إفساد نسبة كبيرة من الناس، وطبعا سبق ذلك إفساد النخبة.. ولا تنس مخطط القضاء على الطبقة الوسطى، والطبقة العاملة.
لكن مصر ولاّدة.. وعمرى ما فقدت الأمل فى قدرة الناس على التغيير والثورة.
عموما.. دعنا من هذا الكلام الكبير وخلّنا نركّز على أشياء ناعمة..
أولا.. أين زوجتك «تماضر» يا «سمير»؟.. هل حضرت ولم ألاحظ وجودها.. أنا فى الغيبوبة لا أقدرعلى ملاحظة كل شىء، ساعات وساعات، مرة أحس إن مافيش حاجة فايتانى، ومرة أحس- قصدى ما أحسش- بأى حاجة حواليّ.
نفسى أشوفها.. تعرف كم أحبّها.. ولولا أنك فزت بها ونحن فى الكلية، كان هناك كثيرون غيرك عينهم عليها، لكن هى اختارتك.. وأنت اخترتها، وتخلّيت من أجلها عن كل حريمك.
ولم أقدر أنا على هذا مع «جنّات».. لا أدرى السبب؟..
تزوّجت أنت وخلّفت شبابا وبناتاً.. حاجة تشرح القلب.
وبقيت أنا فى الهوا.. أحب عيشة الحرّية.
فكّرتنى ب«عبد الوهاب» وأغنيته التى أصبحت مثلى وفلسفتى الخاصة، دائما ما كنت أدندن معه، كلماتها التى أبدعها أحمد رامى، أو لوحدى، إن لم أجد الشريط:
أحبّ عيشة الحرّية
زى الطيور بين الأغصان
مادام حبايبى حواليّ
كلّ البلاد عندى أوطان
مطرح ماييجى فى عينى النوم
أنام وأنا مرتاح البال
وأغيّر الحال يوم عن يوم
مادام أشوف قلبى ميّال
بحبّ عيشة الحرّية
الحسن فى الدنيا ألوان
تحيى الفؤاد وتردّ الروح
خفّة ودلال وجمال فتّان
ترضى هواك مطرح ماتروح
القمر ساعة ظهوره
يحلى نوره ياحبايب
والفؤاد يزيد سروره
كل مايشوف اللى غايب
شوف النسيم فى الروض سارى
ينبه الورد النعسان
آدى خيالى وأفكاري
زى الطيور بين الأغصان
بحبّ عيشة الحرّية
بالمناسبة، ظهور «سماء» هنا أسعدنى جدا، طبعا حكايتنا سوا «ملعبكة».. لكن هى كانت متشدّدة أكثر من اللازم.
ولابد أنها لم تكن سعيدة فى حياتها الزوجية مع «يوسف».. لا أعرف كيف التقيا؟
«سماء» تعطى نفسها وحياتها ومستقبلها ل«يوسف السحلاوى» زميلنا الذى أبلغ عنا وقضينا شهورا فى المعتقل بسبب وشايته. الخائن، المخبر. أنا ما آكلش من كلامه ده عن الخوف.. دى تلاقيها الحجة اللى اخترعتها له الجهة اللى بيشتغل لحسابها.
لو كان خاف فعلا- كما قال، وهذا شىء طبيعى فى الإنسان- كان جاء وقال لنا، لو أنه خائف علينا.. أو لكان انسحب فى صمت. لكن يبلغ عنا ويدّعى الخوف؟!.. طب لماذا لم يكن معنا فى المعتقل؟!..
لماذا كان دائما وهو معنا، قبل الاعتقال، يريد أن يعرف كل شىء؟
أحسن لها أنها طلّقته لأنه غير مسموح له بالحضور هنا.
- 14-
«راجية»
أنا السبب فيما جرى لك يا «سلطان».
بالتأكيد أنا السبب.
لكن لم أكن أقصد.. فأنا بريئة..
ولمّا ترجع لنا بالسلامة إن شاء الله، ستعرف أن غيبوبتك كانت بسببى، لكن بدون تعمّد منّى.
كنت قاسية معك بعض الشىء. عنيدة جدا. لم أتصرّف بنعومة المرأة، فأنا أحتقر الأنثى المستضعفة، أو العالة..
وإذا كان أحد التفسيرات التى تروقنى عن الحياة هى أنها صراع، فما المانع أن ندخل فى صراع الحياة.
ولعلنى منذ اللحظة الأولى التى قابلتك فيها فى مجلة «الوعد» وأنا فى حوار ونقاش وجدل لاينتهى معك.
أحيانا كنت أشعر بك كتهديد لى ولعملى فى المجلة.. وفى أحيان أخرى، أجدك تساعد وتساند زملاءك وزميلاتك.. وأنا منهم.
وبحكم طبيعتى، كنت أتحدّاك.. ومع أنك رسّام وأنا محرّرة، فقد كنت أخوض معك مناقشات حول العمل والأفكار والأيديولوجيات..
كنت طبعا معجبة بريشتك، وأسلوبك الخاص وتنوّع وتعدّد قدراتك، فأنت رسام كاريكاتير من الدرجة الأولى وفنان بورتريه بألوان الزيت متميّز، ورسام صحفى متفوّق.
وأضحك الآن إذ أتذكّر أن بداية تعارفنا كانت خناقة!
كنت محرّرة جديدة، واقترحت موضوعا يشترك معى فيه أحد رسامى المجلة، واختارك رئيس التحرير، ولم يكن قد سبق لنا سوى تبادل عبارات «صباح الخير».. و«مساء الخير».
كانت فكرتى هى تصوير حالة الفوضى والعشوائية فى البلد، من خلال نقطة واحدة هى «ميدان العتبة».. وذهبت إليك فى مكتبك الذى هو استديو خاص بك، بينما كنت أجلس أنا مع زميلاتى وزملائى الخمسة فى غرفة واحدة.. تساوى نصف مساحة مكتبك أو أقل.
وجدتك تعاملنى باستهانة، قلت لى دون حتى أن تنظر لى:
• طب يا آنسة «راجية».. روحى أنت خلّصى الموضوع، وهاتيه وأنا حا أعمل له الرسومات اللازمة بعدين.
- المفروض يا أستاذ «سلطان» أننا ننزل «العتبة» سوا ونعمل الشغل مع بعض، علشان يكون روح واحدة.
• دى أفكار مثالية يا «راجية».. مين عنده وقت للكلام ده، روحى أنت بس واعملى الموضوع، وأنا بعدين أرسمه.
- يا أستاذ.. ده موضوع مختلف.. ريبورتاج حى، عايز حركة فى الشارع.. مع الناس، فيه نبض وحرارة وحياة.. ولازم نكتبه ونرسمه فى «العتبة».. مش فى المكتب.
• يا بنتى أنت لسه جايه أمبارح وعايزه تعلمينا شغلنا؟!
خرجت من مكتبك غاضبة وأحسّست أنك إنسان متكبّر، وكسول، وضد الشباب الجديد فى المجلة.
وكرهتك، مع أننى كنت أحبّ لوحاتك وكاريكاتيراتك.. وكنت معجبة بك بشدة لأنك الفنان الوحيد القادر على الجمع بين فن اللوحة الزيتية التى نشاهدها فى المعارض، وفن الكاريكاتير، وفن الرسم الصحفى.
لكن كل هذا انهار.. ولم يبق منه شىء، عندما خرجت من مكتبك ومرسمك، وكنت أول مرة أدخله، وأول مرة أدخل معك فى حديث يتجاوز «صباح الخير» و«مساء الخير».. حديث عمل.
بكيت، ولم أدر ماذا أفعل؟..
هل أستجيب لرغبتك، وأذهب وحدى أكتب التحقيق من «العتبة»، وأسلّمه لك، أم أذهب لرئيس التحرير وأبلغه أنك غير متعاون.. وتتعالى عليّ، ولا تريد أن تخرج معى لنتجوّل فى ميدان «العتبة».. أنا أكتب وأنت ترسم؟!
أو أطلب رسّاما آخر يخرج معى.
جلست وحيدة على مكتبى الصغير.. ومن حولى 4 مكاتب صغيرة خالية، ذهب أصحابها لبيوتهم أو ربما لأعمال وريبورتاجات خارجية.
فكّرت أن مهنة الصحافة قاسية، وعمرى فيها سنتان فقط.. ولو كنت اتجهت للعمل فى السلك الدبلوماسى لما تعرّضت لمثل هذه الإهانة..
وقرّرت أن أتحدّاك.. لكننى مع ذلك بكيت..
وجاء «عم حسين» الساعى يسأل إن كنت أحتاج لأى شىء، أو أى مشروب من البوفيه.. ولمح دموعى، فاقترب منى مندهشا، مستفسرا:
- إيه اللى جرى؟.. خير إنشالله. مالك يا بنتى؟.. مالك يا أستاذة «راجية»؟..
وقبل أن أردّ عليه، كنت أنت تقف خلفه، وتطلب منه واحد شاى لى وواحد قهوة مضبوط لك.
وكشفت لى يومها أن ما حدث منك كان اختبارا لى.. قلت لى إنك أردت أن تعرف مدى جدّيتى وإصرارى وحماسى للعمل الصحفى.
وطبعا نزلنا سويا بعد ذلك، ومن يومها أصبحنا أصحاب، ننزل معا كثيرا، وكان ريبورتاج «كوميديا أى كلام» برسومك المميزة وكتابتى بنكهتها الجديدة، حدثا فى حياتى الصحفية، والشخصية..
ومع أنى سمعت عن حريمك، لكن شيئا ما بداخلى جذبنى إليك.. أولا أعجبنى أسلوبك فى الكشف عن مدى جدّية الصحفى الجديد.. وحماسه، رغم أنى تلقيت الصدمة وقتها.. ولدقائق شعرت بكراهية شديدة لك ولمجلة «الوعد».. وللصحافة كلها.
ثانيا، وجدتك خلال عملنا معا فى الريبورتاج، أكثر حماسا منى، وأيضا كنت تعطينى القيادة، وتسألنى عما يناسب الموضوع من رسوم.. وساعدتنى فى وضع عنوانه الساخر.
ورسمت اسكتشات، ودعوتنى للغداء فى مرسمك فى «خان الخليلى» وأطلعتنى على بعض أعمالك التى لم تكتمل.. وعدنا لنواصل شغلنا فى «العتبة» بعد ذلك.. وطلبت أنا أن أحضر معك عملية تحويل الاسكتشات إلى لوحات، فعدنا إلى المرسم.. وكنت أظن أننا سنعود إلى المجلة..
ذلك المساء، وبعد قليل من الكلام وقليل من التقارب، سألتنى:
- مبسوطة يا «راجية»؟..
= قوى يا أستاذ «سلطان».
- مابلاش التحفّظات دى.. إحنا زملاء.. وبنشتغل مع بعض وبنفكّر مع بعض، وبعدين أنا مش أكبر منك بكتير، مش كده؟
= مش عارفة؟
- بصيّ فى عينيّ كده وقولى لى عمرى كام.. وأنت عمرك كام.
لما بصّيت فى عينيك، وانت بصّيت فى عينيّ،
مسكت فيك.. وأتعلقت بيك.. حسّيت أن كل كيانى بيتعرّى قدّامك. وكانت قبلة دافئة هى التى جمعتنا.
قلت لك إننى مسحورة بيك..
قلت لك إن أمنيتى أن ترسمنى فى لوحة زيت.
قلت لك إن الريبورتاج ده تاريخى، لأنه جمعنى بيك..
لم أصدق أن ماحدث حدث!..
قلت لى إنك تريد أن تعرفنى أكثر.
قلت لى إننى إضافة مهمة للمجلة..
قلت لى إن جمالى برّى.
وإن أنوثتى فيها لمسة صبيانية لذيذة.
وإنك قصدت استفزازى، لتكتشف جوهرى.
ووعدتنى أن ترسم لى بورتريه زيت.. لكنك لم تقل متى.
وبعد القبلة كان هناك عناق وتلامس ثم قبلات أخرى، وكنت بتلقائية شديدة تعيد ترتيب شعرى، وتحرّك يداى وجسمى كله فى تكوين يصلح للوحة.. وتبعد قليلا وتنظر إليّ من بعيد، ثم تأتى لتغيّر «البوز»..
وفى كل مرة كنت تجعلنى أتخفّف من بعض ما أرتدى.. وكنت أشعر وقتها بأننى داخلة إلى عالم المجد.. ولامانع عندى من أن أتعرّى قليلا.
لكننى وجدتك أنت أيضا تتعرّى!
أصابنى هلع. أرتديت ما كنت خلعته من ملابسى وجريت هربا منك.
حتى إننى من لهفتى، تركت بعض أشيائى ومنها مفكرتى التى كنت أسجّل فيها ملاحظاتى ومادة الريبورتاج.
لماذ أحكى لك هذا كله وأنت تعرفه كما أعرفه أنا؟..
ربما أنا أذكّر نفسى.. أعيد النظر للوقائع بعيون جديدة..
أعرف أننى اندمجت معك بعد ذلك بفترة طويلة، لكن برغبتى وإرادتى، لم أقع تحت تأثيرك، ولم أشعر أننى متورّطة.. أو مستدرجة.. أو مغتصبة.
بالعكس عندما جئتك لأمارس معك الحبّ، كنت أشعر بنوع من السيادة، والتفوّق، والقوّة.
كنت قد جعلتك تتضرّع لى، وتعبّرعن شوقك وهيامك، ورغبتك القوية فى الاندماج فيّ.
وتعمّدت أنا أن أتدلّل.. أتلكأ.. أظهر لك قوة الأنثى.
مع أننى كنت عندما أعود لبيت أسرتى، أتعّذب، أتمّزق.. أحاول النوم فلا يأتينى نوم.. أظل سهرانة لا أفكّر إلاّ فيك، وفى نفسى.
لم أكن أحبّك.. والحقيقة هى أننى لم أكن أعرف ما هو الحبّ!.. وحتى الآن ربما ليست لدى إجابة واضحة عن سؤال الحبّ، لم أعشه من قبل ولا من بعد وحتى الآن..
الإعجاب موجود، إعجاب بفنك وشخصيتك وحتى بجسمك، وثقافتك وتميّزك.. لكن حبّ؟.. لا أظن.
ربما يكون هناك عامل آخر جذبنى إليك، عامل خفى، هو أن لك أكثر من امرأة.. أعرف عن بعضهن، وليس كلهن. والتحدّى هو الذى جعلنى أميل إلى مغامرة ممارسة الحبّ معك.
أكره الأنوثة الضعيفة المستضعفة.. مع أننى حتى الآن أبكى فى بعض المواقف القاسية.
أكره أن أكون موضوعا للاغتصاب.. أو الانتهاك. وأفضّل العكس، فلامانع عندى من أن أكون أنا الفاعلة، المُنتهكة والمُغتصبة للرجل.
ربما نزعة انتقامية تولّدت لدى من زمان. لكنها تتملّكنى وتحكم حركتى.
المهم.. كنت أحبّ أن أعرف تفاصيل عن حالتك من الدكاترة، لكن لم أفهم من كلامهم شيئا.
ياترى فيه أمل فى عودتك إلينا؟..
فيه فرصة تانية لنا.. نتفاهم أو حتى نشاغب فى بعضنا؟..
أنت حاجة كبيرة قوى يا «سلطان».. لى، ولمصر كلها.. لازم ترجع لنا.
وإذا كنت أنا السبب فيما جرى لك، ولو أنه من غير قصد، فأنا مستعدة أعمل أى شىء وكل شىء، حتى تعود لنا. •


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.