للخروج من هذا النفق المظلم لابد للتليفزيون المصري أن يري في نفسه "تليفزيون الشعب"، بحيث يصبح من حق الشعب أن يعرف السلبيات قبل الإيجابيات، وأن يجد نفسه في كل البرامج التي تقدم علي الشاشة.. وفي كل السياسات التي تحكم تلك البرامج. ما هو سر غياب البرامج الجادة عن الغالبية العظمي.. مما يذاع علي التليفزيون المصري والذي حمل لسنوات عديدة "راية الريادة" في كل الوطن العربي والعالم الثالث كله. فبدلاً من إنشاء قناة للطرب الأصيل ونحن نملك حصرياً كل أصوله بعنا التراث الغنائي العظيم للقنوات العربية بطريقة "اللوط".. وبعد أن انكشفت الفضيحة تطايرت الاتهامات في كل اتجاه.. وبدلاً من إنشاء قناة حقيقية للسينما بعنا كل تراث السينما المصرية للقنوات العربية.. وبدلاً من إنشاء قناة دينية تقدم للأمة الإسلامية كلها وسطية الأزهر واستنارته تركنا القنوات الدينية تتكاثر بشكل سرطاني وتعاملنا معها من منطلق الربح والخسارة فتركناها ترتع في الفضاء طالما أنها تدفع الإيجار لشركة "النايل سات".. وفجأة اكتشفنا خطورة الخطاب الطائفي المتعصب الذي كتبته هذه القنوات.. فأصابتنا حمي الغلق والمنع.. لنحمل أوزار المنح والمنع.. وبدلاً من صرف ملايين الملايين علي إنشاء قناة إخبارية تفتقد إلي الآليات الحقيقية للقنوات الاخبارية.. رحنا نهاجم قناة الجزيرة أحياناً بالحق وأحياناً بالباطل.. وفي كل الأحوال فهناك سياسة "الترهيب والترغيب" خاصة أن كل أصحاب القنوات الخاصة من رجال الأعمال الذين يرتبطون بعلاقات مصالح قوية مع النظام.. وقد عملت الحكومة في الفترة الأخيرة علي التضييق من المنبع.. حيث تلزم كل من يرغب في إنشاء قناة فضائية جديدة علي التوقيع علي إقرار مكتوب علي ورقة بيضاء ولا تحمل أي شعار لأية جهة ويقول الإقرار بالنص "نقر نحن السادة مؤسسو قناة..... والتي ترغب في العمل بنظام المناطق الحرة العامة الإعلامية باحترام ميثاق الشرف الإعلامي العربي.. وبالالتزام بعدم بث قنوات ذات صفة دينية أو طائفية أو حزبية أو تدعو للجنس أو العنف.. والالتزام بضوابط ومبادئ العمل بالمنطقة الحرة العامة الإعلامية.. وكذا الالتزام بما ورد فقط بالوصف التفصيلي للبرامج التي سيتم تقديمها والسابق الحصول علي موافقة مجلس إدارة المنطقة الحرة العامة الإعلامية عليه". ويمثل الجزء الأخير من هذا الإقرار فخاً شديد الخطورة حيث يحول تلك القنوات الفضائية إلي قوالب ثابتة لا تقدم إلا ما سبق أن حصلت علي موافقة بتقديمه.. تلك الموافقة التي تمنح للوصف التفصيلي للبرامج.. ومثل هذا الإقرار يمثل ردة عنيفة عن كل قواعد الحرية والسماوات المفتوحة. وللخروج من هذا النفق المظلم لابد للتليفزيون المصري أن يري في نفسه "تليفزيون الشعب"، بحيث يصبح من حق الشعب أن يعرف السلبيات قبل الإيجابيات، وأن يجد نفسه في كل البرامج التي تقدم علي الشاشة.. وفي كل السياسات التي تحكم تلك البرامج. أما الأكثر إيلاماً، فإن التليفزيون المصري بدلاً من أن يكون "النموذج" الذي يحتذي فإنه أصبح للأسف يلهث في كثير من الأحيان خلف تقليد "الجانب السييء" في القنوات الخاصة ليقدم هو الآخر برامج الطبيخ وكرة القدم والفيديو كليب والمنوعات. لقد فات القائمون علي أمر التليفزيون الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من الاتصال التليفزيوني الذي أجراه الرئيس مبارك مع اللواء محمد حسن الصول بعد استضافته في برنامج صباح الخير يا مصر. وقبل ذلك اتصل الرئيس بالمذيعة مني الحسين مرتين ليثني علي برنامجها "نأسف للإزعاج" في قناة دريم وتلك الاتصالات كان يجب التعامل معها من قبل القائمين علي التليفزيون علي أنها "توجيه رئاسي" بضرورة وجود هذه النوعية من البرامج علي شاشة القنوات المصرية.. فأين البرامج التي تقدم البطولات المصرية والأبطال المصريين، خاصة حرب أكتوبر.. وأين البرامج التي تتسم بالشجاعة والجرأة في النقد من خلال الحوار الجاد والحرفية الإعلامية. لقد ارتكن القائمون علي أمر التليفزيون المصري سنوات طويلة جداً علي "الريادة".. رغم أن هذه الريادة كان لابد وأن تكون حافزاً دائماً للجد والاجتهاد والتطوير وامتلاك آليات المنافسة ليظل التليفزيون المصري رائداً. [email protected]