حدث هذا في فيلم "عزبة آدم"، لكن الأمر لم يقتصر علي هذا فحسب، بعدما بدا وكأن السيناريو الذي كتبه محمد سليمان يتحدث عن حقبة تجاوزناها منذ زمن طويل، ولم يعد لها، ولا لقضاياها وجود في واقعنا الراهن؛فالفيلم، وياللعجب، يرصد ظاهرة توحش التيار الديني السلفي، وظاهرة توظيف الأموال، بواسطة هذا التيار، كما يتوقف عند العمليات الإرهابية التي دبرتها الجماعات التي تسترت وراء الدين الإسلامي، واستهدفت السائحين الأجانب، ويشير بأصابع الاتهام إلي الدول التي تساعد الإرهاب الديني (!) ولم ينس بالطبع ماقيل، يومها، عن تورط قيادات في الدولة مع تلك الجماعات، فقدم شخصية ضابط المباحث ماجد الكدواني الذي تواطأ وساعد علي تهريب المخدرات، وبيع الأسلحة لتلك الجماعات لكنه، وعلي الرغم من المدة الطويلة، لم يقدم الكاتب تحليلاً متعمقاً لأسباب ما جري، وسرعان ماعاد إلي سيرته الأولي، وراح يستعيد شخصية أحمد زكي في فيلم "زوجة رجل مهم"، الذي كتبه رءوف توفيق، فأحال الضابط إلي التفتيش القضائي بحجة الفساد فما كان منه، وقبل أن يجري التحقيق معه بالفعل، سوي أن انتحر بإطلاق الرصاص علي نفسه من مسدسه الميري، وهي النهاية نفسها، وياللمفارقة، التي أنهي بها أحمد زكي حياته أيضاً في الفيلم المذكور(!) أما العلاقة بين "عتريس" و"فؤادة" في فيلم "شيء من الخوف" فتكاد تستشمها، مع فارق الإبداع، في العلاقة التي قدمها الفيلم بين "الكبير" حامد فتحي عبد الوهاب والفتاة "مريم" دنيا سمير غانم التي رفضت الزواج منه، فتزوجها رغماً عن أنفها، وهو الذي كان يدعي أنه لن يتزوجها إلا بإرادتها، لكن يبدو أن كاتب السيناريو والحوار نسي أنه أورد حواراً بهذا المعني قبل مشهد واحد من الزواج الإجباري، وليست مصادفة بالطبع أن تنتهي حياة "الكبير" باحتراقه لكن علي يد أسيرته هذه المرة، وليس أهل القرية كما حدث مع "عتريس" في فيلم حسين كمال الشهير (!) ما الذي يعنيه هذا؟ وما الأسباب التي دعت إليه منذ المشاهد الأولي لفيلم "عزبة آدم" ترصد لوحة غريبة الشأن، والشكل، اختار لها المخرج محمود كامل أحد الأعمدة الخشبية في ديكور "العزبة"، وكتب عليها"عزبة آدم"، وكأنه يدرك مُبكراً أن ماسيقدمه لاحقاً غير قابل للتصديق، وهو ماحدث بالضبط في الفيلم الذي جاء مشوشاً بدرجة كبيرة، كما افتقد الصدق والتماسك واتسم بالزيف والتزييف والتصنع؛ فعلي الرغم من البداية الموحية، التي امتزجت فيها الميثولوجيا الأسطورة مع الواقع في محاولة لاستخلاص معادلة فنية وفكرية جديدة، إلا أن شيئاً من هذا لم يفلح في صنع فيلم جيد نظراً لافتقاد كاتب السيناريو للرؤية التي تعينه علي تحديد الهدف من الفيلم، والخلفية التي تجعل الشخصيات قابلة للتصديق أو التعاطف؛فأنت لا تدري إن كان "حامد" فتحي عبدالوهاب هو "روبن هود" الذي يسرق الأغنياء لحساب الفقراء أم هو مجرم بالسليقة وانتهازي ووصولي أم تراها الظروف هي التي قادته إلي مصيره؟ والحال نفسه ينطبق علي الرائد "سعد الجهيني" ماجد الكدواني الذي جاء إلي العزبة محملاً بأفكار غريبة عنه، واتسمت سلوكياته بعنف غير مبرر، وفي الوقت الذي بدا وكأن هناك ثأراً دفيناً بينه وبين "مصطفي" أحمد عزمي تحالف سريعاً مع الفاسد "حامد"، في إشارة إلي تواطؤ السلطة مع الفساد، ومادمنا أتينا علي سيرة "مصطفي" فالحالم بمستقبل علمي يغادر به العزبة، بناء علي نصيحة أستاذه فايق عزب يتورط بلا سبب منطقي في جريمتي سطو مسلح واقتحام منزل بهدف السرقة، وحتي عندما تم القبض عليه لم يدفع التهمة، ولديه أسبابه، وانساق لما خطط له "حامد" والضابط الفاسد، وكأنه طفل غرير أو "منوم مغناطيسياً" لكن سرعان مايتضح أن الكاتب تعمد هذا "اللامنطق" ليزج به في السجن، وهناك يلتقي رموز الجماعات الدينية المتطرفة، وزعيمهم الضرير محمد متولي (وكأنه الشيخ عمر عبدالرحمن!) ، التي تهيمن علي السجن، وتؤثر علي من فيه، بما يؤكد أن السجن تحول إلي مفرزة للإرهابيين. أما تحول القوادة "روحية" هالة فاخر إلي الشيخة "رحمة" فيحمل فجاجة لا تقل سخفاً عن القول أن "عزبة آدم" تعج بالعاهرات (دنيا سمير غانم ورفيقاتها) نتيجة الفقر والجوع والمرض بدرجة تفوق مايحدث في شارع جامعة الدول العربية (!) الحكمة بفعل الزمن، وسنوات الخبرة الطويلة، فإن استجابته لتهديد ووعيد ضابط المباحث والرحيل عن العزبة من دون تردد كان سقطة درامية من دون شك، فكيف تناسي روح الثورة والزعامة التي كانت تقوده إلي مجابهة كبير الصيادين ليدافع عن حقوقهم ؟ وهل اختفاؤه جاء لأسباب تتعلق بالسيناريو حقاً أم لأسباب أخري يعرفها المخرج محمود كامل، الذي بدا واضحاً أنه يبحث لنفسه عن أسلوب خاص يميزه؛فقد طرق في أفلامه الثلاثة السيكودراما كما في "ميكانو" و"أدرينالين" و"الواقعية" المستلهمة من "الميثولوجيا" في "عزبة آدم"، لكنه في حاجة ملحة لأن يدقق في اختيار "الورق" ولا يكتفي بأن يعبر عن نفسه كمخرج صاحب لغة سينمائية، وهو مايتميز فيه بالفعل بدليل توظيفه الجيد لعناصره الفنية مثل التصوير (هشام وديد سري) والمونتاج(عمرو عاصم) والديكور (كمال مجدي) باستثناء إعادة توظيف ديكور حمام التغسيل في فيلم "كباريه"، والذي صممه إسلام يوسف؛ فالكادر عند محمود كامل مرسوم بعناية، ويقول الكثير، وأحياناً يكمل المعني (كل مشاهد المواجهات بين الأطراف المتناقضة والمتصارعة: ياسين وعبدالوهاب - الكدواني وياسين- الكدواني وفتوح - عبدالوهاب وفتوح) والتلوين (محمد بكير) نجح في نقل الأحداث، والمتفرج، من حقبة زمنية سحيقة إلي أخري عصرية، لكن يبقي التحفظ علي التوظيف الغريب للإضاءة؛ والتي أضفت هالة نورانية علي أشخاص لا ينبغي أن يكونوا كذلك (محمد متولي في السجن بعكس ماحدث في مشهدي تخيل "مريم" لظهور حبيبها "مصطفي")، والفقر البصري والتطويل والتكرار في مشاهد مطاردة تجار المخدرات (السوبرمان ماجد الكدواني يواجههم منفرداً ودائماً هناك "الغدار" فتحي عبدالوهاب) بينما حالفه التوفيق في اختيار دنيا سمير غانم لتقوم بدور "الراوي" بصوتها الدافيء، وانفعالاتها الهادئة، ونجاحها في توصيل المعني المطلوب. بالإضافة إلي مشاكل سيناريو فيلم "عزبة آدم" تتجلي أزمة أخري للفيلم تتمثل في الأداء التمثيلي، الذي تسبب ضعف السيناريو، والرسم غير الدقيق لملامح كل شخصية، وافتقادها للخلفية العميقة التي تبرر سلوكياتها، في تراجعه بشكل كبير؛ فابتسامة فتحي عبدالوهاب، التي تظهر بشكل مجاني، وفي غير توقيتها، لم تجعل منه "شيطاناً ولا ثعباناً"، وطوال الوقت تتساءل عن دوافعه فلا تجد سوي أسباب واهية، وهو الوهن نفسه الذي أصاب أداء بقية الممثلين؛ فالشخصية الجديدة لماجد الكدواني ضاعت طزاجتها بسبب تناقضاتها، وهالة فاخر لم تقنع أحداً باختفائها المفاجيء وعودتها الصادمة، وجاء تحولها من "قوادة" إلي "شيخة" مُستفزاً، ولم يخدم القضية "القديمة" التي أرادها الفيلم، أما دنيا سمير غانم فعلي غير عادتها في أفلامها الأخيرة لم تنجح في إقناعنا بشخصية "مريم"، لأنها تعالت علي الشخصية وافتقدت الصدق الذي كان سمة لأدائها، ولم يضف أحمد عزمي جديداً، بل كان أقرب إلي أدائه في أفلام كثيرة سابقة من بينها "الأبواب المغلقة"، وجاءت لحظة اكتشافه حقيقة الجماعات المتطرفة، التي تعمل لحساب جهات خارجية مشبوهة، ليزيده بلبلة واضطراباً وتشوشاً وعدم منطقية؛ فهو نفسه الذي وظف أموال أهل العزبة لحساب الشيخة "رحمة"، وهو نفسه الذي تزوجها علي الرغم من الفارق العمري بينهما، والأهم إدراكه أنها في الأصل "قوادة" بكل مايعنيه هذا من تناقض صارخ! فيلم "عزبة آدم" جاء مُخيباً للآمال التي كانت معقودة عليه؛ فالإنتاج الذي كان سخياً، بدليل بناء ديكور "عزبة آدم" في الفيوم، ونجاحه في حشد كوكبة من الممثلين كلُ في دوره، لم يحقق الأثر الإيجابي المتوقع، لأن أحداً لم يفطن، فيما يبدو، أن "في الأصل كانت الكلمة"!