منذ أيام قليلة قرأت تصريحًا للدكتور أحمد البرعى وزير التضامن الاجتماعى بشأن تحويل بنك ناصر الاجتماعى إلى مؤسسة أشبه ببنك للفقراء، الخبر لم يشمل تفاصيل توضح كيف سيتحول بنك ناصر ليكون بنكًا للفقراء، علمًا بأن بنك ناصر الاجتماعى هو أصلًا مؤسسة تعمل من أجل الفقراء ومحدودى الدخل منذ تأسيسه بالقانون رقم 66 لسنة 1971 كهيئة عامة باسم «بنك ناصر الاجتماعى». وكان الهدف الرئيسى من إنشاء البنك هو المساهمة فى توسيع قاعدة التكافل الاجتماعى بين المواطنين، من خلال تنظيم جمع أموال الزكاة وصرفها فى مصارفها الشرعية، ومنح قروض اجتماعية للمواطنين ومنح إعانات ومساعدات للمستحقين لها. وكى يقوم البنك بدوره على الوجه الأكمل سواء الحالى أو المستقبلى يجب أولًا وقبل أى شىء أن يتخلص من الروتين الشديد وتعقيد الإجراءات، وأن تتحسن المعاملة التى يشكو ويعانى منها المتعاملون مع البنك.. وثانيًا لابد من دعم رأسمال البنك، وإعلاء الشفافية فى الإعلان عن موارد البنك وأوجه الإنفاق، حتى يمكن تحديد الدور الحقيقى الذى يستطيع البنك القيام به، ودعم هذا الدور لصالح الفقراء ومحدودى الدخل. ويعتمد البنك فى تمويل نشاطه الاجتماعى على تخصيص جزء من أرباح النشاط المصرفى، علاوة على أموال الزكاة والتبرعات. ولكن هل يعقل أن تكون موازنة بنك ناصر الاجتماعى للعام الحالى 16.8 مليار جنيه، وأن يتم تخصيص 30 مليون جنيه فقط مساعدات للمواطنين؟ وهل يعقل أن يخصص مبلغ 120 مليون جنيه فقط للقروض الحسنة؟ ذلك فى الوقت الذى ارتفع فيه صافى أرباح البنك إلى 625.6 مليون جنيه خلال العام المالى المنتهى فى 30 يونيو 2013. أى أن المساعدات التى قدمها البنك فى عام لا تصل إلى 5% من أرباحه! وفى نفس الوقت يتم تخصيص 110 ملايين جنيه للاستخدامات الاستثمارية لاستكمال الخطة الموضوعة لتطوير مبانى البنك وشراء فروع جديدة وتجهيزها، واستكمال تطوير الحاسب الآلى المركزى. وبالطبع فهذا المبلغ يبلغ تقريبًا أربعة أضعاف مبلغ المساعدات التى قدمها البنك للمحتاجين خلال العام الماضى. هذه الأرقام بالطبع تجعل بنك ناصر يجنح نحو النشاط المصرفى وبخاصة تركيزه على نشاط بيع السيارات بالتقسيط، وهو النشاط الذى يدر عليه معظم أرباحه، ويبتعد عن دوره الأصلى الذى أنشئ من أجله وهو تنمية الأسرة المصرية عن طريق تمكينها من العمل، بمنح القروض الحسنة للمواطنين الذين ليس لهم دخل ويرغبون فى الحصول على رأسمال يبدأون به مشروعات صغيرة يتعيشون منها. ملاحظة أخرى هى أن القروض الحسنة حدها الأقصى 5000 جنيه، ومع معدلات التضخم يصبح هذا المبلغ غير كاف لبدء أى مشروع حتى ولو كان متناهى الصغر.. فيجب رفع هذا المبلغ ليتناسب مع الهدف المحدد من أجله. فالتمويل متناهى الصغر أصبح أداة قوية للتخفيف من حدة الفقر ورفع مستوى المعيشة وخلق فرص العمل، فينتقل الفقراء مع التمويل الأصغر من خانة العوز إلى البدء فى الإدخار. ومسألة إيجاد وتنمية مصادر جديدة للدخل للفقراء ومحدودى الدخل أصبحت مسألة أمن قومى بالنسبة لمصر، فكلنا نعلم أن «كرتونة» الزيت والسكر دفعت بعض الفقراء للمتاجرة بأنفسهم، ودفعت بعضهم ليكون مأجورًا لصالح جماعة تسلب إرادته وتسخره لتنفيذ مصالحها وأهدافها، ووجدت الجماعات الإرهابية فى هؤلاء هدفًا سهلًا تشتريه بالمال أو بالطعام ليحقق لها مصالحها. لقد أصبحت إعادة هيكلة بنك ناصر الاجتماعى ليصبح بحق بنكًا للفقراء مسألة على أعلى قدر من الأهمية، أما إذا كانت الدولة غير جادة فى هذا التوجه، فلتفتح الباب أمام إنشاء بنك أو أكثر للفقراء ليكافح الفقر، وقد حققت هذه البنوك نجاحًا فى عدة دول عربية هى الأردن وسوريا واليمن والبحرين.. ويكفى أن نذكر أن نسبة سداد المقترضين من بنوك الفقراء تتجاوز ال 90% وهى نسبة تتجاوز كل البنوك التقليدية. وأخيرًا أكرر أن الفقر فى مصر تحول إلى مسألة تمس الأمن القومى، وإعادة هيكلة بنك ناصر ليصبح بنكًا للفقراء هو أحد أسلحة الدولة فى مكافحة الفقر والحفاظ على الأمن القومى.