أول عقوبة إعدام في مصر كانت في عصابة "ريا وسكينة"، التي خطفت من أحياء الإسكندرية الأمن والأمان والسكينة، وأول إلغاء للسابقة الأولي في مصر كان بعد فيلم "جعلوني مجرماً"، وربما يشهد القرن الواحد والعشرون في مصر أول حالة لتطبيق دفع دية القتيل، في حالة لو انتصر حراس العقيدة الإسلامية علي حراس القانون الوضعي في دولة مدنية، أو ربما يشهد التاريخ بأن هشام طلعت مصطفي كان شارة البدء لاطلاق تفير الموقعة الكبري "بين القانون والشريعة الإسلامية، وليس مجالنا الآن موهبة التخمين، هل سوف تنتصر الشريعة الإسلامية أم القانون الوضعي الذي لا يأخذ بالدية؟ التشريع العقابي في الدول المدنية لم يولد انتقامياً، بل ولد اصلاحياً، لأن الانتقام سواء من الدولة أو الأفراد هو "شعور غبي" لا يفرق بين متهم وبريء، وتؤكد الفلسفية العقابية في كل التشريعات الجنائية ان "العقاب" في حد ذاته هو قصاص مجتمعي وليس حكومياً أو رسمياً، مستنداً علي مبدأ الردع العام"، الذي يتمثل في العبرة المجتمعية لكل من تسول له نفسه ايذاء مشاعر المجتمع، ثم "الردع الخاص" وهو ضرورة القصاص من الجاني لرد اعتبار الشعور العام واعتبارات المجني عليه المعنوية والمادية. بالرغم من رقي فلسفة العقاب في الدولة المدنية، فلا نستطيع إنكار أن الأصوات التي تطالب بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية قد تعالت بعد وصول الإسلاميين إلي البرلمان، وفي تصوري أن فقهاء القانون الجنائي في مصر بجوار فقهاء الشريعة الاسلامية لم يقدموا حتي الآن شيئاً ملموساً لحسم الصراع التقليدي بين القانون والشريعة الإسلامية منذ الحملة الفرنسية علي مصر، وقد ألقت المعركة الخفية بين القانون والشريعة بظلالها علي منظومة التدريس في الجامعات، لأن هذا علي حق، ويقول الآخر بل أنا علي حق وكانت النتيجة هي أن الطالب أصبح ليس فقيه المستقبل بل حاملاً لأعباء التلقين بين الشريعة والقانون، أليس هذا هو حال المادة الثانية من الدستور وسط ديباجه لا هي مدنية ولا هي إسلامية، وهنا يكمن جوهر المشكلة التي تفتح باب الاجتهادات، بدءا من الطالب في كليات الحقوق حتي النخبة من علماء القانون والشريعة، فقد حان الوقت لتعريف شكل الدولة، هل دولة مدنية أم دولة دينية؟ المادة الثانية من الدستور تنص علي أن الشريعة الإسلامية احد مصادر القانون الوضعي، عند هذا الحد فنحن دولة دينية، أما القانون الوضعي المكتوب فلا يعرف "الدية" ولا يأخذ بها، وعند هذا الحد أيضاً فنحن دولة مدنية، ذلك في الوقت الذي حسمت فيه دول العالم الشكل العام للدولة، حتي في تركيا بعد فوز حزب العدالة والتنمية فلم يتعمد الحزب الحاكم بأغلبية الأصوات في البرلمان الخلط الديني والمدني لتلوين وجه الدولة، فمازال "مصطفي كمال أتاتورك" أو "أبو الأتراك" تحنيط البرلمان بصورته خلف رئيس البرلمان في تركيا، يعني لا هي دولة مدنية ذات مرجعية دينية، ولا هي دولة مدنية محكومة بالتربية الإسلامية، فمازالت تركيا تحتفظ بعلمانيتها وسط احترام الحزب الحاكم والذي ينتمي لجذور إسلامية، لأن العقلاء يعلمون أن الإسلام وضع أصول الحكم أو الخطوط العريضة له ولم يتورط في اختيار الأسلوب، فلم يعرف الإسلام في تاريخه المزدهر بالحضارات ما يعرف بالدولة الدينية والمرجعيات العليا! ليس سرا أن أقول إن أساتذة القانون في الجامعات المصرية وأساتذة الشريعة والقانون في جامعة الأزهر كان بينهم ما صنع الحداد في الخلاف الفقهي، لأن الفصيل الديني يؤلف الكتب المقررة علي الطالب في مناخ أن القانون الوضعي مصدره الشريعة الإسلامية، أما الفصيل المدني فيعمل في مناخ الدولة المدنية والتي استحدث بعض تشريعاتها من القانون الفرنسي المستقر في فرنسا منذ قيام الثورة الفرنسية، وهذا افراز طبيعي للازدواجية الفقهية، فطالت هذه الازدواجية ذهنية الطالب، والذي كان حتماً عليه في امتحان القانون الجنائي أن يؤيد رأي واضع الأسئلة، وكان حتي عليه علي الجانب الآخر أن يؤيد رأي واضع الأسئلة في مادة الشريعة الإسلامية، وعذر الطالب هنا الذي لا نستطيع انكاره هو محاولة الافلات من الرسوب في المادة وبالتالي خروجه أو تخرجه في الجامعة سالماً وحاملاً لدرجة الليسانس في الشريعة والقانون! مازال التعليم يحمل وزر ازدواجية شكل الدولة، وهي الازدواجية التي باتت مرتعاً للبعض من أجل اللعب علي الحبل المدني أحياناً، فإن لم يجد فاللعب علي الحبل الديني أو الشريعة الإسلامية، بعد أن ظهر في الأفق الكلام عن "الدية" من أحد كبار المحامين في كتيبة الدفاع عن "هشام طلعت مصطفي" باعتبار أن "الدية" مستقرة في الشريعة الإسلامية يعني لا يجوز من وجهة نظر الدفاع الطعن عليها بعدم الدستورية لأن الشريعة الإسلامية احد مصادر القانون الوضعي، في نفس الوقت التي لم تشهد فيه احكام القضاء الأخذ بالدية ولو مرة واحدة علي سبيل السابقة القضائية التي يمكن تطبيقها علي حالات مماثلة فيما بعد، لأن السوابق القضائية كما هو معروف لها حجية وقوة القانون باعتبارها من الاجتهادات التي يمارسها القاضي بسلطاته التقديرية بعيداً عن جمود النص! ومن ثم فنحن لا نبالغ لو قلنا إن التعليم في مراحله العليا مازال يحمل في رقبته وزر هذه الازدواجية، فهل نلوم محامي "هشام طلعت مصطفي" علي انتقاله من الدفوع المدنية إلي الدفوع الشرعية المستمدة من الشريعة الإسلامية، أنا علي المستوي الشخصي لا أستطيع أن ألوم "بهاء الدين أبو شقة" علي هذا الملك الدفاعي، خاصة أن موكله يواجه حكما بالإعدام مصدقاً عليه من المفتي، يعني باختصار الرجل يلعب في الوقت الضائع، وهذا حقه لانقاذ رقبة موكله الذي لا يعلم سره إلا الله، ولا يعنيني هنا صدور الحكم من قضاء مشهود له بالنزاهة، ولكن الله وحده يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا أخفيكم سراً فمازلت أنتظر في الوقت الضائع أيضاً مفاجأة، قد تقلب الدنيا رأساً علي عقب، والله وهو الحق والعدل، علي كل شيء قدير! مازال القانون يتأرجح بين الشريعة الإسلامية والتشريعات الفرنسية، من منطلق عدم الحسم لشكل الدولة الدستوري بوجه عام، وهنا بات من حقي أن أفرغ ما في جعبتي، عندما تم اختيار كوكبة من فقهاء القانون الدستوري لوضع دستور 1971، وكان علي رأس هذه الكوكبة فقيه القانون الدستوري الدكتور "سليمان الطماوي" رحمه الله والفقيه الدستوري "يحيي الجمل" أطال الله في عمره فمازلت أذكر أن الدكتور سليمان الطماوي لم يكن راضياً عن المادة الثانية من دستور عام 1971، ومازلت أكرر مازال التعليم في مراحله العليا يتحمل ذنب ازدواجية التشريعات وازدواجية الاراء والتي ربما سوف تفرز ازدواجيات في التطبيق، فقد كان الطالب ممنوعاً في العصور الملتهبة بنيران "حمزة البسيوني" في جهنم "س 6" والتي تفوقت في هذا العصر شجاعة "نجيب محفوظ" في "الكرنك" علي شجاعة فقهاء الجامعات الا من رحم من أمثال "عبدالرازق السنهوري"، كان الطالب ممنوعاً بالتبعية أو قل تكميم الأفواه من الأعلي إلي الأدني من ابداء رأيه في ورقة الاجابة، فمازال الكلام المباح يفرغ بهمومه، وصلتني ورقة الامتحان في مادة الشريعة الإسلامية، وكان ضمن الأسئلة اختبار لقدرة الطالب علي الادلاء برأيه الفقهي والقانوني في مسائل محددة، ربما كان معروفاً من أستاذ المادة انه منحاز للشريعة الإسلامية، ولا يعتمد الا الاراء التي تؤيد توجهاته، وحتي أفلت بجلدي بورقة الليسانس، فقد خالفت ما يجول بخاطري أنا، وسجلت في ورقة الإجابة تأيدي لرأيه، وكانت المفاجأة التي لم تخطر علي قلب طالب وهي حصولي علي الدرجة النهائية في مادة "الشريعة الإسلامية"، ليس ابداعاً ولكن نفاقاً حتي أضمن التخرج في زمن "حمزة البسيوني" ولا عزاء ل"نجيب محفوظ"، وكان عذري الوحيد وقتها انني لو لم أنافق وكنت أعتقد بحسن نية ان هذا التصرف كان من حسن الفطن والتماس طريق السلامة حتي لا يستقبلني بالزغاريد والطبل والزمر البلدي في حالة لو لم أحصل علي ورقة التخرج "درب الشحاتين"! التمست لنفسي الاعذار التي استقرت في داخلي حتي فترات قريبة، ولم يتحول التماس الأعذار إلي "عقدة الشعور بالذنب" في حق نفسي إلا بعد أن سجلت الطفلة "شيماء" رأيها بصراحة في ورقة الإجابة، وهي الطفلة المصرية التي لم تعبأ بالنتائج ولم يرعبها "الصغر" الذي كان ينتظرني في مادة الشريعة، لأعاود القول ربما كان عذري أنني لم أولد في عصر حرية الرأي الذي ولدت فيه الطفلة "شيماء" بعد أن تدخل رئيس الدولة ورد لها اعتبارها، لعل عذري ومازلت التمس لنفسي الاعذار انني من جيل منسوب لعصر التعتيم ولا تحتمل أسرتي دفع ثمن التصريح بالرأي، حيث لا حريات كانت ولا "مبارك" لانقاذي من محاكم التفتيش! أنا لست متشائماً ولا أعترف بالتشاؤم طوال حياتي، ولكنني من طبعي التناؤل وإلا فلا مبرر للبقاء علي ظهر الأرض، دعونا فقط نسأل نحن دولة مدنية أم دينية؟.. نطبق القانون أم نأخذ بالدية؟.. نفتح الشباك أم نغلق الشباك؟.. في تصوري أن للحديث بقية لو كان في العمر بقية! امنحيني فرصة محاكمتي.. أمام.. "محكمة الشمس الدولية".. طبقاً.. لقانون "الإجراءات الإنسانية".. فلو.. كنت مذنباً "في حق عينيكِ".. فاقتليني بحكمك