اذا كان اسطول الحرية وريتشل كوري من بعده قد فشلا في كسر الحصار الذي تفرضه اسرائيل علي 5.1 مليون فلسطيني يعيشون في غزة، الا انه يحسب لهما كسر الذرائع والمبررات التي تتعلل بها اسرائيل لممارسة العقاب الجماعي ضد فلسطينيي غزة عقابا لهم علي التصويت لحركة حماس في الانتخابات التشريعية في فبراير 2006.. فسفن الاغاثة التي انهت اسرائيل رحلتها الانسانية بصورة دموية احدثت ما يشبه القاء حجر كبير في بحيرة السياسة الاسرائيلية الامنة وجعلتها محلا لجدل ونقاش حول العالم.. حيث انقسم العالم الي فريقين اولهما ويمثل الاغلبية الساحقة بات معارضا بشدة لاستمرار محاصرة غزة ويدعو الي وسيلة لانهاء الحصار الظالم او تخفيفه في الحد الادني من خلال اقتراح آليات جديدة مثل تفتيش سفن دولية لقوافل الاغاثة التي تأتي الي غزة للتأكد من انها لا تحمل سلاحا كما تزعم اسرائيل. وثانيهما تمثله اسرائيل والموالون لها ويرون ان الحصار لا يزال يحتفظ بوجاهته طالما اصرت حركة حماس التي تسيطر علي غزة علي رفض شروط اللجنة الرباعية الدولية. بشكل عام فإن مجزرة اسطول الحرية اثبتت علي نحو قاطع فشل سياسات الدولة العبرية من الحصار الي الجدار.. فلا الجدار العنصري الاسرائيلي الذي قضت محكمة لاهاي بعدم شرعيته يشكل حلا للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي ولا حصار غزة يصلح لعزل واحتواء حركة حماس.. لان جوهر الصراع قائم علي احتلال اسرائيل لاراضي الفلسطينيين بالقوة المسلحة.. كما ان حماس ليست منظمة ارهابية مثلما تزعم اسرائيل ومعها الغرب والولاياتالمتحدة بقدر ما هي حركة تحرر وطني وابنة شرعية للاحتلال وبالتالي فإن محاولات عزلها او الاطاحة بها ستظل محكوما عليها بالفشل سواء بواسطة الحصار او الجدار. والذي لم يتوقعه قادة اسرائيل الذين اعطوا الاوامر بالهجوم علي اسطول الحرية تلك الموجة العالمية من السخط والغضب علي ممارسات اسرائيل ضد الفلسطينيين وهو ما جعل اسرائيل تفقد اوراقا مهمة في عدوانها علي حقوق الفلسطينيين بداية من تركيا اردوغان وليس انتهاء بادارة الرئيس باراك اوباما الذي بات اكثر اقتناعا بان الحصار علي غزة لم يعد مقبولا ولن يدوم الي الابد. اكثر من هذا ذهبت صحيفة ذي اوبزرفر البريطانية الي ان حصار غزة بات يطوق عنق اسرائيل وافضي الي نتائج عكسية مشيرة الي ان المأزق الذي تواجهه اسرائيل يكمن في المعني الذي ينطوي عليه رفع الحصار بما في ذلك من اتباع نهج اكثر انسانية مع قاطني غزة والسماح لهم بحرية السفر والتنقل والبضائع بحيث لا يتحول القطاع الي سجن كبير. وخلصت الصحيفة الي القول ان هناك اجماعا دوليا في اعقاب مجزرة اسطول الحرية علي ان الحصار لن يدوم لاسباب اخلاقية وعملية.. فلا يعقل ان يستمر العقاب الجماعي لاهل غزة لمجرد انهم صوتوا لصالح حماس في انتخابات 2006 فهذا الي جانب انه امر بغيض فهو ايضا استبدادي ووحشي.. ومن الناحية العملية فلا يتوقع ان يؤدي الحصار المضروب علي غزة منذ ثلاث سنوات الي تقويض حكم حماس.. بل علي العكس فانه يدفع الفلسطينيين للالتفاف حولها. والمؤسف ان اسرائيل وقادتها تبدو عاجزة عن استيعاب درس التاريخ فقد فرضت الولاياتالمتحدة حصارا علي كوبا منذ اكثر من 40 عاما لكنه لم يؤت اكله ولم يتسبب في انهيار حكم الزعيم فيدل كاسترو وشقيقه راءول من بعده. وكما تقول الصحيفة البريطانية فقد ارتد الحصار علي اسرائيل ، حيث افسد ثقافتها السياسية وجعلها اسيرة للنزعة العسكرية فضلا عن انه اضر بعلاقاتها الدبلوماسية مع الحلفاء وتحديدا تركيا وكذلك الولاياتالمتحدة التي طالبت بوضع حد للحصار. ان الحصار الذي تفرضه اسرائيل علي غزة وبات في صلب الجدل الدائر حاليا في انحاء المعمورة منذ جريمة اسطول الحرية يستنسخ اسوأ التجارب البشرية في زمن السلم والحرب.. ففي الحرب العالمية الثانية فرض هتلر حصارا عسكريا علي مدينة ليننجراد الروسية دام 455 يوما وتحديدا خلال الفترة من سبتمبر 1941 وحتي 28 يناير 1943 لكنه سقط في النهاية تحت اقدام الجيش الاحمر.. وكان ذلك بداية النهاية لهزيمة دول المحور وانتصار الحلفاء في ابشع الحروب التي شهدها العالم واكتوت بنيرانها البشرية. وعلي الصعيد العربي تعرضت ليبيا لحصار ظالم من الغرب طوال 20 عاما خلال الفترة من 1970- 1990 بسبب سياساتها المناوئة للغرب ودعمها للقضية الفلسطينية وسبقت ذرائع عديدة لمحاصرة ليبيا في مقدمتها تدريب الفدائيين الفلسطينيين والجيش الجمهوري الايرلندي ومنظمة ايتا الاسبانية الانفصالية وكذلك المتمردين الاسلاميين في الفلبين.. ولم يكتف الغرب بالحصار لمعاقبة ليبيا بل اقدم الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان علي شن ضربات جوية وصاروخية عليها عام 1986.. ولم ترفع العقوبات الامريكية عنها الا مؤخرا وتحديدا مع تخلي العقيد معمر القذافي طواعية عام 2004 عن برنامجه للتسلح النووي. وكان العراق اكثر الدول العربية الذي تعرض لبشاعة الحصار منذ تورطه في غزو الكويت حيث فرض علي عراق صدام حسين حصارا دام 13 عاما تسبب في قتل نحو مليون طفل عراقي وحرمان الاطفال والنساء والشيوخ من الحليب والدواء.. كما اضر بعمليات الصيانة للمعدات العسكرية وهو ما سهل من مهمة الغزو الامريكي في مارس 2003 واعتقد انه لولا حصار ال13 عاما لما كان احتلال العراق وسقوط بغداد بهذه السهولة ناهيك عن فشل العقوبات التي تفرضها واشنطن علي ايران منذ عام 1979. ومن المؤكد ان حصار غزة ليس استثناء خاصة في ظل التسريبات الاعلامية التي تتحدث عن اجراء ادارة اوباما اتصالات سرية مع قيادات حركة حماس.. وفي ظل تصريحات رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل التي قال فيها انه لا توجد مشكلات للحركة مع الولاياتالمتحدة وانه كل ما في الامر ان حماس لا ترضي عن الانحياز الامريكي الصارخ لاسرائيل. في السياق ذاته تعهد رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان بألا يعطي ظهره للفلسطينيين في غزة وهدد بأن يقود بنفسه سفنا لكسر الحصار وهو ما تراجع عنه مسئول في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم فيما بعد.. كما تراجعت تركيا عن توفير الحماية لسفن كسر الحصار.. وهو الخيط الذي التقطته ايران حيث عرضت ان ترافق قوات النخبة في الحرس الثوري الايراني سفن الاغاثة لغزة وهو ما يشكل استفزازا لاسرائيل ويعجل بالمواجهة العسكرية المؤجلة بين الخصمين علي خلفية البرنامج النووي الايراني الذي تعهدت اسرائيل بوقفه بكل السبل بما في ذلك العمل العسكري. والسؤال الذي يطرح نفسه الان.. لا يتعلق ببقاء الحصار من عدمه لكن بتوقيت رفع الحصار وطريقة الاخراج للحفاظ علي صورة اسرائيل وحتي لا تبدو في صورة المنهزم امام حركة حماس. ومع التسليم بأهمية رفع الحصار عن غزة بغض النظر عن الآليات وطريقة الاخراج فالامر المؤكد ان رفع الحصار ينبغي ان يكون خطوة علي طريق توحيد الصف الفلسطيني واعادة اللحمة بين قطاع غزة والضفة الغربية لأن اسرائيل تظل هي المستفيد الاكبر من الانقسام الفلسطيني المستمر منذ 2007.. فأخطر ما يهدد القضية الفلسطينية ان يتم تسطيحها او اختزالها في توفير الغذاء والدواء فهذا استخفاف بدماء الشهداء والتضحيات التي قدمها الفلسطينيون علي مدار 62 عاما من اجل حقهم المشروع في اقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف. تري هل يكون رفع الحصار خطوة باتجاه اقامة الدولة ام بداية لتكريس الانقسام بين الضفة وغزة حتي اشعار اخر؟! عزت العفيفي