7 آلاف متضرر.. برلماني يتوجه بسؤال للحكومة بشأن تعيين أوائل خريجي الأزهر    خطوات التقديم على وظائف وزارة العمل في 11 محافظة    أسعار الذهب اليوم في مصر السبت 2 مايو 2026    انقطاع الكهرباء عن قرى ببيلا في كفر الشيخ اليوم 5 ساعات    وزيرة التنمية المحلية: مقترح تنموي متكامل لتطوير مدينة رشيد وتحويلها لوجهة سياحية وتراثية متميزة    بشرة خير.. "البترول" تعلن كشفًا جديدًا للغاز في دلتا النيل يضيف 50 مليون قدم3 يوميًا    "الداخلية" تواصل فعاليات مبادرة "كلنا واحد" لتوفير السلع بأسعار مخفضة    ترامب: بعد الانتهاء من المهمة في إيران سنتوجه إلى كوبا    رغم الهدنة جنوب لبنان تحت التصعيد.. دمار واسع وتحركات لإعادة رسم المنطقة العازلة    رئيس الوزراء البريطاني: حظر المسيرات المؤيدة للفلسطينيين مُبرر أحيانا    وزير الخارجية يبحث مع نظيره المالي جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل    وزير الخارجية يؤكد تضامن مصر مع مالي ويجدد إدانة الهجمات الإرهابية    جدول ترتيب الدوري.. الزمالك يحتفظ بالصدارة رغم الخسارة من الأهلي بثلاثية    علي محمود لاعب إنبي: الدوري لسه فى الملعب..واللعب للأهلى شرف كبير    اللواء أحمد هشام يكشف للفجر تفاصيل الحالة المرورية صباح اليوم السبت    دماء على الأسفلت.. مصرع وإصابة 13 شخصًا فى حادث انقلاب ميكروباص بالطريق الصحراوى بالمنيا    شاب يشعل النيران في شقة شقيقته لخلافات مالية بينهما في بولاق الدكرور    اليوم.. طقس شديد الحرارة نهارا وأمطار متفاوتة الشدة ونشاط رياح    الداخلية تضبط صانعة محتوى بالإسكندرية لنشرها فيديوهات تتضمن ألفاظ خادشة للحياء.. تفاصيل    تحريات أمن الجيزة تكشف ملابسات العثور على طفلة أمام مسجد فى أوسيم    أنوشكا وعبير منير يشيدان بعرض «أداجيو.. اللحن الأخير» على مسرح الغد    نجوم الشباب "فرسان الرهان الجدد" بتكريمات المهرجانات.. عصام عمر بالإسكندرية ومالك بالكاثوليكي    محمد رشدى، صوت البسطاء الذي صنع مجد الغناء الشعبي    دعما للمبادرات الرئاسية.. استفادة 2680 مواطن من قافلة القومى للبحوث بالشرقية    مستشفى قفط التخصصي بقنا ينقذ يد مريضة من فقدان الحركة بجراحة عاجلة ودقيقة    مواعيد مبارايات اليوم السبت 2 مايو 2026 والقنوات الناقلة    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء اليوم السبت    مصرع وإصابة 45 شخصًا إثر انقلاب سيارة سياحية في المكسيك    حقيقة رفع الضريبة على موبايلات الأيفون في مصر| الاتصالات تكشف    موعد مباراة أرسنال وفولهام في الدوري الإنجليزي والقناة الناقلة    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    مليارات الدولارات، البنتاجون يكشف خسائر طهران جراء الحصار الأمريكي على المواني الإيرانية    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    رئيس جامعة دمنهور: القضاء على الأمية ليس مجرد مشروع قومي بل واجب وطني    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    فيديو| الداخلية تكشف ملابسات قيام شخص بالطرق على السيارات ب«حديدة»    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    جرح غائر وغرز، طبيب الأهلي يكشف تفاصيل إصابة تريزيجيه أمام الزمالك    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رئاستي لمركز الأهرام كانت واقعة غريبة في حياتي
نشر في روزاليوسف اليومية يوم 16 - 03 - 2010


مبني الأهرام ، 6 فبراير، 2010 م.
مر وقت طويل ..حوالي 5 أشهر، كنت خلالها علي خلاف موضوعي مع السيد ياسين. ومع ذلك قررت أن أكمل . ذهبت إليه أحمل الكاسيت والأسئلة وبلبلة عظيمة بشأن الحاضر.. إلي أين نتجه؟!، ذهبت وفي ظني أنه إذا أنصتنا إلي ذبذبة الشارع الصحفي وتردداته، بدقة، فقد نعرف الاتجاه . قبلها بيوم كنت أتصفح مبني الأهرام الذي أقامه هيكل وبه الكثير من اللمسات الفائقة. ودلفت منه، عبر الكوبري المعلق إلي المبني الذي أقامه إبراهيم نافع فوق الأرض ، الكوبري لا يزيد طوله عن بضعة أمتار، لكنني أشعر حين أمر منه أنني أعبر من عصر إلي عصر. ولم يكن الحنين إلي الماضي غائباً عني لكن يس أدري به مني. أدري بالأهرام وشعابها.
احك لي، من غير إسهاب ، ظروف التحاقك بالأهرام؟
- أنا كنت في بعثة لفرنسا من 1964 م إلي 1967 م ، هناك كانت للمبعوثين المصريين حركة ثقافية نشطة ، كانت هناك ندوات تعقد في مقر السفارة، أيام السفير عبدالمنعم النجار، الله يرحمه، وهو أحد الضباط الأحرار. كان هناك حسن حنفي، حسام عيسي، أستاذ القانون المعروف، رشدي راشد أحد أكبر مؤرخي العلوم العربية ، نعمان جمعة، كل هؤلاء كانوا ضمن المبعوثين في فرنسا. أنا كنت في " ديجون " علي بعد 200 كم من باريس.
لماذا اخترت "ديجون"؟
- لأنه لا يوجد بها مصريون!، اخترتها تجنبا ًللصراعات التي كانت ناشبة بين المبعوثين المصريين ، لم أرغب في تحويل طاقتي ووقتي إلي مسار آخر، لا علاقة له بالبحث العلمي . المهم اصطحبت زوجتي ، رحمها الله ، وابنتي وتوجهت إلي "ديجون" ، كانت هناك جريدة تصدر عن منظمة الشباب وترسل للمبعوثين . حصل أن المشير عبدالحكيم عامر زار باريس واجتمع بالمبعوثين الذين وجهوا انتقادات عنيفة لممارسات النظام في مصر . كان اللقاء تمهيدا ًلعقد مؤتمر للمبعوثين في الإسكندرية بحضور عبد الناصر. أنا سمعت بأصداء اللقاء بين المشير وزملاء البعثة ، فكتبت مقالة عنوانها " المبعوثون والاشتراكية " . ووقعتها باسمي وصفتي .. مبعوث المركز القومي للبحوث الجنائية في "ديجون" . كانت مقالة جريئة جدا ً، قرأها إخواننا المبعوثون اليساريون فتساءلوا عني. من أكون؟. ودعوني إلي باريس ، أرسل حسن حنفي دعوة لي لأحاضر عن "الطبقة الجديدة"، هناك قابلت زميلة قديمة في حقوق الإسكندرية هي الدكتورة عفاف مراد ، قابلتها بعد سنوات طويلة من التخرج، المهم انتهت البعثة وعدت سنة 1967، إلي مصر فتعرفت علي الدكتور جمال العطيفي.
القانوني ووزير الإعلام؟
- يومها كان سكرتير عام الجمعية المصرية للعلوم السياسية والتشريعية ، كنت أحضر ندوة وعقبت، فناداني وتعارفنا، قال لي: أنت تكلمت أفضل من المحاضر، ودعاني لإلقاء محاضرة في الأسبوع التالي، فذهبت وبدأت تنشأ بيننا صلة وقرب . وفي أحد الأيام زرته في الأهرام، فقد كان المستشار القانوني للمؤسسة، قال لي زميلتك بتسأل عليك. استفهمت: زميلتي من؟، قال : د. عفاف مراد ، كانت تعمل في مركز الدراسات الصهيونية والفلسطينية، مركز الدراسات الاستراتيجية ، فيما بعد. اتصلت بها وزرتها في المركز ، عرفتني بدورها علي حاتم صادق ، مدير المركز في هذا الوقت.
الكلام ده سنة كام؟
- سنة 1968، أنا بهرت بالمركز وارتبطت بالعاملين فيه ، كنت أحضر الاجتماعات معهم ، واقترحت عمل وحدة بحوث لدراسة المجتمع الإسرائيلي، ولقيت الفكرة قبولا، فذهبت إلي الجامعة الأمريكية، وعكفت فيها مدة شهرين، عملت خلالها حصرا شاملا وتوثيقا لعلم الاجتماع الإسرائيلي ، وأصبحت باحثا منتدبا في الوحدة. إذن أنا، منذ 68 خبير منتدب في المركز .
سنة 1975 استقلت من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وأصبحت مديرا ًلمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
هذه الانتقالة جاءت بالمصادفة، أم وليدة التخطيط؟
- استهواني العمل في هذا الميدان الجديد. وأنا ملول جدا، كنت أتنقل ليس من موضوع إلي موضوع، إنما من علم إلي علم، انتقلت من القانون إلي علم الاجتماع، إلي علم السياسة ..إلخ . ولم أكن قد عملت في ميدان الصراع العربي الإسرائيلي . لما درست علم الاجتماع الإسرائيلي لم يكن أحد يعرف عنه شيئا ً، فقررت أن أفتح مجالا ًجديدا لاهتماماتي . في عام 75 صرت مديرا ً، كما قلت لك ، فأعدت تأسيسه من جديد وضممت إليه شبانا موهوبين وبدأت تسير القافلة .
ثمة مصادفة، مع الأستاذ علي حمدي الجمال ، قادتك إلي موقع مدير المركز مباشرة، قل لي كيف حدث ذلك!
- في هذا الوقت كان موقع المدير شاغرا، كان حاتم صادق مشي، والدكتور عبدالملك عودة ترك التحرير وعاد إلي الجامعة، كان هناك 2 سنيورز (شخص أقدم أو أعلي مرتبة SENIOR)، الأستاذ سميح صادق ، رحمه الله والأستاذ جميل مطر . وقد أرادا الانتقال إلي الجامعة العربية ، كما فعل حاتم صادق . علي أن يظل مقعد المدير خاليا، بالاتفاق مع الأستاذ حمدي الجمال رئيس تحرير الأهرام ، في هذا الوقت كان لا بد من الاستقالة من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية .
لم أحصل علي الدكتوراه ، وبالتالي لم يكن بد من الاستقالة . فعرضت علي إدارة الأهرام انتقالي كرئيس للوحدة التي أسستها، وعندما صدر قرار التعيين، كانت هناك مفاجأة أدهشتني وأنا أستلم القرار من الدكتور محمد إبراهيم .. مديرعام الأهرام ، فوجئت بأنني مدير للمركز. لم تكن لدي أدني فكرة، حتي إنني ظننت أن بالأمر غلطة ما . لكنني احتفظت بدهشتي ونزلت من فوري للجمال مرة أخري : قلت له وقعت بالاستلام ، أشكرك ولكن هل تعرف علام ينص القرار . قال: أنا إللي مطلعه . قلت له : القرار ينص علي أنني مدير المركز .
فعقب : إنت ال "BOSS" دلوقت . قلت : لم يخبرني أحد . لكن سميح تفاجأ أيضا. وحضر في نفس اللحظة علي الدين هلال الذي اندهش بدوره هو وجميل مطر . لم تكن هناك مقدمات . علي كل نزلت لمكتب المدير في الدور الخامس . وبدأت أمارس عملي . أحضرت جيل عبدالمنعم سعيد وأسامة الغزالي ومحمد السيد سعيد وطه عبدالعليم ، كانوا يرشحون بعضهم البعض . وكلهم كانوا موهوبين . لم يكونوا مجرد باحثين ، كانوا مناضلين وكانت هذه هي البداية مع المركز الذي اعدت تأسيسه.
هل شعرت أنك تستحق هذا الموقع المفاجئ، أم أنها كانت ضربة حظ ، كما يقولون.
- لا أخفيك أنني فوجئت مفاجأة كبري. لكنني كنت أحلم أن أكون مدير هذا المركز. مجرد حلم. لم تكن الأوضاع في المركز تسير بشكل ممنهج ، وكانت لدي قناعة بأنني لو أدرته من الممكن أن أنهض به نهضة مختلفة . وقد كان . أنا تعودت أن أحلم وتعودت علي أن تتحقق أحلامي . هذه واقعة غريبة في حياتي .
أعتقد أنها واقعة فارقة
- طبعا. بدون شك .
وماذا قدمت؟
- كانت لدي خبرة كافية تسمح لي بإدراة المركز بفكر جديد يقوم علي أهمية الاختلاف. كنا نعقد مجلس خبراء في تاريخ محدد معروف، كل أحد الساعة 6 ، رؤساء الوحدات والخبراء.. د. عمرو محيي الدين ، أستاذ الاقتصاد المرموق ، د. علي الدين هلال .. رئيس وحدة النظم السياسية ، كان هناك أيضا حسن باشا يوسف ، رئيس وحدة البحوث التاريخية . استقدمه الأستاذ هيكل، د. سعدالدين إبراهيم، رئيس وحدة البحوث العربية إلخ . كان هذا الاجتماع الأسبوعي بمثابة سيمنار، تطرح فيه المشكلات البحثية وتتخذ إجراءات البحوث وتكليفات كل وحدة . عملت قاعدة تقوم علي التخطيط العلمي الديمقراطي . أول كل سنة أكاديمية أطلب من رؤساء الوحدات خطة عمل يزمع تنفيذه هذه السنة، وكانت هذه الخطط تصعد لمجلس الخبراء لمناقشتها، وحين يتم التصديق عليها تطبع في مجلد. كنت أوزع هذا المجلد علي المحررين ورؤساء الأقسام في الأهرام ، ليعرفوا طريقة عملنا. مرة ذهبت للأستاذ محمد زايد ، رحمه الله ، وجدته يقرأ في المجلد وكأنه يذاكر . قال لي هذا تفكير غير موجود في الأهرام . كان عندنا staff meeting ( اجتماع هيئة البحوث ) ، نوزع فيه الموضوعات : وحيد عبدالمجيد سيتكلم عن القضية الفلسطينية ، هو أستاذ الموضوع . محمد السيد سعيد ، رحمه الله ، عن العلاقات الدولية ، حسن أبو طالب ..إلخ . في ال staff meeting يعرض الباحثون آراءهم ويتلقون النقد ونصل إلي رأي عام مشترك، حتي لو اختلفنا. كان من أهم التقاليد التي أرسيتها : الاختلاف العلمي . اختلف كما تحب في حدود اللياقة وآداب الحوار . المدير الذي يدير الاجتماع هو في النهاية ، باحث مثل بقية الباحثين . من حقك أن تنقده وتفند آراءه . البحث العلمي ليس مجرد تدريب للباحثين أو اختيار دقيق للموهوبين . هناك قيم أساسية : كيف يمارس البحث العلمي؟ . أنا كنت موفقا في اختيار الباحثين . لم تكن هناك أي واسطة أو محسوبية علي الإطلاق . وكان التقليد أن يرشح مجموعة باحثين ( 5 ) لبعض الوقت .. سنة أو سنتين يعملون خلالها في الوحدات المختلفة ، ثم آخذ برأي رؤساء الوحدات عنهم، عن أخلاقياتهم أولا ً، عن مهاراتهم ، وأتابع ما يكتبون . ومن هؤلاء الخمسة نختار اثنين . لأني وضعت قاعدة .. ألا يزيد عدد أعضاء المركز ، في أي وقت ، علي ثلاثين ، ليس أكثر.
تريد أن تقول إنك المؤسس الحقيقي للمركز؟
- ما أستطيع قوله ، بدقة ، إنني أعدت تأسيسه علي أسس جديدة. المؤسس الحقيقي هو الأستاذ هيكل.
وصمت يسين فجأة . كأنه يتمزز هذه الأيام . كان البايب ، الذي يشعله من حين لآخر ، في يده رمزا ًلجيله وطبقته المبغددة . والسيجارة " الكليوباترا " التي أدخنها الآن تلخص طبقتي .. حريفة، لاذعة . طبقة متوسطة كان أبناؤها ، في الماضي، يعدلون الميزان المايل. لا أظن أنني حاقد . وليس في نيتي الهروب من طبقتي . إنها جلدي . أنا فقط أحاور الناس وأكتب القصيدة الخشنة وأدخن وانتظر.. "يناضل أيضا من يقعد ينتظر". أليس كذلك!.. علي كلٍّ التقطنا أنفاسنا أنا ويسين. ومع دخان الطبقتين ، وصوت تقليب الشاي عدت أسأل :علي ذكر هيكل ، وأنا أقدر الرجل ، لكن مصداقيته تعرضت لكثير من الغبار .
- أنا لا أوافقك . كتابات هيكل الصحفية فريدة في تاريخ الصحافة المصرية . أعداؤه يزعمون أنه لولا عبد الناصر ما كان هناك هيكل . هيكل كذب هذا عمليا.
اقرأ انتاجه بعد رحيل عبد الناصر . هيكل المؤرخ مختلف أيضا. أسلوبه مختلف. ويجيد استخدام الوثائق ويبحث عنها، وبالتالي أنا لا أتحدث عن عدم المصداقية.
لا يمكن مهاجمته من هذا الباب. إنما يمكنك أن تقول أن له وجهات نظر خاصة في بعض الظواهر، أو أنه يتأثر بميوله الخاصة. بعبارة أخري من الصعب علي هيكل أن ينقد الناصرية نقدا عنيفا، لأنه كان شريكا. دعني أروي لك هذه الواقعة.. كنت أدرس ، في الجامعة الأمريكية ، برنامجا عن المجتمع المصري ، بالاشتراك مع الدكتور سعدالدين إبراهيم ..co- teaching (برنامج تدريس مشترك)، أذكر أن عبدالوهاب المسيري عرف بالأمر فسجل نفسه لحضور المقرر كطالب منتسب. وأبلغ هيكل الذي سجل نفسه كطالب منتسب أيضا. كان يحضر بانتظام، رغم الموعد السخيف: الساعة 3 عصرا. وأذكر أني حاضرت عن الناصرية في وجوده. وطلبت منه التعليق فقال لي : لا أستطيع . أنا كنت مشاركاً في التجربة . لا أنسي هذا .
المسيري ، وكانت بيني وبينه إحن ، أراد أن يتفلسف ، فرده هيكل، قال له: نحن هنا لنسمع! هذا هو هيكل. أن يسجل نفسه في كورس كهذا ويحضر ويسمع، لم أر أحدا بهذا التواضع . حتي في الندوات التي كان مركز الأهرام يعقدها، عندما نستضيف خبيرا أجنبيا، كان يحضر. لم يكن أحد يدون من الملاحظات مثلما كان يفعل هيكل.
وقد لاحظت أن هيكل يراجع نفسه في الحلقات التي تبثها "الجزيرة"، أصبح أكثر صراحة. وقد تختلف مع هيكل حول رأيه في السادات.
كانت له وجهة نظر سلبية في الرجل انعكست علي كتابته وأحكامه علي الحقبة الساداتية . لكنه لا يمكن قبول الطعن في مصداقية هيكل .
أعود بك إلي مركز الدراسات . من موقعك الحالي كمستشار له ، ما الذي يسهم به هذا المركز في الإجابة عن المشكلات والقضايا الفكرية التي تطرحها حركة الواقع المصري والعربي ؟
- شوف يا عزيزي . أنا كنت مديرا لهذا المركز طيلة 20 سنة، من 1975 إلي 1995. خلفني في إدارته الدكتور عبدالمنعم سعيد. الذي كانت له رؤية لتطوير أدائه. هو استفاد من تراث المركز وتجاوزني في إدارته. عمل مطبوعات جديدة " ملف الأهرام الاستراتيجي " ، وغيره ، أنجز انجازا حقيقيا. وكان رأيي ، قبل أن أغادر موقعي ، أنه لا بد من إعداد 3 أو 4 ، يصلح كل واحد منهم لتولي المسؤولية . صف ثان . كان هناك عبدالمنعم سعيد ، أسامة الغزالي حرب ، طه عبدالعليم ، محمد السيد سعيد .
من أكثرهم كفاءة من وجهة نظرك؟
- كلهم أكفاء كباحثون لامعون ، كل في تخصصه . عبدالمنعم ومحمد أستاذان في العلاقات الدولية . طه أستاذ في الاقتصاد . أسامة أستاذ في السياسة المقارنة . لكن لكل منهم صفات نفسية مختلفة . وبالتالي ستنعكس علي طريقة إدارته . لأن هناك جانبا شخصيا ًفي الإدارة.
لكنك لم تجبني عما تقدمه هذه المراكز . هل تلبي حاجة الواقع؟
- أنا أسست التقرير الاستراتيجي العربي ، وهذا أعظم إنجازاتي في المركز ، عام 1987. ترأست تحريره 3 أو 4 سنين ، المهم كانت الدوائر التي انتظمت هذا التقرير هي : النظام العالمي ، النظام الإقليمي العربي ، النظام المصري . وما زال التقرير يصدر بنفس الرؤية . ميزة مركز الأهرام ، وهي ميزة فريدة علي مستوي العالم ، أنه مركز أكاديمي داخل مؤسسة صحفية . ولذلك أصبح لنا دور في تشكيل الرأي العام . وكانت هذه فلسفة هيكل .. التعريف بإسرائيل من وجهة علمية . قبل النكسة كان كل ما يكتب عن إسرائيل موضوعات إنشائية تافهة . ولمعلوماتك كانت الرقابة تمنع دخول أي شيء عن إسرائيل . رفعت الرقابة سنة 1967، اطلعنا علي إسرائيل من الداخل ، أنشئت وحدة للترجمة عن العبرية. لنعرف فيم تفكر إسرائيل. الشق الثاني أننا أخرجنا سلسلة كتب شعبية.. كراسات وغيرها من مطبوعات. الشاهد أننا ساعدنا في رفع الوعي العام بالتحديات الثقافية وغيرها . هناك ترتيب لمراكز الأبحاث قامت به إحدي المؤسسات اليابانية . ترتيب التقرير الاستراتيجي العربي رقم 10 من بين 30 مركزا حول العالم . ما أريد أن ..
ولم أترك يس في استرساله ، ذكرته بالسؤال ، قلت : لكن مراكز الأبحاث أصبحت "موضة"، الآن، دون أن تسفر كثرتها عن شيء!
- هذه المراكز تنطوي علي قصور شديد ، ليست لديها تخصصات متكاملة ، كما هو الحال عندنا. نحن لدينا باحثون متخصصون في حالة تفرغ للبحث . بقية المراكز لا تملك لا التكامل ولا الرؤية .
وما الفارق بين أهرام هيكل ، إبراهيم نافع ، والأهرام حاليا؟
- والله الأستاذ هيكل كانت لديه رؤية حضارية نادرة للأهرام . فكرة مراكز الأبحاث مثلا. وقد سألته عنها، فتبين لي أنه كان يفكر في المسألة قبل أن يبني المبني الرئيسي . هيكل هو صاحب رؤية أن يكون الأهرام مؤسسة ثقافية. وقد أرسي مجموعة من القيم أهما الدقة القصوي في المعلومة والخبر ..إلخ . هو باني الأهرام الحديث . نافع أحدث انطلاقة كبيرة في مطبوعات الأهرام . الآن أصبح أحد أبناء الأهرام رئيسا لمجلس الإدارة، هذا يعني أنه يعرف المؤسسة من الداخل ، وأنا أتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تطورات كبيرة داخل الأهرام.
الحلقة القادمة الجمعة المقبلة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.