إن المبدع الفنان يبحث دائما عن تكامل بين ما يشعر به وبين ما تعلمه في دروب الحياة، فالفن يضطرنا إلي أن نلمس روح وجسد العالم ونتحسسه، نسمعه، نتذوقه، نلمسه، ونسكنه ونشم رائحته، إن الفن يأخذنا إلي طاقات غير مرئية وغير محدودة تنشط حياتنا النفسية وهذه الطاقات تخلق وتبلور أطرا يكون لها قوانينها ووجودها الخاص ودلالاتها الإنسانية المنفردة، إن الإبداع شيء لا يمكن أن نضع له عنوانا أو نطلق عليه اسما، لكننا نستطيع أن نسمع شدوه الجميل ونشم رائحة مسك الليل الذي ينبعث من حضوره، ولكي يتحقق ذلك يجب أن تكون هناك حرية وطلاقة للمبدع بلا حدود. وهذا ما عبر عنه دستويفسكي: "إن إرادة المرء الحرة غير المقيدة، وميوله الخاصة، أيا كانت درجة اندفاعها أو تهورها، وتخيله الخاص الذي يتأجج أحيانا فيصل به إلي مشارف الجنون، هو أفضل وأعظم ما يمتلكه الإنسان، وهو جانب لم يوضع في الاعتبار، وذلك لأنه يستعصي علي أي تصنيف، ويترتب علي إغفاله أن تحيق بالأنظمة والنظريات أوخم العواقب". وهناك حقيقة هي استحالة أن نحيا حياة تخلو من التوهم إذ أن كل منا يري في الحياة شيئا يناسب وضعه المحدد في الزمان والمكان، أي أن الفن والإبداع له طابع ذاتي وطابع موضعي في آن واحد وهذا ما أكد عليه لورانس درويل في رباعيات الإسكندرية الجزء الثاني. "إننا نحيا ... حياة مؤسسة علي خيالات اختارها كل واحد منا لنفسه، ذلك أن استيعابنا لحقائق الحياة مشروط بشروط الزمان والمكان اللذين نلابسهما ولا صحة لما نميل إليه من الاعتقاد بأن سماتنا الشخصية هي التي تحدد وجهة نظرنا عن حقائق الحياة، فكل تفسير للحقائق إنما ينبع من وضع فريد مقيد بالزمان والمكان وأي تغيير طفيف في وضع الإنسان الزماني والمكاني لا بد أن ينتج تأثيرا في الصورة التي يستوعبها ذلك الإنسان". بشكل تاريخي كان هناك تداخل بين الأساطير والملاحم والسير الشعبية والمقامات من ناحية والتاريخ من ناحية أخري وعكس ذلك نفسه علي الأشكال التعبيرية الأدبية والمعرفية من رواية وشعر وقصة ومسرح وفكر، ولقد كان القالب الأسطوري هو الينبوع الذي تدفق منه الدين والفن الذي امتزج فيه المقدس بالجمال والعكس، وقد أتيح للقالب الأسطوري بفعل الخيال أن يكون حرا بدرجات كبيرة، فأساطير القدماء هي أحلامهم التي طافت في أخيلتهم وهم ينتقلون من الحياة البدائية الفجة إلي حياة الاستقرار والتمدن، ولقد كان للبيئة اليونانية نصيبها الأوفي في اتساع التفكير اليوناني، فبلاد اليونان تمتاز بطبيعة ساحرة، وهي تتكون من جزائر متناثرة وكذلك جبال ووديان تلهب الخيال.وقد أكسب توزيع الجبال كثيرا من الأقاليم اليونانية استقلالا محليا كان نواة لنظام دول المدن المستقلة فيما بعد، وهذا النظام كان نبعا متدفقا للأساطير والملاحم اليونانية، وساعد هذا كله علي ولوع اليونانيين بالحرية، وكرههم للقهر والاستعباد، فصفي ذلك أخيلتهم فكانوا أسبق الأمم في صنع حضارة ذهنية كانت مزيجا عبقريامن الشعر في أرقي صوره والتمثيل في أعجب طرائقه والفنون من نحت وزخرف وبناء وتصوير والرياضة من سباحة ورمح وجري، والبحث في ماهية الفلسفة والسياسة واللغة وعلومها المختلفة. ولم يدون من هذه الأساطير شيء إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، حينما نظم الشاعر اليوناني "هسيود" منظومته الطويلة "شجرة أنساب الآلهة" التي روي فيها قصة خلق العالم من ارض وسماء ونجوم ونبات وحيوان، وكيف نشأت الآلهة أجدادا وآباء وأحفادا، أما الشاعر اليوناني العظيم "هوميروس" فكان له فضل كبير في التعريف بالأساطير اليونانية، فهو صاحب الملاحم الشعرية "الإلياذة والأوديسة". وهناك نظريات كثيرة عن نشأة الأساطير منها أن جميع الأساطير مشتقة من الكتب المنزلة وإن تكن الحقائق الأصلية قد بدلت أو أخفيت معالمها، والنظرية التاريخية تقول إن أبطال الأساطير وآلهتها ما هي في أصلها إلا أبطال بشر والقبائل البدوية القديمة، أخذ الرواة ينسجون حولهم الأقاصيص الإضافية التي كلما جاء جيل وذهب آخر أضيفت إليها الزيادات والحواشي، حتي ارتفع هؤلاء الأبطال في أذهان الناس إلي مصاف الآلهة. وهناك النظرية المجازية التي تقول إن جميع أساطير القدماء ليست إلا رموزا ومجازات تنطوي علي مغزي أدبي، أو غاية دينية أو معني فلسفي، أو حقيقة تاريخية ثم انتهي ذلك كله وبمضي الزمن إلي مادة صرفة في أذهان الناس