بعض قيادات الائتلاف الحكومي قد صرح بأن ماجري لمشرف سوف يلقن درسا لأي عسكري أو اي ديكتاتور في المستقبل، وقد يكون هذا صحيحا، لكن مشكلة باكستان لم تكن تتعلق بطريقة حكم العسكريين فقط، وإنما ألعاب السياسيين المدنيين، وتوجهات جماعات المتطرفين، وميول قبائل الحدود، واختراقات المؤسسات الأمنية، وضغوط الأطراف الخارجية أيضا، لذا لاتزال هناك شكوك حول مستقبل باكستان. لم يكن من الممكن لرئيس دولة يحمل رتبة "جنرال" مثل برفيز مشرف أن ينهي حياته السياسية بنفسه في دولة لاترحم القادة مثل باكستان، إلا إذا كان قد أدرك أنها انتهت بالفعل، وأنه لم يعد لديه بديل آخر سوي الرحيل، وأن ثمن البقاء في السلطة ليوم آخر إضافي قد يكون حياته ذاتها، لذا فإنه لم يستقل وإنما أجبر علي الاستقالة. لقد شهدت الفترة الأخيرة استهدافا واسعا لرؤساء الدول بأشكال غير تقليدية، فأحدهم وهو منتخب ديمقراطيا أطاح به انقلاب عسكري في موريتانيا، وآخر قدمت ضده عريضة اتهام دولية بارتكاب جرائم حرب في السودان، لكن حالة "مشرف" تحمل نمطا يستحق الانتباه، فقد أقدمت الحكومة الائتلافية علي القيام بإجراء لعزله من الرئاسة، وكادت أن تفعل ذلك، في سابقة لم تحدث في باكستان. لكن باكستان لم تشهد من قبل، علي أي حال، خروجا هادئا لمعظم القادة الذين تولوا حكمها، فقد كانت السلطة تنتقل من حاكم لآخر عبر عمليات إقالة أو انقلاب أو قتل، وكاد برفيز مشرف ذاته أن يفقد حياته عدة مرات خلال محاولات اغتيال محكمة تعرض لها، وأكثر من ذلك فإن من يخرج من السلطة حيا يجد صعوبة أحيانا في البقاء داخل البلاد، وإذا قرر العودة لن يجد الحياة سهلة، فهناك مشكلة مزمنة في باكستان. إن التفسيرات البسيطة هي التفسيرات الصحيحة غالبا في حالة مشرف، وماهو معلن يكفي لتفسير ماجري، إذ كانت سلطة الرئيس تتآكل بانتظام مع الوقت، حتي وصل الأمر في النهاية إلي حد أنه لم يعد قادرا، ليس فقط علي الاحتفاظ بموقعه، وإنما الحفاظ علي رأسه، وعندما وصلت التطورات المحيطة به إلي أغسطس 2008، كان قد أصبح في حالة انكشاف كاملة. لقد بدأت نظرية الدومينو في العمل مع الرئيس الباكستاني بسرعة بدا أنها تنبئ بعد تنازلي لفترة حكمه منذ مارس 2007، عندما أقال رئيس المحكمة العليا، بما أثار ضده موجة احتجاجات غير مسيطر عليها، أدت إلي مواجهة مع المحكمة العليا، التي رفضت قراره، ثم وجهت إليه ضربة مضادة برفض اعتماد فوزه بالرئاسة في أكتوبر من نفس العام، فيما يمثل درسا نموذجيا. إن مشكلة المواجهة المكشوفة، علي طريقة مشرف، مع القضاة، هي أنها لم تكن تثير فقط احتمالات الصدام مع فئة مدنية لديها قاعدة تأييد واسعة، بحكم حجمها كجماعة مصالح اعتادت علي أن يتم التعامل معها بنوع من التوقير، أو تأييد الرأي العام لها علي نحو أثر بالفعل علي شعبيته بشدة، لكن لأنها تمتلك "سلاح القانون" الذي يمكن أن يؤثر علي شرعية الرئيس ذاتها، في ظل توازنات النظام الباكستاني، وهو ماحدث. ماجري بعد ذلك كان يمثل انهيارا لامفر منه لسلطة مشرف، الذي بدأ يتعرض لضربات متلاحقة، كاضطراره للتخلي عن قيادة الجيش الذي كان يمثل أهم عناصر قوته، قبل أن يؤدي اليمين الدستورية كرئيس للبلاد، ثم فوز التحالف المعارض له بأغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات فبراير 2008 ، في الوقت الذي احتدمت فيه المواجهة مع المتطرفين الدينيين في البلاد إثر قرار الهجوم علي المسجد الأحمر. لكن الأهم، أن الدولة ذاتها كانت تتعرض لمشكلة حقيقية تثير احتمالات فوضي أمنية خطرة، فعناصر طالبان تشن هجمات دموية داخل البلاد، ويتم اغتيال بنازير بوتو بصورة تطرح أسئلة مفزعة حول مايجري داخل أجهزة الأمن، وتبدأ بعض المناطق الحدودية في الخروج عن نطاق السيطرة، مع وجود قلق خارجي بشأن أمن الأسلحة النووية، مما أدي إلي تعرض مشرف لضغوط كبيرة للتخلي عن السلطة طوال الوقت. هنا يأتي العامل الخارجي، فعلي الرغم من وجود ميل لدي تيار كبير داخل الرأي العام، لتحليل أسباب بقاء أو رحيل الرؤساء استنادا علي عوامل خارجية، لم يكن الأمر كذلك تماما في حالة مشرف، إذ ساد توجه عام منذ فترة، لدي الحلفاء الدوليين، بأن ممارسة أية ألعاب غير محسوبة في دولة " شديدة الخطورة" مثل باكستان، يمكن أن يقود إلي كارثة، ولن يغير شيئا في النهاية. ومن المؤكد أن الأطراف الخارجية قد مارست دورا مؤثرا في الأيام الأخيرة، وكانت لدي بعضها تصورات بأن تحالفا بين حزب الشعب و "حزب مشرف"، مع عزل رابطة نواز شريف، يمكن أن يبقي عليه في السلطة، أو أنه يمكن أن يخوض معركة أخيرة باستخدام صلاحياته في حل البرلمان، لكن لايمكن الجزم بأن أية دولة كانت تدفع بإصرار في اتجاه الإبقاء علي مشرف، خاصة وأن كل الحلول المتصورة لم تكن لتجمد الأزمة التي استحكمت حلقاتها حوله، وانتهي الأمر علي مايبدو بنصح الرئيس بأن اللعبة قد انتهت، وأن عليه أن يتنحي عن الحكم. إن التصريحات الأمريكية كانت تشير بوضوح إلي أن هناك شعورا بالخسارة في واشنطن، فقد حملت بيانات البيت الأبيض وتصريحات رايس تقديرا وامتنانا معلنا للرئيس المستقيل، ولم تحمل أية معاني للترحيب بما حدث، كالتي خرجت من لندن علي لسان وزير الخارجية ديفيد ميليباند الذي أشار إلي أن "استقالة مشرف نهاية لحقبة حرجة في تاريخ باكستان"، رغم وجود تيار في واشنطن لديه تحفظات كبري علي سياسة مشرف إزاء أفغانستان. لقد أكدت الولاياتالمتحدة علي استمرارها في تقديم المساعدات لباكستان، واستعدادها للتعامل مع القادة الجدد. لكن رايس قامت علي الفور بتذكير خلفاء مشرف بما يجب عليهم القيام به، وهو _ حسب تصريحاتها - التركيز علي مستقبل باكستان واحتياجاتها الملحة، كاجتثاث التطرف وحل مشكلة العجز في الغذاء والطاقة، وتدعيم الاستقرار السياسي. فهناك تقييم أمريكي بأن ماكان يمثل علاقة استراتيجية قد يتحول إلي علاقة مصالح باردة. إن أحدا من الحلفاء الكبار لمشرف لم يدفع في اتجاه الإبقاء عليه في السلطة، لأنه كان قد انتهي، لكن معظمهم حاول إدارة خروجه من السلطة بصورة تحفظ له "ماء الوجه" إزاء الملاحقة القانونية، أو توفر له شبكة أمان خارجية، يمكنه استخدامها في أي وقت، وهذا مايبدو أنه سيحدث في كل الأحوال التالية التي قد يتعرض فيها قادة آخرون لمشكلات مماثلة، فلم يعد من الممكن، أو حتي المرغوب فيه، مقاومة العواصف الداخلية خاصة عندما تتحول إلي أعاصير عاتية. وهنا، لايعلم أحد بالضبط ما الذي كان الرئيس الباكستاني يفكر فيه عندما أدرك أن عليه أن يتخلي أخيرا عن الحكم، فقد ذكر في كلمة الاستقالة التي بثها التليفزيون الباكستاني أنه قرر التنحي عن السلطة لتجنيب باكستان معارك سياسية وقانونية قد تضر بمصالح البلاد، وأقر بأنه ارتكب أخطاء في حكمه لباكستان، لكنه أيضا حقق إنجازات داخلية وخارجية مهمة، وأنه سيترك الحكم عليه للشعب، أو للتاريخ، وهي ليست بالمناسبة مجرد عبارات تليفزيونية، فمشرف كان رئيسا "من العيار الثقيل" رغم أخطائه. وفي الواقع فإن من الصعب إصدار أي حكم بأن الجنرال كان يعاني من حالة انفصال عن الواقع، فقد قال إن خصومه لم يفكروا في عواقب التحرك التي قاموا به علي باكستان، لكن ما حدث هو أن حالة من الارتياح، التي وصلت إلي مستوي الاحتفالات، قد سادت في الشارع الباكستاني، وانعكست تأثيرات استقالته بشكل إيجابي علي البورصة الباكستانية، وتقبل كل حلفائه الخارجيين استقالته بهدوء شديد، إلا أنه التعبير الذي ذكره يستحق الاهتمام، فمشاكل باكستان لن تحل لمجرد أنه ذهب. إن بعض قيادات الائتلاف الحكومي قد صرح بأن ماجري لمشرف سوف يلقن درسا لأي عسكري أو اي ديكتاتور في المستقبل، وقد يكون هذا صحيحا، لكن مشكلة باكستان لم تكن تتعلق بطريقة حكم العسكريين فقط، وإنما ألعاب السياسيين المدنيين، وتوجهات جماعات المتطرفين، وميول قبائل الحدود، واختراقات المؤسسات الأمنية، وضغوط الأطراف الخارجية أيضا، لذا لاتزال هناك شكوك حول مستقبل باكستان. لقد كانت السنوات التسع الماضية من أخطر الفترات التي مرت بها باكستان، لكن الفترة القادمة لن تكون أقل خطورة، فإما أن تستقر باكستان في إطار حكم مدني يفترض أن يكون رشيدا، وإما أن دورة عدم الاستقرار سوف تعود مرة أخري، كما حدث مرارا من قبل، وفي هذه المرة لن يكون النظام السياسي فقط هو الضحية، وإنما الدولة ذاتها، ولم يعد فشل الدول أو حتي انهيارها بعيدا عن الأذهان، فالأمثلة موجودة في أماكن قريبة من باكستان. إن مشكلة حكم مشرف هي أنه كان يتسم بالسلطوية، لكن مشكلته الأهم هي أنه كان يتسم بعدم الكفاءة، فقد استغرق في التعامل مع مشكلات الحكم ولم يتمكن من تخفيف مشكلات الدولة، وهي نفس مشكلة " النخبة السياسية المدنية"، التي سيكون عليها أن تواجه بعض الحقائق بعد أن تنتهي احتفالات الشوارع وصيحات الانتقام، لتثبت أنها أفضل بالفعل من الجنرالات. وفي النهاية، هناك مؤشر بسيط، لكنه قد يكون ذا دلالة كبيرة، فإذا تمكن الرئيس السابق "المدان" برفيز مشرف من البقاء في بلده حيا، دون اللجوء إلي الخارج هذه المرة، ربما سيعني ذلك أن باكستان قد بدأت تسير في الطريق الصحيح.