فلسفة شيطانية..جع لت من المالك سيدا للموقف.. وجعلت من عقود الايجار شيئا يشبه عقود الاذعان التي تتوقف علي مشيئة المالك.. ونسفت فكرة الاستقرار واحلت محلها فكرة التشرد والقلق والقبول بالامر الواقع!! تمنيت دائما ان تأخذ قضية البيت مزيدا من الاهتمام من جانب الزملاء الاعلاميين، ومن جانب نوابنا البرلمانيين اضافة طبعا الي حضرات السادة المسئولين.. وليست مصادفة ان يكون حق البيت- او المسكن- هو من بين اهم الحقوق التي تحرص علي تقريرها كل دساتير العالم المتحضر.. ولا هي مصادفة ايضا ان يكون حق البيت او المسكن في طليعة ما صار معروفا باسم حقوق الانسان.. فليس ثمة من بديل للبيت سوي التشرد، وفارق كبير بين ان يكون المواطن مالكا لبيته ومسكنه، وبين ان يكون مشردا.. انه نفس الفارق بين الشعوب الامنة المستقرة.. وبين جماعات المشردين.. حتي لو امكنهم ان يصنعوا شعبا.. بل وحتي لو اطلق علي مثل هذا الشعب المشرد، اسم دولة.. فليس اكثر هزلا في هذا العالم.. من وجود حكومة.. تحكم جماعات من المتشردين.. او المشردين! -2- انني ارجو ان اكون مخطئا، اذا قلت بان سياسات الاسكان في بلدنا، هي سياسات غير مانحة للبيت بالنسبة للسواد الاعظم من ابناء هذا الشعب.. لان هذا الادعاء اذا صح فانه يعني ان سياسات الاسكان في بلادنا، هي سياسات صانعة للتشرد.. فليس من بديل للبيت والمسكن علي غرار ما اسلفنا سوي هذا الشترد.. الذي يحتاج الي وقفة مجتمعية شاملة تتجلي في المواقف الاعلامية والبرلمانية اذا بدا انه من صنع وزير او وزارة او حكومة.. لان الحكومات لم توجد الا من اجل توفير الحلول اللازمة لمشكلات الناس في حياتهم الانية، فضلا عن بذل اقصي الجهد لتحقيق طموحاتهم وامنياتهم المستقبلية! -3- لحسن الحظ الدولة المصرية ادركت مدي اهمية هذه القضية، قضية البيت.. وكان من نتيجة هذا الادراك الحميد- والمشكور- ان لدينا وزارتين.. احداهما للسكان.. والاخري للاسكان.. لكن المتأمل والمتابع، لواقع الحياة في مصر وتطور الاوضاع الانسانية والاجتماعية، والمجتمعية فيها،.. لا شك يشعر بالصدمة، والدوار، وهو يتطلع الي الطريقة التي نتعامل بها مع قضية البيت وحق السكن في المجتمع المصري.. او من جانب الحكومة المصرية.. وخصوصا الوزارات المعنية، بمثل هذه القضية الجوهرية! -4- ولتوضيح كيفية تعاملنا مع هذه القضية الجوهرية التي تمثل احد حقوق الانسان الاساسية فانني استأذنكم في النظر الي الفلسفة التشريعية التي تعاملنا بها مع قضية البيت، الذي هو المرادف لمعني الاستقرار والشعور بالامان بمثل ما انه القاعدة التي ينطلق منها الانسان نحو المستقبل وهو موفور الحماية والاستقرار والامان.. فقبل سنوات مضت اثيرت ضجة مفتعلة يتبين الان كم كان ظاهرها الانسانية والرحمة، وكم كان باطنها الجشع والانانية وروح الانتقام.. وقتها تحدث الكثيرون من الاعلاميين والبرلمانيين عن الغبن، والظلم الواقع علي الملاك من اصحاب العقارات، والقديمة منها علي وجه الخصوص، وكيف ان الارتفاعات المتتالية في الاسعار وتكاليف الحياة، جعلت من هذه الايجارات القديمة اضحوكة بما تكشف عنه من ظلم علي طبقة الملاك، وشريحة المؤجرين.. وبينما كان باستطاعة البرلمان ان يجري تعديلا بسيطا في القانون يحقق العدالة بين الطرفين المؤجر، والمستأجر، سواء بوضع قواعد جديدة لتحديد قيمة الايجار، او بوضع نسب شهرية او سنوية لتحقيق العدالة بين الطرفين. بدلا من التفكير بمثل هذه الطريقة البسيطة التي تحافظ علي استقرار السكان وتعطي للملاك حقوقهم العادلة في نفس الوقت.. حدث شيء اخر.. اشبه بالكارثة الرهيبة التي تدفع الاجيال الجديدة ثمنها تشردا وقلقا وضياعا.. فقد نُسِفت قاعدة الاستقرار في السكن.. واصبحت العقود الجديدة عقودا محددة المدة.. وبانتهاء المدة يكون امام المستأجر احد خيارات ثلاثة.. اما الرضا بالقيمة الايجارية الجديدة التي يقررها المالك بمشيئة منفردة- ودون مراعاة لنسبة زيادة الاجور- واما ان يطرد في الشارع هو واسرته واما ان يعثر علي مسكن بديل في حدود قدرته واستطاعته.. فلسفة شيطانية..جعلت من المالك سيدا للموقف.. وجعلت من عقود الايجار شيئا يشبه عقود الاذعان التي تتوقف علي مشيئة المالك.. ونسفت فكرة الاستقرار واحلت محلها فكرة التشرد والقلق والقبول بالامر الواقع!! -5- وربما كانت مثل هذه الفلسفة التشريعية تغدو مقبولة في حالة ما اذا كانت السياسات الحكومية نابعة من الاحترام الواجب للحقوق التي يقررها الدستور.. او من الشعور بان المواطن هو سيد الحكومة باعتباره صاحب الصوت الانتخابي وليست الحكومة هي سيدة كل المواطنين باعتبارها من يتحكم في نتائج الانتخابات. -6- فقد كان مقتضي هذه الفلسفة التشريعية الصانعة للتشرد والقلق ان تقوم الحكومة بتوفير المساحات اللازمة للاسر الجديدة والقديمة لبناء البيت والمسكن اذا رغبت هذه الاسر في ان تقوم هي بعملية البناء.. فضلا عن واجب الحكومة في تقديم الدعم الواجب لممارسة هذا الحق الاساسي من حقوق الانسان التي يقررها الدستور.. كذلك كان من واجب الحكومة، عبر وزارتي السكان والاسكان، ان تقوم بتوفير الوحدات السكنية التي تفي باحتياجات الشباب بالاسعار التي تتناسب مع الرواتب التي تدفعها الحكومة- او القطاع الخاص- وبانظمة التقسيط التي تمكن هذه الاجيال الشابة من الاعتماد علي عملها وجهدها بدلا من مواصلة الاعتماد علي الاسرة او بيع الممتلكات العائلية او الانحراف في مواجهة الانحراف.. -7- لكن الصورة تكتمل بل وتتضح النوايا، حين يجمع الانسان بين الفلسفة التشريعية وبين السياسات الحكومية التي سعت- عبر وزارة الاسكان- الي حرمان المواطنين- اصحاب السيادة والارض- مقابل المضاربة بالارض.. والارتفاعات المستمرة في اسعارها.. والدفع بها صوب الشركات الخاصة التي نشطت في بناء المساكن المليونية الجديدة وكأن هذه الوحدات السكنية المليونية قد انشئت لشعب آخر، واسع الثراء، ولديه القدرة علي الشراء.. وسط هذه الاجواء.. تراكمت اعداد المساكن الفاخرة التي لاتجد من يقوي علي شرائها.. بينما لا اثر للمساكن الشعبية.. وحتي المساكن التي قيل انها اقتصادية سرعان ما تبين انها تتسم بالممارسات الاحتكارية وان تكاليفها اقل من نصف الثمن المطلوب فيها ناهيك عن ان الارض هي ملك للشعب وان المرافق تم انشاؤها علي حساب دافع الضرائب.. -8- نحن في مصر اصبحنا امام مشهد سيريالي في حقيقة الامر.. عشوائيات اقامها الناس كبديل عن غياب الحكومة وفساد التشريع.. بل واصبحت هذه العشوائيات هي السمة السائدة للاسكان الشعبي الحديث في مصر.. مقابل ملايين الوحدات السكنية المليونية التي لا يسكنها احد ولا يقوي علي شرائها عامة الناس وتركز فيها جهد الحكومة ووزارة الاسكان.. ونتج عن ذلك ملايين المشردين من الذين يعيشون قلق العلاقات الايجارية الجديدة ويعانون الخشية من المستقبل.. والبحث عن البديل! -9- في غمرة هذه الاجواء السيريالية يتوجب علي اعلام هذا البلد وبرلمانه ان يسأل هذه الحكومة ووزراءها.. هل يقبل السيد الوزير بعنوسة ابنه او ابنته.. هل يقبل بان يسكن هو واسرته في ظل عقد محدد المدة.. هل يقبل بحرمانه من قطعة الارض التي تلزمه لبناء المسكن اللازم لاسرته.. هل يستطيع- وهو وزير- ان يشتري احدي الوحدات السكنية التي تبنيها الوزارة او شركات القطاع الخاص.. -10- تفاقم مشكلة العنوسة.. وتجاهل توفير الحلول العاجلة لها من قبل الحكومة- وبسرعة- لا يعني فقط انهيار الاخلاق والقيم والروابط الانسانية والاجتماعية والاسرية- لكنه يعني ان الحكومة المصرية سوف تصبح حاكمة لشعب من المشردين.. أو المتشردين.. حتي لو كان بعض اعضاء هذه الحكومة المصرية من اصحاب المليارات او من انصار اصحاب الملايين!!