عندما كان الدكتور حسين بهاء الدين وزيرا للتربية، كان من الملاحظ علي طول الفترة التي توزر فيها (أكثر من 13 عاما) قياسا إلي جميع وزراء التربية في تاريخ مصر أن نقد ما يتصل بالتعليم في مصر كان نادرا، وكان العكس هو السائد. وفي العهد الحالي، حدث العكس، ألا تكاد تقرأ مقالا أو تسمع حديثا أو محاضرة أو حوارا عن التعليم، حتي من مواقع سياسية مسئولة إلا وتسمع وتقرأ أن التعليم في مصر وصل إلي حالة من التردي هي من وجهة نظري أشد وطأة علي البلاد من هزيمة الخامس من يونيو 1967، وأن الجمل قد بلغ القاع في سياساته، ومع ذلك، تسمعه يتحدث دائما حديثا ورديا عن تعليم يبدو أنه ليس في مصر،وإنما هو في بلد آخر ! من هنا كانت دهشتي البالغة وأنا أقرأ للأستاذ سليمان جودة في عموده المتميز بجريدة المصري اليوم أكثر من مرة، لا إشادة بالجمل وسياسته،ولكن دفاعا عن جانب معين يتصل بوضع مناهج التعليم وتأليف الكتب فيها وطبعها ونشرها ! بطبيعة الحال للأستاذ سليمان حقه في أن يري غير ما يراه غيره، حتي ولو كانوا كُثْر، لكني معرفتي به هي التي جعلتني أدهش، إذ تربطني به علاقة " هاتفية " شخصية طيبة للغاية من حيث التقدير المتبادل منذ سنوات غير قليلة، وخاصة خلال فترة طويلة كنت فيها كاتبا منتظما في صفحة الرأي التي يشرف عليها بجريدة الوفد،ولما انقطعت، ظل الوصال قائما، فأحيانا أتصل به للتعليق علي ما كتب في عموده اليومي. لقد كان قد أعلن منذ سنتين علي وجه التقريب وربما أكثر قليلا عن عزم الوزارة توسيع دائرة التأليف للكتب المدرسية وطبعها ليفتح الباب لمن هم خارج الديار،وقوبل بهجوم شديد، وشاركت في ذلك من خلال حوار أجري معي علي صفحات الأهرام، وكذلك في برنامج تسعين دقيقة مع معتز الدمرداش ومي الشربيني في ذلك الوقت، وسكتت الوزارة،وظننا أنها صرفت النظر،واقتنعت بوجهات النظر التي قيلت،وأن الرأي العام المتخصص وغير المتخصص يقف ضد هذه السياسة المقترحة، لكن يبدو أن السكوت كان مؤقتا، حتي تمر الزوبعة وينسي الناس الموضوع، اعتمادا علي أن الرأي العام غالبا ما ينسي، لا لضعف في ذاكرته وقواه العقلية لا سمح الله، وإنما لتكاثر الهموم والمشكلات والبلايا، حتي ليقول الناس عادة بينهم وبين أنفسهم " الواحد حايلاقيها منين واللا منين ؟ "، وخاصة وقد استجدت مصائب مفزعة كإنفلونزا الطيور وصاحبتها الخاصة بالخنازير، والماء المختلط بالمجاري، والتصاعد الرهيب في أسعار الطعام،وكذلك أسعار التعليم نفسه،وغير هذا وذاك مما سار علي النهج نفسه. يقيم كاتبنا العزيز وجهة نظره علي قياس منطقي يستند فيه إلي ما هو مسلم به من أن جدول الضرب في اليابان لا يختلف عن مثيله في فرنسا، عنه في سوريا..وهكذا، لأن المسألة هنا مجرد أرقام غير مشبعة بما يتصل بالثقافة الوطنية،وبالتالي فلا مانع من أن يؤلف لنا أجانب دون فزاعة " الغزو الفكري "، ومثل الرياضيات : اللغات، والعلوم. لكن مزيدا من التأمل في مقدمات القياس يجعلنا نتردد في قبوله، فضلا عن أن القياس المنطقي يقتضي مماثلة، من العسير التأكيد علي وجودها،وفقا لما علمنا إياه في قسم الفلسفة، الراحل العظيم الدكتور زكي نجيب محمود، منذ أكثر من خمسين عاما. فأولا من قال إن الرياضيات مجرد أرقام وخطوط ونظريات بعيدة عن السياق الثقافي تماما،وخاصة في مراحل التعليم الأولي ؟ إننا هنا لا نقف عند حد تقديم الأرقام، لكن لابد من ربطها بأمثلة واقعية لأن الأرقام المجردة لا معني لها بالنسبة للتلميذ، فهو لا يفهم " ثلاثة " في حد ذاتها، ولكن إذا قلنا ثلاث برتقالات،كان ذلك أيسر. وفي بعض المدارس ذات المرجعية الإسلامية مثلا كانوا يعمدون إلي الاستشهاد بأمثلة من البيئة الإسلامية وثقافتها، فيكتبون مثلا أن فلانا ثروته كذا، فإذا كان عليه أن يدفع مقدار الزكاة المفروضة، فكم يدفع ؟ وفي الهندسة، يمثلون بمساحات في المسجد، فعرضه مقداره كذا , طوله كذا، وطول المئذنة كذا..إلخ وتستطيع أن تقول مثل هذا في أمثلة من مزروعات مصر، ونيلها،ومساحات محافظاتها وعدد سكانها...إلخ وعندما تقول في مسألة أن ثلاثة أشخاص هم أحمد ومرقص، وسوسن أسسوا شركة في مجال كذا، وتؤسس عليها مسألة من المسائل الرياضية، فالأسماء هنا لها دلالتها..وقس علي هذا أمثلة كثيرة. لقد ذكرني هذا بحديث مع كبير من الأساتذة منذ سنوات بعيدة بعض الشئ، أعلن فيه سعادته بأن كذا وكذا أصبحنا نعتمد فيه علي الاستيراد حيث صناعته متقنة وسعره أرخص من مثيله الذي كنا ننتجه، لكني قلت له إن المسألة ليست توفيرا في النقود، لأن هناك توفيرا آخر مرتبطا به ألا وهو مجموعة من القيم الأساسية لهذا الوطن، فأن تستهلك سلعة ينتجها وطنك، حتي ولو كانت أقل مستوي، يغرس في النفوس ثقة بالوطن وعزة،ولعل أحد الأسافين التي تجعل الكرامة المصرية تنزف كثيرا، أنك إذا أردت أن تقنع أحدا بالإقبال علي سلعة، بررت له هذا بأنها مستوردة ! مع أن جوهر الثقافة الشعبية الوطنية التي تتسم بالحكمة العميقة تقول "حمارتك العارجة ولا سؤال اللئيم" ! وفي العلوم، شهدت واقعة في إحدي دول الخليج، حيث كانت الجهود الأمريكية قد بدأت منذ وقت مبكر في التدخل في مناهج التعليم، ففي وحدة دراسية خاصة بالماء لتلاميذ الابتدائي، كان الكتاب القائم يصَدر الوحدة بقول الله عز وجل " وجعلنا من الماء كل شئ حي "، وتحمس البعض لحذف هذا وما سار مجراه علي أساس أن العلوم هي العلوم،وترك مثل هذه الآيات سعي " ظلامي "! لإلباس العلم بالدين وهما منفصلان، بينما، في الحقيقة، لا توجد سورة من سور القرآن الكريم إلا وتدعو إلي تأمل كذا وكذا من ظواهر الطبيعة علي أساس أنها آيات لقدرة الله ووجوده ووحدانيته، فما الضرر أن يعرف التلميذ الحقيقة العلمية،وفي الوقت نفسه يعرف أن الدين لا يتعارض معها، بل يؤيدها دون أن أقصد الدخول فيما يثار حول التفسير العلمي للقرآن، فهذه قضية أخري، فمثالنا يسعي إلي تأييد العلم بالدين، بينما الاتجاه المثير للجدل فهو تفسير الحقيقة العلمية بآيات قرآنية،وشتان بين المنطقين. وفي اللغة، نجد أنها ليست مجرد نحو وصرف،وإنما يتم تعليمها من خلال كتابات وقصص وحوارات ومشاهد، فنحن في التربية نشدد دائما علي التأكيد بأن كل فكرة لها سياقها الثقافي،وأن العلاقة بين الفكرة وهذا السياق ييسر تعليمها وتعلمها، بل وأصبح هناك علم رائع منذ عدة عقود اسمه علم اجتماع المعرفة، ومن ثم يمكن أن يجد التلاميذ موضوعا تفلت فيه كلمات مثل : " بوي فريند " و " جيرل فريند "، أو حفلة زفاف يكون من ضمن ضيوفه ابن أو بنت للعروسين، أو شاب وشابة يعيشان معا دون زواج رسمي؟! وأنا أتساءل : هل نجد مثل هذا المقترح مطبقا في الدول المتقدمة، فنجد مثلا في اليابان كتبا ألفها أمريكان أو إنجليز ؟ وهل نجد في فرنسا كتبا ألفها أمريكان أو يابانيون ؟ وهل نجد في دولة العدو الصهيوني كتبا ألفها مثل هؤلاء وهؤلاء ؟ حقيقة أنا لا أعرف مع الأسف،وإن كنت أحدس أ ن تشكيل عقول التلاميذ، وخاصة في تعليم المرحلة الأولي " خط أحمر " ومنطقة محظورة لأنها منطقة أمن قومي حقيقي، دون داع للسخرية من حكاية " الغزو الفكري "، فالسعي إلي الاختراق الثقافي حقيقة مؤكدة، وخاصة في عصرنا الحاضر حيث لم يعد مقبولا تقبل التواجد العسكري لجنود أجانب، ومن ثم أصبح الاحتلال العقلي هو أشيع صور الاحتلال المعاصر، وهو أشد وطأة من الاحتلال العسكري. وبالنسبة للطباعة، فللوزارة قياساتها ومعاييرها التي لابد منها حتي يتم تكليف هذه المطبعة أو تلك بالطباعة، وعندما تتشدد الوزارة في هذا، فسوف تجد المتقدمين من مطابع مصر حريصين بالضرورة علي الالتزام،وليست المسألة مجرد إتاحة فرصة للكسب من قبل مؤسسات وطنية،وإن كان هذا ليس عيبا، فنحن دولة ذات اقتصاد مشوه لا يتيح فرص الإنتاج الجيد والنمو الحقيقي، فهل نسد بابا يمكن من خلاله أن نشجع علي استمرار صناعة وطنية، خاصة وأننا بالفعل أصبحنا نري مطابع مصرية تنتج لنا ما يدعو إلي الفخر والابتهاج ؟ ومن المعروف أننا بلد تقل فيها نسبة القراءة عن كثير من دول العالم، وتشيع لدينا الأمية حتي الآن، وطباعة كتب الوزارة فرصة للمطابع أن تنشط وتعوض الكثير من " قلة الشغل "... إنها منظومة قيم تعزز الثقة بالوطن، قبل أن تكون نقودا وأوراقا، أم أنها صورة من صور " البيع العام " لكل ما هو ملك لأبناء هذا المجتمع التعيس سياسة وقيادة ؟ أخي سليمان، أرجو ألا يغضبك قولي، فالحق أحق أن يتبع