حتي لا ننسي فالاشخاص الذين باعوا لنا الوهم في عام 2004 والذين سوقوا وصدقوا اكاذيبهم بامكانية تنظيمنا للمونديال والذين حاولوا الكذب ايضا علي العالم بأسره، تحت عنوان ان تنظيم المونديال هو حلم كل مصري، قد فاتهم ان احلام المصريين الحقيقية وهمومهم اليومية لا تختزل في ذلك الحلم السخيف استميح القاريء العزيز عذرا بتذكيره، بأن كلماتي الأولي التي كتبتها علي هذه الصفحة منذ ما يزيد عن اربع سنوات وتحديدا بتاريخ 7/6/2004، قد جاءت تحت عنوان "مسرحية حلم المونديال" حالة مثالية لثقافة اللامسئولية وقد تسببت ظروف شخصية وموضوعية في حرماني من اطلالتي الاسبوعية تقريبا عليك، حيث كان مقالي الاخير قد نشر بتاريخ 16/6/2008 المهم انني اعاود الآن الوصل لما انقطع بيننا واتمني ان يعينني الله والظروف علي ذلك. لعلها مصادفة مثيرة ان يكون موضوع حديثي اليوم مشابها لموضوع حديثي معكم منذ ما يزيد عن أربع سنوات، فعنوان الموضوعين مجاله الرياضة في مصر، ربما يرجع ذلك لطبيعة الرياضة كنشاط انساني، حيث تتميز المباريات أو المسابقات الرياضية- عن غيرها من الانشطة الانسانية الاخري بالعديد من الخصائص أو الملامح، فهي لها قواعد واصول متفق عليها ولا خلاف فيها، كما ان نتائجها تعلن في حينها، وان نظامها الاساسي واحد وان اختلفت جنسيات اطرافها، وبذلك فلا اجتهاد ولا مماحكات ولا ادعاءات فيها، وفي نهايتها يكرم المرء أو يهان، ففي المسابقات الدولية والمباريات الاولمبية، ترفع اعلام الدول التي يفوز لاعبوها أو لاعباتها، ويعزف السلام الوطني لها، ويطوق اعناق الابطال أو البطلات الميداليات الذهبية أو الفضية أو البرونزية في اعتراف دولي علني بقيمة وقدرة ونجاح وتفوق وتميز الدول التي قدمت هؤلاء الابطال والبطلات، واعلان صريح عن اخفاق الكسالي وعجز قدراتهم ومحدودية موهبتهم وكشف زيف ادعاءاتهم وفشل جيوش الاجهزة الادارية والفنية من اصحاب المصالح والمستفيدين والانتهازيين والذين لا يهمهم الا مصالحهم الذاتية وما يدخل جيوبهم من اموال وما يتمتعون به من سلطان وأبهة ومنظرة، حتي وان كان ذلك كله علي حساب الكرامة الوطنية بكل أسف. وبالعودة الي ما حدث من تحقيقنا للصفر العظيم الذي حققناه بدعوانا الكاذبة في قدرتنا علي تنظيم المونديال وبالصفر المهذب الذي حصدناه في اولمبياد بكين، فلقد كان الفارق بينهما يزيد عن اربع سنوات من حيث الزمن، اربع سنوات كاملة ويزيد، لم تشفع لنا ولم تكف لتقدير واكتشاف حقيقية موقفنا ومواقع اقدامنا وطبيعة قدراتنا دون زيف أو مبالغة أو تهويل، لذلك ذهبنا الي بكين بعد ان انفقنا الملايين - قبل السفر وعند السفر نفسه واثناء الاقامة هناك وعند العودة المظفرة- ولم نحصد الا ميدالية برونزية يتيمة، كخير شاهد علي احوالنا الرياضية المتردية، ومن المدهش والغريب معا ان نري من يعتبرون ان الحديث عن فضيحة او بالاصح مهزلة بكين، هو لطم علي الخدود وبكاء لا يجوز علي اللبن المسكوب، وبأن ما جري قد جري وبأن المهم الآن ان ننظر الي المستقبل في اطار المقولة العجيبة ماذا بعد وكفي!! لا يا سادة فنحن مصرون علي ضرورة ان نتعلم من اخطائنا، وهنا اذكركم بالملايين التي بددناها ظلما من قوت ودم هذا الشعب، واذكركم ايضا - ان كنتم قد نسيتم - بالوعود الزائفة التي صدعونا بها عن الميداليات العديدة التي تنتظرنا للعودة بها من بكين، ولم يكن كلامهم الا لتبرير سفرهم مع لاعبيهم ولاعباتهم الذين لا تؤهلهم مواهبهم وقدراتهم إلا للعب في مراكز الشباب والدورات الرمضانية، أو في المسابقات العربية والافريقية علي اكثر تقدير، يا سادة نحن مصرون علي كشف حقيقة زيف المهزلة وتضميد الجراح التي سببوها لنا دون ذنب لنا الا بتصديقهم وتصديق خيالاتهم وأوهامهم المريضة الكاذبة، من اجل السفر الي بكين للفسحة والسياحة والتسوق ليس الا، عليهم ان يقدموا لنا كشف حساب بحقيقة ما جري هنا وهناك ولسوء حظهم وعدم نبل مشاعرهم وسوء طويتهم، كشفتهم النتائج الهزيلة التي حققوها، فقط ميدالية برونزية هي كل انجازهم ومنتهي املهم وغاية طموحاتهم!! وحتي لا ننسي فالاشخاص الذين باعوا لنا الوهم في عام 2004 والذين سوقوا وصدقوا اكاذيبهم بامكانية تنظيمنا للمونديال والذين حاولوا الكذب ايضا علي العالم بأسره، تحت عنوان ان تنظيم المونديال هو حلم كل مصري، قد فاتهم ان احلام المصريين الحقيقية وهمومهم اليومية لا تختزل في ذلك الحلم السخيف، بل انهم يحلمون بالفعل باحلام متواضعة، منها الحصول علي الخبز مثلا بسهولة ويسر ومنها ان يجدوا لابنائهم فرصا حقيقية للعمل والتوظف، كما ان من بينها - وهذا حقهم - ان تتناسب مستويات دخولهم واجورهم المتدنية اصلا، مع غول ارتفاع الاسعار المزمن الذي بات يؤرق ويقض مضاجعهم، احلام المصريين الحقيقية ان يحسوا بآدميتهم وان يشعروا ان مصر هي ايضا بلدهم، تماما كما هي للصفوة والنخبة وكبار القوم وعليتهم، احلامهم ان يجدوا موطيء قدم لهم في المدن التي لا يحلمون بل ولا يقدرون حتي علي النظر اليها، حيث احاطتها الاسيجة وانعزلت الا عن قاطنيها، حيث الترف والانهار والبحيرات والشلالات الصناعية وحمامات السباحة والبرجولات، كل هذا وبأسعار في متناول الجميع، تبدأ من 5.1 الي 2 مليون جنيه فقط!! وفي أولمبياد بكين 2008 خدعنا بواسطة نفس هؤلاء الاشخاص وان اختلفت اسماؤهم، وكان ما كان، واذا كانت الدولة والحكومة قد شكلت لجنة للتحقيق في تلك المهزلة واثارها المحبطة الا ان ذلك لا يمنعنا من القول، بأن اللجان لا يمكنها ان تخلق شيئا من العدم، فلنبحث اولا في الاسباب الحقيقية التي اوصلتنا الي هذا الدرك الاسفل من اللامسئولية واللامبالاة، اللجان لا يمكنها ان تزرع حب الأوطان في النفوس، اللجان لا تصنع الابطال ولا تخلق الانتماء واذا اعتبرنا ان التفوق الرياضي هو احد اوجه التفوق والنجاح في منظومة الادارة بأي مجتمع أو دولة ما بانشطتها الانسانية المتعددة، اذن لماذا الاصرار علي اهدار مواردنا وجهودنا في مجال قد تأكد لنا عدم جدواه، هل يعقل ان ترصد الميزانيات وتخصص الاموال بل وتزداد المخصصات للانفاق علي هذا العبث، في نفس الوقت الذي تحجم فيه ميزانيات التعليم والبحث العلمي. يا سادة.. ان النجاح منظومة متكاملة، فمجتمع هذا حاله وتلك حدوده وهذه اخلاقيات وطبائع مسئولي الرياضة فيه، لا يمكن ان يرجي برؤه، أو ان تقام اعمدة ومقومات نجاحه في المجال الرياضي وغيره من مجالات النشاط الانساني، الا بتوفر العوامل الموضوعية لذلك النجاح، فالتفوق والتقدم لا يأتي صدفة، كما ان الابداع الرياضي هو محصلة نهائية لاشياء عديدة-، اولها الموهبة وثانيها العلم يليهما العزيمة والانتماء والاصرار علي النجاح والرغبة في اثبات الذات وتأكيد الهوية الوطنية والاعتزاز بها، هذا هو حال البطولة والابطال وهذا ما كنت استشعره في انفعالات المدربين واللاعبين واللاعبات بل المشاهدين ايضا في لحظات التتويج، فأين نحن من كل ذلك؟؟ فالي الذين خدعونا بمسرحية "حلم المونديال" والذين ابتزونا بميداليات الاولمبياد التي ذهبت لاصحابها الحقيقيين اقول لهم: اتقوا الله فينا وفي بلدكم، وأخص العائدين من بكين بخفي حنين بتذكيرهم بالحقيقة التي تأكدت لنا ولهم وهي ان سماء بكين لا تسقط علي السفهاء ولا علي الكسالي الخائبين لا ذهبا ولا فضة!! أليس كذلك؟؟