عادت النائبة البرلمانية جورجيت قلليني من موقع الأحداث الملتهبة في نجع حمادي لتدخل في مساجلة لا تقل سخونة مع مجدي أيوب محافظ قنا، وصفته خلالها بالكاذب، وعدم قول الصدق، وأضافت في الحديث عن كراهية أقباط المحافظة له، وتمنياتهم برحيله عاجلا عن موقعه بالطبع. مساجلة حامية بين نائبة دخلت البرلمان لتجبر انخفاض تمثيل الأقباط والنساء، وبين محافظ قبطي جاء بعد طول غياب، أي أن كلا الاثنين في موقعهما بسبب قبطيتهما بالطبع لا ننكر كفاءة أي منهما، ولكن نتحدث فقط عن حضورهما التمثيلي في المجتمع. بصرف النظر عن صواب أو خطأ النائبة والمحافظ، إلا أن هذه المساجلة كشفت عن مأزق ما يطلق عليه المحافظ القبطي، وهو المأزق الذي وضع فيه المجتمع الرجل، وجعله أكثر حساسية ممن سبقوه في التعامل مع قضايا الشأن الديني، فمنذ اليوم الأول لتعيينه لاحقه وصف المحافظ القبطي، وأتذكر أنني طالبت في روزاليوسف بالكف عن استخدام هذا الوصف، والنظر إلي السجل المهني السابق للرجل، لم يسمع أحد، وذهب الرجل إلي المحافظة، التي يزداد فيها التركز القبطي، محملا بشعور ملتبس بأنه قبطي، وكان من الطبيعي أن يسعي - بكل ما يملك - إلي التخلص من هذا الشعور، لكنه، علي ما يبدو، لم يستطع ذلك. من اللافت أن يقضي في محافظته بضع سنوات دون أن يذهب لزيارة أسقف نجع حمادي، حتي في المناسبات الدينية، علي الأقل أسوة بما يفعله غيره من المحافظين في كل محافظات الجمهورية، ويتحدث الأقباط في محافظة قنا عن مطالبات عديدة تتعلق ببناء أو ترميم كنائس لا تصادف قبولا أو إنصاتا من جانبه. لا أريد مناقشة هذه القضايا، ولكن ما أخلص إليه أن المحافظ القبطي بات في مأزق صنعه له المجتمع، ولم يعد ممكنا الإفلات منه، وفي الوقت الذي كان المراقبون يتوقعون أن يكون تعيين محافظ قبطي خطوة للقضاء علي مناخ الاحتقان الديني، أصبح في ذاته تعبيرا عن هذا الاحتقان، ولم يكن غريبا، وإن كان لافتا، أن يكون آخر المتحدثين عن الأزمة، مرددا نفس الكلام. المحافظ مجدي أيوب في مأزق.. الأقباط يرون أنه منحاز ضدهم، وهو مفعم بحساسية مفرطة تجاههم، وأعتقد أن تجربته لن تمثل إضافة لجهود القضاء علي مناخ الاحتقان الديني.. وهو ما يبعث علي التفكير في القضية ذاتها وهي مواجهة الشعور المتبادل بالاحتقان لدي المسلمين والأقباط. المطلوب الآن تقرير آخر مثل تقرير اللجنة البرلمانية التي رأسها المرحوم جمال العطيفي في مطلع السبعينيات ولم يأخذ به أحد.. تقرير يرصد ماذا جري في النفسية المصرية تجاه الآخر المختلف دينيا، نتوقف عن التبرير، ونغمة الأحداث العابرة، ونرصد المشكلات الحقيقية في المجتمع، وما يتعلق بالأقباط دون تلكؤ أو تباطؤ، فلا معني لترديد خطابات معتادة ومستهلكة، ولا مفر من المواجهة المباشرة مع مشكلات مؤجلة، وخطابات إعلامية محرضة، وأحاديث دينية تفتقر إلي المسئولية، ومساجلات دينية تشحن النفوس، وتعمق روح الأزمة الطائفية عند المواطن العادي. نحن الآن، علي الأقل منذ ثلاثة أعوام، في مرحلة حرب الشوارع الطائفية التي يخرج فيها جمهور المسلمين والمسيحيين، كل بنسبته، للعراك وتحطيم الممتلكات ماذا ننتظر؟، في السابق كانت هناك جماعات متطرفة تستهدف كل شيء الدولة والمجتمع، ومن بينهم الأقباط، اليوم صار المسجلون خطر أبطال المشهد الطائفي، أليس في ذلك إنذار خطر أم أنه من المفيد الاستمرار في ترديد النغمة المعتادة؟!. الحل في التطبيق الحازم للقانون، فقد أدي غياب تطبيق القانون، والركون إلي المصالحات العرفية، إلي موبقات طائفية، وإن لم نطبق القانون سوف نجد أنفسنا نكتب مقالات أخري عن القضية نفسها، ولا خروج من الدائرة المفرغة.