متحدث الأوقاف: 630 ندوة بالمحافظات الحدودية لتصحيح مفاهيم الزواج ومواجهة المغالاة في التكاليف    ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه في البنوك اليوم الثلاثاء    السيسي تفقد أعمالها الإنشائية اليوم، تعرف على موعد افتتاح محطة مترو الأهرامات    موعد مباراة الإسماعيلي وبتروجت في الدوري والقناة الناقلة    وزيرة الثقافة تشيد بحفل افتتاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    6 مستشفيات متخصصة تحصل على الاعتماد الكامل و12 على الاعتماد المبدئي من «GAHAR»    مجلس «الإسماعيلية الجديدة الأهلية»: جاهزية الكليات وتيسيرات للطلاب وخريطة دراسية متكاملة لعام 2027    وزير البترول يبحث مع نظيره التركي فرص التعاون في مجالات التعدين والطاقة    بوتين: سنفعل ما بوسعنا لمساعدة طهران.. وعراقجي: الأحداث الأخيرة أظهرت عمق الشراكة    الجيش الإسرائيلي يعترف: "مسيرات حزب الله" تحدي كبير لقواتنا    ترامب يتحفظ على العرض الإيراني ويتمسك بالملف النووي كشرط للحل    الهلال الأحمر الفلسطيني: إجلاء 47 مسافرا بينهم مرضى عبر معبر رفح البري    ضبط عاطل بتهمة ابتزاز المواطنين في الإسكندرية    بايرن ميونخ ضيفا على باريس سان جيرمان في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا    غدا.. منتخب الناشئين يواجه اليابان وديًا    الموسم الصفري يدق أبواب القلعة الحمراء| 7 أسباب تضع الأهلي بين مطرقة الجماهير وسندان الوهم    الشرقية تحصد برونزيتين في بطولة الجمهورية للتايكوندو    قرار جديد في واقعة مصرع شاب هربا من زوج عشيقته بالقاهرة الجديدة    ضبط طالبين لقيادتهما سيارتين بشكل استعراضي بالمحلة    التحفظ على تروسيكل محمل بأسمدة زراعية مدعمة بالفيوم    10 طعنات وسرقة متعلقاتهما، تفاصيل مناظرة جثتي ربة منزل ووالدتها في المرج    143 ألف شكوى.. «نجدة الطفل» توضح طرق الاستجابة والخدمات المقدمة    مأزق التنوير العربي.. قراءة في جدليات أحمد عصيد وإبراهيم عيسى    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    محافظ قنا يعتمد جداول امتحانات نهاية العام 2026 لصفوف النقل والشهادة الإعدادية    قمة طبية دولية بجامعة عين شمس تستضيف البروفيسور الألماني أنسجار بيرليس    بدء أولى جلسات محاكمة ابن ميدو بتهمة حيازة مواد مخدرة في القاهرة الجديدة    صدام أمريكي إيراني بمقر الأمم المتحدة بسبب منع انتشار الأسلحة النووية    البحيرة تواصل توريد القمح 12200 طن لشون والصوامع    3 جرام حشيش وزجاجة خمر، أحراز قضية نجل ميدو    أمام 6 آلاف مشاهد.. حفل تاريخي لأصالة في العاصمة الفرنسية باريس    وزير الصناعة يبحث مع سفير اليابان بالقاهرة الاستثمارات المقامة في مصر والراغبة في التوسع    وزير التعليم العالي يترأس اجتماع مجلس إدارة هيئة دعم وتطوير الجامعات    مقتل 11 شخصا في هجوم مسلح بنيجيريا    التعليم: تدريس الثقافة المالية ل2 ثانوى و500 جنيه للطالب للتداول بالبورصة    عيد ميلاد نور الشريف فى كاريكاتير اليوم السابع    ماجواير: كنا نخسر دائما مع أموريم.. وكاريك غير الخطة لكي نفوز    وزير التخطيط يبحث مع شركة "أيادي للاستثمار" سُبل دعم قطاع ريادة الأعمال    رئيس جامعة هيروشيما: تعزيز تعليم الثقافة المالية للطلاب من خلال تطبيق TOFAS    سعر كرتونة البيض اليوم الثلاثاء في بورصة الدواجن    «الأرصاد»: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة اليوم.. والعظمى 29 درجة    قصر ثقافة أسيوط يحتفل بعيد تحرير سيناء    اليوم استكمال محاكمة المتهمين بالتعدي على طفل باسوس ووالده بالقناطر الخيرية    دراسة علمية تحذر من خطورة المكملات الغذائية للأطفال    دراسة: تناول الإفطار يساعد في اكتساب المرونة النفسية    «آخرساعة» تكشف تفاصيل رحلة السادات إلى حيفا عام 1979    أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية    مدرب بيراميدز: كنا الأحق بالفوز أمام الزمالك.. ولا مجال لإهدار النقاط في سباق اللقب    أنا بتعلم منك.. ياسر علي ماهر يكشف تفاصيل مكالمة من عادل إمام بعد فيلم «كابتن مصر»    بعد الفوز على الأهلي.. تعرف على فرصة بيراميدز للتتويج بلقب الدوري    وول ستريت جورنال: واشنطن ستقدم ردًا ومقترحات مضادة للعرض الإيراني قريبًا    3 نتائج مذهلة، الكشف عن تمرين بسيط لهذه العضلة يساعد في ضبط سكر الدم لساعات    البابا تواضروس الثاني يصل النمسا في ثاني محطات جولته الخارجية    غرفة المنشآت الفندقية: لا يجوز منع المرأة من الإقامة بمفردها.. والحكم بحبس مدير فندق رادع لكل الفنادق    أمين الفتوى يكشف حكم إخراج الأضحية من زكاة المال(فيديو)    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



واقتراح عبدالحليم آن تغني أم كلثوم لحناً لعبدالوهاب
نشر في صباح الخير يوم 04 - 06 - 2013

بين أشجار الشوارع نصف الملونة فى الحى السادس عشر بباريس فى أحد أيام شتاء 4691 أضاءت بعض من زهور صغيرة رغم قسوة الشتاء. وكان اليوم يوم أحد.
وأخذ عبد الحليم يدندن «جفنه علم الغزل .. ومن العشق ما قتل». وكنت أسمع صوته وأنا بجانبه كأنه يهمس فى قلبى مباشرة. وكانت دقات قلبى تكاد أن تخرج من بين ضلوعى لتقول للشاريع «هس .. عبد الحليم يغنى».

ولاحظ عبد الحليم أنى غارق فى الانتباه لصوته بشكل أخاذ، فقال: دى صنعة يا أستاذ. وضحك.
فقلت: كل فنان فى مجال ما يظن أن الآخرين قادرون على إتقان نفس ما يتقنه الفنان نفسه.
قال: إلا عبدالوهاب وأم كلثوم، فكلاهما يعرفان تماما قدرات أى مطرب أو موسيقى.
قلت: هيا بنا إلى موعدنا لنلتقى مع كلود إستييه رئيس تحرير صحيفة «ليبراسيون»، فأنت تعرف أنك تدينه بدعوة الغداء التى أقمتها له فى بيتك بالقاهرة.
استغرب قائلا: أعوذ بالله، هل المسألة تصل إلى حد الدين؟ لقد جاء إلى مصر وطلب مقابلتى كواحد ممن أحبهم المقاتلون الجزائريون، فدعوته على الغداء، وتحدثنا أمامك عن كل شىء، بداية من فكرة عشق المقاتل الجزائرى للحرية، ونهاية إلى تأثير الأغنية على المشاعر. فهل هم يقيسون المسألة هنا بدعوة على الغداء يجب ردها؟
أقول: فى جميع أنحاء العالم لابد من أن تكون هناك فكرة وراء قضاء بعض من الوقت معك على طعام، ولعل الرجل يطلب التعرف على مزيد من الوقائع عن الجزائر وتأثير الأغنيات على الإنسان هناك، ولو كانت هناك أفكار أخرى سنجدها أمامنا.
يقول لى عبدالحليم: وما الفكرة التى يمكن أن تكون وراء دعوة كلود إستييه لى ولك على الغداء؟
قلت : ستظهر كل الأفكار حين نجلس معه.
∎∎
منزل كلود إستييه ليس إلا غرفة صغيرة فى حديقة منزل قديم كان يسكنه فان جوخ وصديقه جوجان. هنا عاش اثنان من عباقرة فن التصوير بالألوان.
قال عبدالحليم: لو أننى من الفنانين الذين يبحثون عن مكان فى باريس لما جئت إلى هضبة المونمارتر، وكنت سأختار أسلوبا ومكانا آخر لتقديم نفسى وفنى للعالم، فتكرار أسلوب التقديم، يخصم من قيمة الفنان ويراه الجمهور بعيون المقارنة بينه وبين غيره. ويفقد الفنان فرصة أن يشعر الجمهور بقيمة فنه الجديد.
قلت ضاحكا: لو أن الرسامين فكروا كما تفكر أنت كمطرب، لكان لهم شأن آخر. ولدخلت اللوحات الفنية لكل البيوت.
قال عبدالحليم: لا يمكن أن تدخل اللوحات الفنية كل البيوت، لأن الناس لا تفهم ماذا يريد الرسامون من لوحاتهم.
أقول: وهل يفهمون ما يريده المطرب من أغانيه؟
قال: لو لم يفهم الناس أغنيات أى مطرب، لألقوه بالطماطم.
قلت: هل مررت بتجربة الضرب بالبيض والطماطم؟
قال عبدالحليم: كان المعلم «صديق» متعهد الحفلات يقول لى «غنى أغانى عبد الوهاب» وأنا رأسى وألف سيف أن أغنى أغنياتى الخاصة، ولابد أن أقول إن تحية كاريوكا كان لها الفضل فى أن يصبر عم صديق المتعهد لمدة عشرة أيام، وفى اليوم العاشر حدثت حكاية الضرب بالبيض، بيضة واحدة فقط، أنت تعرف أن جمهور الصيف يتناول العشاء فى أغلب الأحيان «بيض وسميط وجبنة»، ويبدو أن واحدا قد ناله بعض من سباب المونولوجست حمامة العطار فأراد أن يرد عليه، ولما لم يستطع وخرجت أنا لأغنى ضربنى بالبيضة التى فى يده ولم تلمسنى. وعندما كان المعلم صديق يطالبنى أن أغنى أغانى عبدالوهاب كنت أقول «حا أفكر». وحين قال المعلم صديق إنه يخيرنى بين أن أغنى أغانى عبد الوهاب أو ألا أغنى، دفعت تحية كاريوكا لى الخمسة جنيهات التى كانت دينا للمعلم صديق، ورفضت أن ترقص على المسرح.
وبإحساسى رفضت قبول فكرة الغناء كدوبلير لعبد الوهاب، فأن تغنى لواحد غير أغانيك سيتم سجنك فى هذا الإطار.
∎∎
ويستقبلنا كلود إستييه رئيس تحرير جريدة الليبراسيون، ومعه سكرتيرة تحرير مجلة الإكسبريس. وكانت مجلة الإكسبريس قد بدأت فى التحول من اتجاه اليسار إلى اتجاه اليمين.
قال كلود إستييه: جمال كريستين سيغفر لها تحول المجلة التى تعمل بها من الدفاع عن الفقراء إلى مغازلة الأغنياء.
قال عبدالحليم: جمال المرأة فى أى موقع هو شهادة لجمال الموقع، اليسار جميل إذا كانت المرأة التى تعبر عنه جميلة. واليمين جميل إذا كانت المرأة التى تعبر عنه جميلة.
وترجمت صديقتى كلمات المجاملة، فوضح أثرها على ملامح كريستين، فقلت: هل تريد أن تقيم علاقة غرام فى باريس؟
قال: وليه لأ؟ وضحكنا.
قال كلود إستييه لعبد الحليم: كيف وأنت بهذا الجسد الرقيق النحيف تهدد فرنسا الكبيرة، وكيف ألهبت مشاعر المقاتلين فى جبال الجزائر، وهم يحاربون جنود الاحتلال؟
وكعادة عبد الحليم كان قد درس شخصية كلود إستييه قبل أن نذهب إليه وعرف أنه صحفى يناصر العرب، وأنه كان يناصر الثورة الجزائرية، ويتمتع بالصداقة مع «بن بيلا» قائد الثورة و«بومدين» قائد جيش التحرير الجزائرى فى ذلك الوقت. وأن كلود إستييه زار مصر وقابل جمال عبدالناصر.
وقال عبدالحليم: أنت لا تعلم أنى أناصر أيضا امرأة فرنسية تريد أن تخرج حبيبها من الجزائر ليأتى لها، وصاحبة الفندق الذى ينزل فيه منير لها ابن فرنسى محبوس على ذمة قضية سياسية فى الجزائر وتريد أن تخرجه من السجن ليأتى إلى فرنسا. وهكذا ترى أنى أساعد الفرنسيات أيضا.
∎∎
غرق كلود إستييه وعبد الحليم فى مناقشة الحالة العاطفية لأهل الشرق. فكلود إستييه كفرنسى يتعجب من أفكار السهر والسهد فى الحب، مع أن الحب أبسط وأسهل مما يتخيل مؤلفو الأغانى الشرقيين، وعبد الحليم يرى أن العاطفية الشديدة التى ينكرها إستييه على أهل الشرق هى عامل أساسى ومهم فى الشخصية الشرقية.
وضحك إستييه وهو يقول لعبد الحليم: هل تظن أن تلتقى بامرأة فرنسية وتقول لها كلاماً مثل هذا الذى تمتلئ به أغانى الشرق، فتصدق المرأة أنك تحبها؟
وامتلأ وجه عبد الحليم بالقلق والألم للحظات، وقال لى: أنت تعرف أنى تعلمت الموسيقى فى ملجأ، وكان بالملجأ واحد أو اثنان من اللقطاء، مجهولى الأب، وطبعا فى الشرق لابد أن يكونوا مجهولى الأم. وكان الواحد من هؤلاء أشد قسوة على كل من حوله، شراسة تفوق التصور، وكنا نتجنبهم، لأن الواحد منهم مستعد أن يضرب زميلا له إلى آخر مدى، الحياة والموت لا يفرقان عنده، وعندما كبرت، كثيرا ما سألت نفسى: هل يمكن أن تكون لحظة اقتراب رجل من امرأة مليئة بالغش الذى ينتج طفلا على هذه الدرجة من القسوة ؟ سؤال كنت وما زلت أريد أن أعرف إجابة له.
قالت كريستين: القسوة هى وليدة استقبال المجتمع للطفل المولود، وأظن أنى قرأت كتابا عن القيم الإسلامية، ووجدت رسول الإسلام يوصى الناس بالأطفال، خصوصا اليتيم منهم، وأعتقد أن اللقيط يتيم بشكل أو بآخر.
يقول عبدالحليم: وأظن أن القسوة نفسها يمكن أن توجد فى ابن المرأة التى تتزوج دون حب، أو فى الإنسان الذى ينشأ فى أسرة محرومة من العلاقة الحلوة، ولعل منير يعرف أنى لم أتزوج من الإنسانة التى أحببتها، لأن لها أبناء، وكانت قد حصلت على الطلاق لنتزوج، ولكنى كنت أفكر ليلا ونهار فى أولادها.
ونظر إلى كريستين وقال لها: أنا أوافقك على أن القسوة تنشأ من أسلوب نظرة المجتمع للطفل، وأنا على سبيل المثال عانيت من القسوة بشكل غير عادى، ولست أقصد بالقسوة تلقى الضرب وأنا طفل، فهذا لم يحدث، ولكنها قسوة الظروف، والقسوة فى المجتمع الأوروبى تختلف عن القسوة فى المجتمع الريفى المصرى، فمن القسوة مثلا التى أذكرها الآن هو موت حمار خالتى زينب، وهو حمار لم أره فى حياتى، ولكنى سمعت حكايته عشرات المرات، والحمار - إن كنتم لا تعرفون - هو مصدر رزق لمن يملكه، وعادة ما يعمل الحمار بما يأتى بدخل يكفى لصاحبه، وكانت لى قريبة هى خالتى زينب، وكنت أزحف وأنا طفل وأدخل بيوت الحارة التى يوجد فيها بيتنا فى الحلوات، وحدث أن غبت يوما فلم أزحف إلى بيت الخالة زينب، فجاءت لتسأل عنى ولم تجدنى وأنا طفل، وغضبت خالتى زينب من أختى «علية» وظنت أنها تخفينى منها، خوفا من الحسد، وخرجت وهى غاية فى الضيق، وعندما عادت لبيتها وجدت حمارتها ميتة، وجلست السيدة العجوز تبكى على الحمارة التى تمثل بالنسبة لها رأسمال حقيقى، وحين دخلت زاحفا إلى منزلها بعد ذلك، حملتنى من الأرض وقبلتنى وقالت: «السعد قدامك وحواليك». وكان لها عند بعض من أقاربها بعض من النقود التى كانت تمثل ثروة فى تلك الأيام وسدد لها الأقارب النقود، واشترت حمارة غير التى ماتت، وهذه السيدة عندما تأتى لزيارتى فى القاهرة وتحكى لى تلك الحكاية فأنا أشعر بقسوة الأيام عليها، وأسرع لأختى «علية» لتعرف احتياجات هذه الخالة، لأن الحكاية التى تحكيها هى مقدمة لشرح وطأة الظروف اليومية، وأنا أعرف وطأة الظروف اليومية جيدا، ومن تربوا مثلى وهم يتامى يعرفون كيف تكون اللقمة مغموسة فى الهموم، كنت أتناول طعامى فى بيت خالى، وتقف اللقمة فى زورى، لو نظر لى أحد الأقارب وأنا آكل. لم يكن أحد فى بيت الخال بخيلا، ولكنها حساسية الظروف الصعبة، وحين استطاع أخى إسماعيل أن يجد عملا ويستأجر غرفة فى حى السيدة زينب كان ذلك بالنسبة لنا فرحة هائلة، وحين نجحت فى الابتدائية، وانتقلت من الزقازيق إلى القاهرة، كنت أحب أن أنظف حجرة أخى إسماعيل حتى يعلم أنى أشاركه مسئولية الحياة بما أملك، وحين جاء أخى محمد ووجد عملا فى الخدمات الطبية بالجيش المصرى، كان ذلك فرحا كبيرا، لأننا سنجتمع معا، وستأتى أختنا علية لتقيم معنا، بعد حياة مشتتة بالمعنى الكامل للتشتت، وكل خطوة تقدمت فيها فى حياتى كانت هى محاولة للابتعاد عن قسوة الظروف الصعبة.
قالت كريستين: ولكن الظروف الصعبة تتغير من عصر إلى عصر ومن زمن إلى زمن، وما كنت تعتبره سابقا هو «ظروف صعبة» صارت الوقائع التالية ظروفا أصعب منه.. ضحك كلود إستييه وقال لعبد الحليم: وهكذا هربت من موضوعنا الأساسى وهو العاطفية الشديدة التى تصبغ الغناء العربى، واقتحمت قلب صديقتى كريستين.
ضحك عبد الحليم: لم أقصد أن أقتحم قلبها، ولم أعلم أنك تسكن فى قلبها.
قال كلود إستييه: ومع ذلك لم تقل لى كيف حققت تلك الشعبية المنقطعة النظير فى الجزائر. لقد رأيتك تدخل فى الحفل الأول لعيد الثورة الجزائرية واستقبلتك الجماهير بعاصفة من التصفيق تفوق الخيال، وتجاهلت نفس الجماهير وجود المشير عبدالحكيم عامر نائب جمال عبد الناصر، ولقد رأيت ذلك بنفسى.
وبالحساسية الفائقة للهرب من السياسة قال عبدالحليم: هم لم يعرفوا عبد الحكيم عامر، نظرا لأنه دخل ضمن الوفد الذى يضم قيادات الثورة الجزائرية، وهم قد عرفونى لأنى دخلت بعد أن دخل الوفود، وأنت تعلم مكانة كل قيادة مصرية فى الجزائر.. واستطاع كلود إستييه أن يفهم سرعة الرغبة فى الهرب من هذا الموضوع عند عبد الحليم، فقال له: ماذا ستفعل فى الخميس القادم حين تغنى أم كلثوم من ألحان شريكك الملحن محمد عبد الوهاب.
قال عبد الحليم: أنت تسألنى وكأنك لا تعرف أنى واحد ممن شاركوا فى صناعة هذه المعجزة، والتى سأسمعها فى منزل السكرتير الثانى للسفارة المصرية عماد البط هنا فى باريس.
تساءل كلود إستييه وهو الذى يعلم أجواء المنافسة الضارية بين الفنانين، خصوصا فى مجال الغناء سواء فى مصر أو فى باريس أو فى أى بلد من بلاد الأرض، قال كلود إستييه: هل شاركت فى صناعة هذا الحدث نكاية فى عبد الوهاب أم نكاية فى أم كلثوم؟
وضحكنا جميعا، لكن عبد الحليم قال: فى احتفال الثورة الذى أقيم فى يوليو الماضى «3691» كنا نحن ثلاثة فنانين ضيوف جمال عبدالناصر ونائبه عبدالحكيم عامر على مائدة واحدة، وهو أصعب عشاء فى حياة عبد الوهاب لأنه يخاف دائما من مائدة أى حاكم، أما أنا فكما قال لى ضابط الجوازات الفرنسى وأنا أدخل باريس هذه المرة «أهلا بمطرب جمال عبد الناصر» وحكى لى ضابط الجوازات أن صورتى كانت موزعة على الجنود الفرنسيين المقاتلين فى الجزائر ضمن المطلوب القبض عليهم، ولذلك كنت أتصرف مع رجال قيادة مصر كأنهم بقية أقاربى الكبار، لهم احترامهم العميق، ولى حق المحبة العالية منهم، أما أم كلثوم فهى تتمتع بمكانة خاصة عند الرئيس جمال عبد الناصر وعند المشير عبدالحكيم عامر فى نفس الوقت، وهى تعلم أنها المطربة الوحيدة التى يسمعها جمال عبد الناصر من جهاز التسجيل، حين يكون بمفرده فى مكتبه، أما بقية المطربين فهو يسمع أغنياتهم أثناء تغييره لمؤشر الراديو وهو يتنقل بين الإذاعات ليتابع الأخبار، وجاء مكانى أثناء العشاء بجانب جمال عبد الناصر مباشرة. وقال لى جمال عبدالناصر: «أنا خايف عليك من الإرهاق والشقاوة، وأنا مبسوط إن عبد الحكيم عامر خصص لك شقة فى عمارة خاصة بالقوات المسلحة بالزمالك علشان تبعد عن شارع النيل اللى أنت ساكن فيه دلوقت، على الأقل علشان تبقى لوحدك وبعيد عن أى أجواء مزعجة لك، كمان لأن عمارة العجوزة اللى فى شارع النيل فيها أصدقاء كثير لك وأنت بتسهر معاهم وأنا خايف على صحتك». وقررت أن أهرب من هذا الحديث الذى يقول لى به عبد الناصر أنه يعرف كيف أقضى وقتى، وكان حديثا مليئا بالصدق، ولكن من قال إن صدق الوالد ومعرفته لتفاصيل حياة ابنه ليس مزعجا للابن، وما بالنا إن كان الذى يتابع هو جمال عبد الناصر، فقلت للرئيس جمال عبد الناصر: فيه مشكلة فنية نفسى أعرضها على سيادتك.
ضحك جمال عبد الناصر وقال: «أنا ممكن أحل مشكلة سياسية، لكن المشاكل الفنية طبعا ما أقدرش عليها» قلت: «مش معقول نبقى عايشين فى عصر معجزتين فنيتين هما السيدة أم كلثوم والفنان محمد عبد الوهاب وما نقدرش نسمع صوت أم كلثوم فى لحن لعبد الوهاب». قال جمال عبدالناصر: «لو كان الفن بيصنع بالأوامر كنت أصدرت للاثنين قرارا جمهوريا لينفذوا ما تقول عليه يا عبد الحليم». وقال عبد الوهاب: «اعتبر الأمر صدر يا أفندم». وقالت أم كلثوم: «حا أكون سعيدة لما ينفذ الأستاذ محمد عبدالوهاب وعده».



وفى طريق عودتنا من منزل كلود إستييه المعلق على هضبة المونمارتر. قال لى عبد الحليم: هل تظن أن أغنية «أنت عمرى» ستنجح نجاحا فوق العادة؟ قلت: هذا السؤال أسأله أنا لك، فأنت تعرف الاثنين أكثر منى.
قال ضاحكا: لقد رأيت ذكاء عبدالوهاب وهو يقترب من حساسية أم كلثوم، وسنرى ماذا أنتج الاثنان.
سألت عبد الحليم: هل أنت خائف من هذا الاقتراب؟ ضحك من قلبه وقال: أنت تعلم رأى الأستاذ أحمد بهاء الدين الذى يقول إن كل عمل ناجح يدفع بقية الأعمال الناجحة إلى مزيد من التألق.
∎∎
ولم أكن أعلم أن صيف عام 5691 وهو العام التالى سيشهد صدام الكوكبين، عبد الحليم وأم كلثوم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.