منذ أيام تصادف أن كنت أسير في إحدي المناطق التي تجتذب الطبقة الوسطي في قلب القاهرة كان طلاب وطالبات المرحلة الإعدادية خارجين لتوهم من أداء الامتحان مررت بجوار ثلاث مدارس أمام المدرسة الأولي وجدت مشاجرة، طالب في المرحلة الإعدادية يمسك سكينا يشهره في وجه زملائه، وعندما حاول أحد المدرسين أن يتدخل، أشهر الطالب السكين في وجه المدرس تركت المشاجرة ومضيت وأمام مدرسة أخري للبنات وجدت مجموعات ممتدة من الطلاب علي هيئة تكوينات عصابية من طلاب يحملون زجاجات فارغة وعصي وطوب، يتشاجرون معا، ومن الواضح أن سبب المشاجرة هو معاكسة الفتيات الخارجات لتوهن من الامتحانات المشاجرات ممتدة، والشتائم والسباب علي أشده بين الطلاب. منذ سنوات أصبح «العنف» ملمحا أساسيا في العلاقات بين الفتيات في المرحلة الثانوية، والذي بات يأخذ صورا مشابهة للعنف الذكوري. ليس هذا فحسب، بل أن أسر هذه الفتيات عادة ما تدخل طرفا في المشاجرات التي تنشب بين الفتيات، الأمر الذي يحولها إلي معارك ممتدة وهناك ظاهرة تبدو منتشرة في معظم المدارس في المناطق الحضرية، وهي شيوع المعاكسات «المنظمة»، حيث تأتي مجموعات من الشباب، تحمل كل مجموعة اسم الشارع أو المنطقة التي وفدت منها، تنتظر الفتيات بعد انتهاء اليوم الدراسي لتعقبهن، وهو ما يؤدي إلي حدوث مشاجرات تأخذ طابعا جماعيا ثأريا في أحيان كثيرة. والسؤال هو أن المؤسسات التعليمية التي منوط بها تربية وتهذيب وتكوين المواطنين الصغار أصبحت تلفظ إلي المجتمع صغارا لديهم فائض عنف إلي حد المشاجرات العنيفة، ما سيكون عليه حال هؤلاء الطلاب عندما يصلون إلي مرحلة الشباب؟ ما نشكو منه اليوم من انتشار ظاهرة العنف في المجتمع المصري، البدني واللفظي، أتصور أنها سوف تزداد، وتتكاثر، وتنمو في السنوات القادمة ما لم نتوقف وقفة جادة، ونعيد النظر في مجمل السياسات التعليمية، وطبيعة أساليب التربية المتبعة، حتي ندفع هؤلاء الطلاب علي طريق الثقافة المدنية، والتكوين الخلقي والإنساني. الحل الأمثل في التعامل مع ظاهرة العنف هو إتاحة الفرصة أمام الطلاب والطالبات للمشاركة في الحياة المدرسية، سواء من خلال اسر طلابية، أو أنشطة فنية ورياضية، أو مشروعات في المحيط الاجتماعي للمدرسة. في هذه الحالة سوف يتعلمون أن هناك أشكالا من التضامن الإنساني تجمعهم، مثل الهدف المشترك، وخدمة المجتمع، والحاجة إلي التغيير، بدلا من أشكال التضامن التي ينشئونها بأنفسهم، وتقوم علي «الشلة»، و«الجماعة الضيقة»، والانفصال عن العالم لصالح الذات، والشعور بالتهديد في العلاقات مع الآخرين، والرغبة الدائمة في الهيمنة. المشكلة التي نعاني منها هي تحول المدرسة إلي مؤسسة بيروقراطية، مغلقة، جامدة، جافة، بدعوي محاربة التطرف في المدارس، وهو أمر لم يتحقق، فالتطرف زاد، والغلو تصاعد، والتزمت الديني، مضمونا وشكلا في ازدياد. نحتاج اليوم إلي تعليم هؤلاء الطلاب معني انسانيا من خلال المشاركة، والتطوع في خدمة المجتمع، والدليل علي ذلك أن المدارس القليلة التي تشهد تجارب في المشاركة لا تعرف العنف، أو قد تعرفه بصورة محدودة جدا، مقارنة بالمدارس الخاوية من كل صور المشاركة.