في أواخر يناير الماضي، تم عرض الحلقة الأخيرة من مسلسل "بطل العالم"، ومع هدوء صداه نسبيًا قررت مشاهدته، وكان هذا القرار حتى لا أتأثر بالتريند أثناء عرضه. وبعد مشاهدة متأنية، وجدت لوحة فنية عن ملحمة إنسانية ملهمة قد رُسمت بأنامل صُنّاع هذا العمل، فقد تطرق المسلسل لعدة قضايا مختلفة من الصعب جمعها في عمل واحد، بحبكة وربط للأحداث بإيقاع لا نشاز فيه. فقد تطرق المسلسل لبعض علل الجسد ولأمراض النفوس، وهي الأخطر والأقبح نظرًا لتأثيرها السيئ على الفرد والمجتمع، حيث بدأت سلسلة تضحيات بطل العمل (صلاح) بعد ميلاد ابن أخيه، والذي كان قدره أن يولد يتيم الأب ومصابًا بعلة في القلب، مما تطلب إجراء جراحة عاجلة له لا طاقة لأهله بتكاليفها، مما اضطر (صلاح) للتضحية بحلمه للفوز ببطولة العالم للملاكمة، وأن يبيع المكسب لغريمه مقابل مبلغ من المال حتى ينقذ حياة ابن أخيه اليتيم، ويجري له الجراحة لإنقاذ حياته. وهنا سنتوقف عند نقطتين: * دور القطاع الخاص والرعاة في دعم ورعاية الأبطال الرياضيين كما يحدث في شتى أنحاء العالم، وألا يتم التركيز فقط على رياضة كرة القدم. وإذا نظرنا للموضوع بنظرة برجماتية بحتة، فالاستثمار في الرياضة بكافة أنواعها استثمار مربح ويؤتي ثماره سريعًا، لذا أناشد القطاع الخاص والرعاة الرياضيين إعادة النظر في هذا الملف، الذي قد يعود بالنفع عليهم وعلى هؤلاء الأبطال وعلى الوطن. *معاناة الأسر التى ابتُلي أحد صغارها بمرض في القلب، وما تعيشه من عجز وألم، لذا أذكر نفسي وأذكركم بألا ننسى دورنا في دعم كل مؤسسة من شأنها رفع معاناة هؤلاء الأطفال وأسرهم، وهى مؤسسات معروفة فى بلادنا التى تتولى هذا الدور. تطرق المسلسل أيضًا لمعاناة مرضى الثعلبة، ومدى تعرضهم للتنمر مع عدم المعرفة الكافية بطبيعة هذا المرض المناعي، فيجربون وصفات وخلطات، لكنهم لم يسلكوا الطريق الصحيح للعلاج، سواء بسبب عدم الوعي أو عدم المقدرة المالية. وتناول المسلسل كذلك مرض الزهايمر، والذي كانت مصابة به جدة البطلة (دنيا)، وتم تناول أعراضه في اسكتشات كوميدية، ولكن الجميل والعبقري أن طريقة التناول لهذه الأزمات، بالرغم من مأساويتها، جاءت بشكل مخفف وأحيانًا كوميدي وليس تراجيديًا يبعث الكآبة في النفوس، فأوصلوا الفكرة كاملة دون تصدير طاقة سلبية للمشاهد. أمراض النفوس البداية بسفير الشر في المسلسل المعلم سليمان، وهو رجل ظل ينمي رصيده من الحقد والضغائن للدرجة التي جعلته عدوًا للإنسان بشكل عام، يتلذذ بأذى الآخرين ويبرع في غوايتهم، فهو يدير منظومة قمار ومراهنات يستقطب فيها مدمني القمار باختلاف أنواعهم، يجردهم من آدميتهم قبل أن يجردهم من أموالهم. لم ينسَ رفض حبيبته له في الماضي وتفضيلها لصديقه والارتباط به، ليقرر نفث سمه في الجميع منتقمًا ومنكّلًا بكل من يقف في وجهه، لكنه لم يدرك أنه لم ينتقم إلا من نفسه. وشخصية شريف الجندي (والد دنيا) هي لأب أرعن لم يكن على قدر المسؤولية، هجر زوجته وابنته مفضلًا نفسه وهواه، تاركًا جرحًا عميقًا في صدر ابنته لن يشفى منه أبد الدهر، لتجد نفسها يتيمة الأب وهو حي، لا تعلم ماذا اقترفت ليتركها دون سابق إنذار أو مبرر. ولم يتوقف أذاه بعد مماته، بل تضاعف حين أدركت تورطه مع مجرمين، لتجد نفسها مطالبة بدفع فواتير لا تخصها. أما الكابتن يوسف (والد صلاح)، فعلى الرغم من طيبة وصدق نواياه، فإنني أرى أن نتاج قراراته لن يقل سوءًا عما سبق ذكره، فهو كالدبة التي قتلت صاحبها. أحب أولاده حبًا شديدًا، ولكنه حب أدى إلى هلاكهم، ولم يكف عن التسلط وإبداء عدم المرونة تجاه آرائهم، فكان سبيله موت ابنه الأكبر، وتمرد وضياع الابن الآخر. وبالرغم من تغير حال هذا الأب في نهاية المسلسل ليصبح أكثر مرونة، نطرح السؤال الأزلي: لماذا دائمًا يأتي التغيير بعد فوات الأوان؟ لماذا نصعب الأمور على أنفسنا وعلى من حولنا، ثم ينفجر الوضع ويفرط العقد، لنبحث بعدها عن التغيير ولكن بعد فوات الأوان؟ ناقش المسلسل أيضًا إدمان المخدرات وما يتبعه من ضياع وخراب، وسلط ضوءًا خافتًا على فئة في المجتمع لم يتم تناول أحوالها وبروتوكولاتها كثيرًا في الأعمال الفنية، وهي فئة الحراس الشخصيين (الجاردات) وطريقة عملها وشبكتها العنكبوتية. وكل ما تم ذكره من هذه الأحداث والفئات موجود على أرض الواقع، وليست من قبيل الفانتازيا.. وإن كنت أرى أن اسم المسلسل (بطل العالم) جاء نظرًا لتضحيات البطل وليس لبطولة الملاكمة، فأنا متأكد أن هناك بطل عالم في كل بيت مصري. ودمتم سالمين.