** لو كان هذا المنتخب يتبع مدرسة ثانوية صناعية، ما جرى له.. ومعه ما يجرى فى الأسابيع الأخيرة!! وربما كان من الوارد أن يكون وضع منتخب المدرسة الثانوية الصناعية، أفضل كثيرا.. فمن الجائز أن يتدخل ناظر المدرسة، أو وكيلها ليمنع مهزلة تقع فى حقه.. فما بالنا وأن المنتخب الذى أتحدث عنه هو منتخب مصر الأول.. وفى كرة القدم، وليس الريشة الطائرة! كتبت من قبل عن مباريات منتخب مصر الودية، التى يلعبها خارج مصر استعدادا لارتباطاته الدولية فى الفترة المقبلة، وقلت إن المسألة مهينة جدا، عندما يصل الأمر بمنتخب مصر إلى حد أن يلاقى منتخبات، ليست بمنتخبات، وإنما فرق من الهواة، لو كان بمقدور أحد أن يفتش وراءها، أو يحاول كشف هويتها، لظهرت الحقيقة، التى لن تخرج عن كون هذه الفرق مجرد مجموعة من اللاعبين تم جمعهم من المقاهى، أو جرى استدعاؤهم من بيوتهم، باعتبارهم هواة، ليلعبوا مباراة أمام منتخب له اسمه.. وتاريخه، ولا ينبغى أبدا أن تتم إهانته بهذه الصورة.. ما هذه المهانة؟ ما هذه الاستهانة باسم البلد؟ كيف يجرؤ من يتخذ قرار لعب هذه المباريات على أن يفعل مثل هذه الفعلة الشنعاء؟ ما سر الصمت المريب والسكوت عن الرد على كل ما يقال عن تلك المهزلة؟ لقد توقفت الأسبوع الماضى أمام الفضيحة التى أدت إلى لعب منتخب مصر مباريات مريبة أمام لاعبين مغمورين.. وفرق مجهولة التكوين، ثم جاء الموعد مع الكارثة الجديدة فى معسكر السودان، الذى جرى الاتفاق عليه فى اللحظات الأخيرة، بعد أن تعذر إقامة المعسكر فى المغرب.. ولعب المنتخب مباراتين بالفعل.. واحدة أمام منتخب الكاميرون وهو بالاسم فقط ثم أمام توجو.. وقبل أن يلعب المنتخب المباراة الثالثة، اعتذر منتخب مالاوى!! معسكر مخطط له لعب ثلاث مباريات، وقبل أن يأتى موعد المباراة الثالثة، يعتذر الفريق المنافس.. فيعود المنتخب قبل موعده، ولا أحد يعلق أو يشعر بالحرج، أو يعتبر ما جرى أمرا لا ينبغى له أن يمر مرور الكرام!! الأمر مستفز.. وغريب.. ومريب، على الأقل للصمت، والتغاضى عما جرى، فلم يكن هناك من يصرخ لما جرى، ولم يكن هناك من يستصرخ أصحاب القرار لكى يتدخلوا للتحقيق فى المهزلة، مر كل شىء فى سلاسة مدهشة، وربما كانت انتخابات الرئاسة، التى انشغلت مصر كلها فى المشاركة فيها، ومتابعة نتائجها، هى التى جعلت من ارتكبوا هذه المهزلة، يفلتون بها كالعادة.. والواضح أن الأمر لن يتغير فى المستقبل، وسيبقى الفساد هو صاحب الكملة العليا فى ساحة الرياضة المصرية عموما، وكرة القدم على وجه التحديد.. والبقاء لله فى الشرف، والنزاهة!! واقرأوا معى الفاتحة على روحهما. =*= قلت الأسبوع الماضى.. إن إدمان التباطؤ فى اتخاذ القرارات الحاسمة، يؤدى دوما إلى أن تتحول المشكلات إلى ما يشبه كرة الثلج، التى تتدحرج من فوق الجبل.. فيتحول حجمها الصغير إلى كتلة ضخمة هائلة، تجتاح كل شىء أمامها.. وهو ما حدث بالفعل فى مشكلة "شيكابالا" فى مباراة المغرب الفاسى، وانفعاله على المدير الفنى الكابتن حسن شحاتة، ولأن القرار المناسب لعلاج ما جرى.. تأخر كثيرا، تماما مثلما جرى فى أعقاب حادثة بورسعيد، التى لم تصدر القرارات المناسبة حيالها فى غضون أيام قليلة، فتحولت إلى أزمة كبرى، وحقيقية.. وظلت آثارها باقية لوقت طويل جدا، وربما لا تزال لها تداعيات إلى اليوم.. تفاعلت الأحداث داخل نادى الزمالك، ووصلت إلى استقالة المدير الفنى، وما تبعه من محاولات احتواء هذا القرار.. بإعلان الاستغناء عن اللاعب أحمد حسام "ميدو"، والاتجاه لإعارة "شيكابالا".. والسعى لإثناء حسن شحاتة عن الاستقالة. ألم يكن من الأفضل أن يصدر القرار فى أسرع وقت ممكن، خاصة أن مثل هذه المشكلات، لا تحتاج إلى كل التعقيد، الذى يحدث عندنا هنا، فسرعان ما يصدر القرار، ويسدل الستار على الأمر فى أسرع وقت.. أما عندنا، فالمسألة دائما تحكمها الحسابات، والموازنات، والمواءمات، وحين ينتهى صانع القرار من كل هذا تكون كرة الثلج قى طريقها لاجتياح كل ما يقابلها. المثير حقا.. أن مثل هذه الحكاية تحدث منذ ما يزيد على نصف قرن، فلا هى انتهت، ولا كان هناك من تعلم من تكرار المواقف، ولابد أن هناك من يشعر بالخجل من الوقوع فى نفس الجرم.. واضح جدا أن التكرار "فعلا" بيعلم.. الشطار! ومرة ثانية.. البقاء لله.. والفاتحة على من لم يتعلم كل هذه السنوات. =*= لا تختلف ثقافتنا فى كرة القدم عن ثقافتنا فى الحياة العامة.. فهذا الذى يشجع فريقه.. يمارس طقوسا، ويتنبى أفكارا، ويتخذ مواقف، ويمتلك قناعات، واتجاهات.. تمثل جزءًا من تكوينه، وتعكس شخصيته بشكل عام، وليس خافيا على أحد أن أغلب الناس فى ساحة الكرة، لا يتقبلون الخسارة، ولا يعترفون بأن فريقهم خسر لأنه لم يكن يستحق، أو لأن مدربه لم يكن موفقا فى اختيار التشكيلة المناسبة، أو أن هذا النجم أو ذاك داوم على إضاعة الفرص أمام المرمى، وكان الأحرى أن ينصب كل اللوم عليه.. وما يحدث بالفعل، هو أن السبب الذى يقف وراء الخسارة فى مصر فى الغالب هو الحكم، الذى لم يكن موفقا فى قراراته، أو لأنه انحاز لمصلحة المنافس، أو لأن أرضية الملعب كانت سيئة، أو لأن الجمهور المنافس مارس ضغوطا على اللاعبين.. فأفقدهم تركيزهم، ويبقى الأهم فوق كل هذا وذاك، رفض فكرة تقبل الخسارة، وهى الأكثر تعبيرا عن انتشار ثقافة سلبية، لا يمكن أن تسمح للمجتمع بالنظر إلى الأشياء نظرة صحيحة، وواقعية، وموضوعية، وهو أمر يكاد هو الذى يفصل بين المجتمعات المتقدمة، والبلاد المتخلفة، التى ترفض التعامل مع المواقف بعقل مفتوح، وإدراك عميق، وفهم صحيح.. وربما أن هذا الشىء هو الذى تبذل فيه الدول أشد الجهد، حتى تربى شعوبها على ممارسته، ليس فقط من أجل أن يكونوا أفضل حالا عندما يشجعون فرقهم، ولكن لكى يمارسوا أيضا ما هو أهم، وهو الديمقراطية، باعتبار أن نفس المفردات الثقافية، التى تحكم المشجع فى كرة القدم، هى نفسها التى يمارسها كمواطن فى المجتمع، فعندما يخسر مرشح يناصره شخص ما.. عليه أن يحكم على ما جرى بمعايير موضوعية، ولا يبحث عن المبررات البالية، التى غالبا ما يتبناها دوما فى كرة القدم، ومنها على سبيل المثال الحكم، وفى الانتخابات.. التزوير، خاصة لو لم يكن موجودا.. ثم يأتى الجانب الأكثر أهمية، وهو قبول الخسارة.. فعندما يعتاد ممارستها مع فريقه، فمن المؤكد أنه سيفعلها عندما يخسر مرشحه.. وقد قلت فى حالتنا المصرية، التى نعيشها هذه الأيام.. إن الفرحة الحقيقية ليست فى إجراء الانتخابات الرئاسية، إنما فى قوبل ما تقوله الصناديق, وقتها من حقنا أن نكون أسعد الناس بأنفسنا، لأننا ساعتها سنكون قد تجاوزنا واحدة من ملامح التخلف.. باعتبار أن الديمقراطية ليست فى إجراء الانتخابات، ولكن بعد أن تتم هذه الانتخابات.. والبقاء لله للمرة الثالثة.