جمعنى لقاء بمجموعة من طلاب الجامعة الأمريكية فى القاهرة. أذهلنى ما وجدته فيهم من ثقافة ووعى وانتماء لقضايا الوطن ومشاكل المواطنين. قالوا إن الثورة فكرة لابد أن تؤمن بها الجماهير لكى تنتصر فى النهاية. سألتهم لأى الأحزاب ينتمون أجابوا نبحث عن حزب لم يولد بعد.. يمثل الريادة والوعى والمعرفة والانصهار مع الجماهير حتى نستطيع أن نفجر طاقات الأمة ونحقق نهضتها ونبعث فيها الوعى الثورى للوصول إلى ما قد يبدو مستحيلا» . قالوا : لقد سلبونا حتى الحلم، تركوا لنا شعبا يئن أكثر من أربعين فى المائة منه تحت وطأة الفقر المدقع، ويسكن قرابة خُمسه العشوائيات، وتتعدى نسبة الأمية فيه أكثر من اثنين وعشرين مليونا، ويعانى الملايين من شبابه الواعد من البطالة وضياع الأمل. بينما ورثنا من عصابات المنتفعين من رجال الأعمال وحملة مباخر السلطان ديونا هائلة تقدر بأكثر من ألف مليار جنيه.. فى الوقت الذى نهب فيه هؤلاء الخونة ثروات مصر وأراضيها ومصانعها واستعبدوا عمالها، وكرسوا لسياسات الرأسمالية الاحتكارية الهمجية المتوحشة وبنوا إمبراطورياتهم الباذخة على أشلاء أحلام هذه الجماهير البائسة المغلوبة على أمرها. سألتهم من جديد «دعونا نكون أكثر إيجابية فلنحدد بداية من نحن وماذا نريد. وماذا بوسعنا أن نفعل ؟» .قال أحدهم بحماس ساطع « نحن طلاب مصريون.. توحدنا أفكارنا النضالية إيمانا منا بالثورة المصرية فى 52 يناير والثورات السابقة واللاحقة وحق الشعوب فى حياة كريمة عادلة تحقق لها الحرية والديمقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص. إننا يا سيدى - وبكل فخر - نمثل حركة طلاب اليسار فى الجامعة الأمريكية، وهى حركة توحدها الأفكار الاشتراكية وتنحاز إلى جموع الشعب فهى معه وله، إيمانا منا بأن الأغلبية الكادحة هى المحرك الأول للنهضة والتقدم والتنمية فى المجتمع بأسره. نحن نؤمن أن الطلاب هم أول الطريق فى بناء المجتمع بعد ثورة مصر العظيمة فى 52 يناير 1102. وعلينا أن نذكر دائما أن مصر كانت رائدة فى حركتها الطلابية منذ أحداث 8691 وما قبلها مرورا بالسبعينيات وحتى اللحظة الراهنة، وقدمت مئات الشهداء من الطلبة الأبرار سواء فى معارك التحرير الوطنى ضد الاستعمار، أو ضد قوى القهر والظلام والفساد والاستبداد التى تحالفت مع الاستعمار، وكانت أبشع من المحتل الأجنبى فى ممارسات القمع وتجريف الوعى وإهدار الثروات وانتهاك الحقوق وصنع إمبراطورية الفساد والمهانة والاستعباد. .قلت لهم « ولكن ألا تؤمنون وأنتم طلبة فى الجامعة الأمريكية بالليبرالية والاقتصاد الحر. قالوا فيما يشبه النبرة الواحدة المترعة بالألم والمرارة والمفعمة مع ذلك بالحماس والتحدى : « أول طريق الظلم والفساد هو سيطرة رأس المال على المجتمعات لأن تغول الرأسمالية فى العالم هو الذى يجعل القوة والسلطة والمال فى يد أقلية مترفة على حساب أغلبيات كادحة مهمشة مستضعفة ومغلوبة على أمرها. وقلت معلقا : « ولكن الليبرالية الرأسمالية تندى بالمنافسة فى السوق الحرة أليس كذلك ؟. أجابونى بنبرة قاطعة : « كيف تنافس يا سيدى الجموع الكادحة الفقيرة بلا مال ولا صحة ولا تعليم؟.. امنحنى أولا العدل الاجتماعى والمساواة وتكافؤ الفرص وحقى الإنسانى فى المسكن والغذاء والتعليم والعلاج بصورة كريمة. ثم افتح الأسواق الحرة كيفما شئت بعد ذلك، حتى تصير المنافسة عادلة ولا يحتكرها أصحاب الثروات التى أقامت قلاعها الشاهقة من الثروة والقوة على أنقاض الشعوب واستعباد الجماهير المقهورة والعبث بمقدراتها. لقد علمتنا دراستنا فى الجامعة الأمريكية ألا ننسى حقوق الطبقات الفقيرة الكادحة. بل إن واجبنا أن نكون واعين بما درسنا وقرأنا كى نساند الفقراء والكادحين الذين عملوا من أجل أن نتعلم نحن. .وإذا كنا نؤكد على حرية الرأى والتعبير بالطرق المختلفة، فإننا نستمسك بنفس القدر بحق الجماهير فى الوعى بحقوقها ونطالب بتطهير جميع مؤسسات الدولة من الفساد والتدمير الذى لحق بها فى العهد البائد.∎