أعرفه منذ أكثر من ربع قرن وكان وقتها ضابط شرطة في مباحث أمن الدولة، وكان لابد لي أن أبدأ خطوتي الأولي كمراسل لجريدة السياسة الكويتية ومديرا لمكتبها بالمرور علي الضابط المسئول عن الإعلام في الجهاز كإجراء أمني قبل اعتمادي في هيئة الاستعلامات.. ولا أعرف ما الذي ربطني بهذا الشاب المتواضع الودود الذي لم يسألني خلال جلسة امتدت أكثر من ساعة سؤالا شرطيا واحدا، بل وضعنا سويا معاهدة غير مكتوبة لإرساء قاعدة صداقة استراتيجية امتدت علي مدي سنوات طويلة وتعمقت علي الصعيدين الشخصي والعائلي. وأذكر أن الرائد حمدي عبدالكريم وقتها اتصل بي بعد شهور قليلة من لقائنا الأول يطلب مني خدمة تلخصت في رغبته في تعيين محرر بمكتب جريدة السياسة بالقاهرة، وعندما طال صمتي في الرد عليه قال إنها مجرد خدمة لك أن تقبلها أو ترفضها دون أي حرج وكانت سمعة هذا الشخص للأسف ليست فوق الشبهات فقد سبق ملاحقته لانتمائه لأحد التيارات السياسية، وعندما لاحظ حمدي ترددي بادرني قائلا إنه لبط ومشاغب وابن... لكن الولد قرر أن يستقيم وأن يرمي الماضي وراء ظهره، فلماذا لا نساعده.. ضحكت قائلا: تساعده أم تزرعه في مكتبي.. قوللي بصراحة..؟ قال ضاحكا هو أيضا: أبدا والله بس أنا عندي نظرية أن العيال دي مغرر بهم وأنهم متي وجدوا طريقا سويا ومصدر رزق حلالا فربما عادوا إلي صوابهم.. واستطرد قائلا: علي كل حال علي كيفك، دي مسألة ترجعلك.. ومضيت أفكر في الأمر بعمق وأسأل نفسي بإلحاح: ما الذي يدعو رجل أمن أن يحاول إصلاح حال شخص تحوم حوله الشبهات.. وفي تلك الفترة تعرفت علي الصديق العزيز اللواء مصطفي عبدالقادر فوجدت أن مدرسته هي نفس المدرسة التي ينتمي إليها حمدي عبدالكريم والتي تختلف في نهجها عن نهج شرطي آخر يرفع شعار العصا لمن عصا.. واعترف أن نظرتي وقتها لرجال الشرطة خاصة مباحث أمن الدولة كانت غير واضحة ويشوبها كثير من الحذر والحيطة، ولم أكن أتصور أن اثنين من رجالات الشرطة سوف يتحولان إلي صديقين حميمين وتتواصل صداقتي بهما طوال هذه السنوات وحتي اليوم.. ولم أكن أعلم بالطبع أن الشرطة لها قلب نابض ورحيم مثلما لمسته في هذين الصديقين. ولعل النقطة الفارقة في شخصية حمدي عبدالكريم هي حسه الإنساني الرفيع الذي يمارس به عمله الشرطي ويستطيع من خلاله أن يكتسب صداقة الجميع وودهم بل وثقتهم أيضا، وأن يحول الإعلام الشرطي الذي يقوده إلي منظومة متفاعلة بينه وبين رجال الإعلام الذين تحولوا بفعل أدائه إلي أصدقاء وألا يخشي أحدهم من أي حرج في التواجد في مكتب مدير الإعلام والعلاقات بوزارة الداخلية، وأن يكون تواجده كصديق له موضع أي حساسية.. فقد انتهج اللواء حمدي عبدالكريم أسلوبا مختلفا وإيجابيا في التعامل مع الإعلاميين بمختلف شرائحهم فاستفاد الطرفان.. الداخلية استفادت بوجود قنوات إعلامية تنقل وقائع الأحداث بعيدا عن المبالغة أو التشويش، والإعلاميون استفادوا بوجود مصدر مسئول يمكن الوصول إليه بسهولة ويتفهم طبيعة العمل الصحفي والإعلامي والرغبة الدائمة في معرفة أدق التفاصيل وتغطية الأحداث والحصول علي المعلومات وإن بدت حملة دون عناء خاصة أن حمدي عبدالكريم كثيرا ما يبادر بالاتصال بهم موضحا ومفسرا.. ولا يمكن أن نغفل الدور المحترم والفاعل الذي تقوم به إدارة الإعلام والعلاقات بوزارة الداخلية والتي يقودها اللواء حمدي عبدالكريم ومعه مجموعة متميزة من الضباط والمعاونين الذين يمثلون جيلا جديدا هم بمثابة لبنة في مسيرة العلاقات بين الإعلام والشرطة. لقد المحت علي هذه الكلمات عندما سافر الصديق حمدي عبدالكريم إلي باريس لإجراء بعض الفحوصات الطبية فأحس أصدقاؤه من أسرة الإعلام وأنا من بينهم بقلق فرحنا نتابعه تليفونيا حيث جاء صوته متفائلا يطمئن الجميع ويطمئن عليهم.. وما هي إلا أيام قليلة حتي عاد حمدي عبدالكريم إلينا يشيع بيننا مشاعر الأصالة والصداقة والتقدير، ولم يعط لنفسه فرصة للراحة بعد رحلة الفحوص الطبية وإنما سرعان ما عاد إلي مكتبه يمارس دوره العملي وتواصله الإنساني. يبقي أن أقول إن حمدي عبدالكريم قيمة إنسانية رفيعة قبل أن يكون ضابط شرطة كفء.. حمد الله ع السلامة.