مصر تتولى رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي    طاهر يعوض إمام عاشور في تشكيل الأهلي أمام يانج أفريكانز    فان دايك: سنجعل مواجهة نيوكاسل ليلة خاصة في آنفيلد    «الأحوال المدنية»: استخراج أكثر من 34 ألف بطاقة رقم قومي ومصدر مميكن بمحل الإقامة    محافظ بني سويف يُناقش استعدادات استقبال شهر رمضان.. ويستعرض المحاضر المحررة ضد المخالفين    عاجل- رئيس الوزراء يتفقد التشغيل التجريبي لمصنع شركة القناة للسكر استعدادًا لموسم بنجر 2026    نقيب المحامين: ملتزمون بتوفير الضمانات اللازمة لإجراء انتخابات نزيهة    واشنطن تحذر طهران: «لن نتسامح مع أي أفعال غير آمنة» في مضيق هرمز    استشهاد 7 فلسطينيين في قصف الاحتلال الإسرائيلي لحي الشيخ رضوان غرب غزة    مصر ترحب باتفاق وقف إطلاق النار في سوريا    حكاية عبد الناصر والجندي الذي دمر دبابة للعدو!    وزير «الإسكان» يوجه بتكثيف خطة تطوير الطرق والمحاور بمدينة حدائق أكتوبر    وزير قطاع الأعمال العام يستهل زيارته لشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى بلقاء محافظ الغربية    عاجل مدبولي: مجمعات الخدمات بحياة كريمة نقلة نوعية لتقريب الخدمات وتخفيف الأعباء عن المواطنين    اختناق 23 شخصا بحريق شالية ومتجر بقرية سياحية.. ومحافظ مطروح يتابع إخماد الحريق    «الاستشراق الجديد».. لقاء فكري موسع بمعرض الكتاب    انطلاق الدورة السابعة من جائزة خيرى شلبى للعمل الروائى الأول    لا تنسوا صيام الأيام البيض فى شهر شعبان.. اعرف الموعد والتفاصيل    جامعة المنوفية توقع بروتوكول تعاون مع الشركة المصرية لتجارة الأدوية    انطلاق منافسات فردي الناشئين بكأس العالم لسيف المبارزة بالقاهرة    أيمن أشرف بعد إعلانه الاعتزال: الأهلي كان بيتاً تعلمت فيه الانتماء    بروتوكول تعاون بين جامعة المنصورة والاتحاد العربي لحماية الحياة البرية والبحرية    حملات شاملة لتجميل ورفع الحشائش من طريق الكباش فى الأقصر.. صور    استشهاد عدد من ضباط وأفراد شرطة غزة إثر قصف إسرائيلي في الشيخ رضوان    رئيس مدينة منوف يتفقد أعمال إزالة آثار حريق منافذ البيع بشارع بورسعيد    مصرع عامل في مشاجرة بسبب خلافات الجيرة بالقاهرة وضبط المتهمين    القاتل الصامت يقتل شابين في غرفة حارس عقار بالإسكندرية    الرئيس الإيراني:يجب الاستماع لمطالب المحتجين لمنع محاولات إثارة الفتنة وتقسيم الوطن    وزير الداخلية يوافق على قبول الدفعة الثانية عشرة من طلبة معاوني الأمن    (راديو النيل شريك معرض الكتاب)    أستاذ علم نفس تربوي: تقمّص الطفل للسلوكيات مؤشر صحي    بالصور.. أول ظهور لمحي إسماعيل داخل دار رعاية كبار الفنانين    12 شهيدًا و49 مصابًا جراء هجمات الاحتلال على قطاع غزة منذ فجر اليوم    افتتاح النسخة التاسعة من مسابقة بورسعيد الدولية لحفظ القرآن الكريم    جامعة بنها تحصد 25 ميدالية في بطولة ألعاب القوى للجامعات    أكثر من 1,6 مليون خدمة طبية وعلاجية قدّمها مستشفى الرمد التخصصي ببورسعيد    وزارة الداخلية تواصل التيسير على المواطنين فى استخراج خدمات الجوازات والهجرة    جامعة قنا تختتم فعاليات الدورة الرابعة عشرة من برنامج تدريب المدربين (TOT)    تجوز بشرط.. حكم تقسيط الزكاة طوال العام    مواقيت الصلاه اليوم السبت 31يناير 2026 بتوقيت المنيا    وزير الري ووزيرة البيئة الرواندية يشهدان توقيع خطة عمل لمذكرة تفاهم بين البلدين    التشكيل المتوقع ل برشلونة أمام إلتشي في الدوري الإسباني    أستاذ وباحثون بقصر العيني يشاركون بإصدار مرجعي عالمي في وسائل التهوية غير الجراحية    رئيس الوزراء يبدأ جولة تفقدية بعدد من المشروعات التنموية والخدمية بالمنيا    وفاة طفل سقطت عليه عارضه خشبية داخل نادي شهير بطنطا    مرض السكري في العصر الرقمي.. كيف تُعيد تكنولوجيا الإنترنت تشكيل الوعي والعلاج؟    مواعيد مباريات اليوم السبت 31 يناير 2026 والقنوات الناقلة..«الأهلي وليفربول وبرشلونة»    الشركة المتحدة تحتفل بإطلاق مسلسلات رمضان في أوبرا العاصمة    السيسي: أطمئنكم أن الوضع الداخلي في تحسن على الصعيد الاقتصادي والسلع متوافرة    حركة القطارات| 90 دقيقة متوسط تأخيرات «بنها وبورسعيد».. السبت 31 يناير 2026    نادر هلال يقدم رؤية إنسانية جديدة في معرض «كاريزما»    حكم حضور «الحائض» عقد قران في المسجد    بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر إفريقيا يزور رئيس جمهورية بنما    رويترز: مصرع أكثر من 200 شخص في انهيار منجم كولتان شرق الكونغو الديمقراطية    هادي رياض: حققت حلم الطفولة بالانضمام للأهلي.. ورفضت التفكير في أي عروض أخرى    أطباء مؤسسة مجدي يعقوب يكشفون أسرار التميز: ابتكارات جراحية عالمية تنطلق من أسوان    الخارجية الأمريكية توافق على صفقة محتملة لبيع طائرات أباتشي لإسرائيل مقابل 3.8 مليار دولار    جراح القلب العالمي مجدي يعقوب: الابتكار روح المستشفيات وأسوان نموذج عالمي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"بشير" الإسرائيلي يفضح مذابح صابرا وشاتيلا .. و"آن ماري" الفلسطينية تسيء لقضيتها بجهلها!
نشر في نهضة مصر يوم 22 - 05 - 2008

أراد مهرجان "كان" أن يعوضنا عن حالة الإحباط والاكتئاب والملل التي انتابتنا بعد فيلم الافتتاح "العمي" الهزيل، بالخير الوفير، فإذا به يتحفنا عقب عرضه مباشرة بمجموعة من أقوي الأفلام التي شاهدناها في المهرجان الذي نتابع أعماله منذ عام 1982، ومن ضمنها مجموعة من الأفلام السياسية البارزة نرشحها للحصول علي جوائز من بينها فيلم "فالس مع بشير" الذي يمثل إسرائيل في المسابقة الرسمية، ونرشحه للحصول علي سعفة "كان" الذهبية"، فقد هزنا وحرك مشاعرنا الي حد البكاء مثل اليتامي في نهاية الفيلم، وفيلم "جوع" السياسي المذهل للبريطاني ستيف ماكوين الذي افتتحت به تظاهرة "نظرة خاصة" أعمالها، ونرشحه للحصول علي جائزتها وجائزة "الكاميرا الذهبية"، وفيلم "عمورة" الايطالي لماتيو جارون الذي نرشحه من الآن للحصول علي الجائزة ألكبري، ويحكي عن "الكامورا" أي المافيا النابوليتانية نسبة الي مدينة نابولي كما هزتنا مجموعة أخري من الأفلام الاجتماعية التي عكست بقوة مشاكل ومتناقضات مجتمعاتنا، وكشفت عن عصرنا بأهواله وحروبه وكوارثه، وتوهجت مثل كوكبة من الشموس الصغيرة مثل فيلم "ليونيرا" الاثير لبابلو ترابيرو من الارجنتين، وفيلم "3 قرود" الفني الفذ لنوري بياج سيلان من تركيا وفيلم "صمت لورنا" الإنساني العميق للأخوين داردين من بلجيكا.
وكنا قبل أن نعرض لمجموعة الأفلام المذكورة، شاهدنا فيلم "ملح هذا البحر" للفلسطينية آن ماري جاسر، الذي وعلي الرغم من مشاركة الممثل الأمريكي الكبير داني جلوفر مع مجموعة كبيرة من شركات الإنتاج والمؤسسات الثقافية العالمية في دعمه وإنتاجه، والاحتفالية التي رتبت في "كان" لاستقباله من العرب المتواجدين من نقاد وسينمائيين وصحفيين للاحتفاء به قبل عرضه، وبانتظار أن تنطلق مباشرة تلك الاحتفالية بعد عرض الفيلم مباشرة من منطلق أنه الفيلم الوحيد مع فيلم "بدي شوف" اللبناني الذي تم اختياره للعرض في قائمة "الاختيار الرسمي"، وهو يمثل بالتالي السينما العربية "الرسمية" خارج دائرة الأفلام العربية التي تعرض في "سوق الفيلم" في المهرجان.. جاء "ملح هذا البحر"، الذي لم يعجبنا علي الإطلاق، ساذجا ومباشرا ومحبطا ورديئا للغاية، وخال من أي فن للأسف.. غير فن التصوير السينمائي في الفاضي وسنشرح هنا أسباب فشل الفيلم في أن يستحوذ علي إعجابنا، وأغلب الظن أنه لم يكن يستحق أن يعرض في المهرجان، ولاشك ان الاحداث السياسية التي تمر بها المنطقة وحصار غزة واحتلال فلسطين، فرضت بقوة اختياره للعرض في تظاهرة "نظرة خاصة " علي هامش المسابقة الرسمية، وربما يرجع السبب إلي غياب أي أفلام عربية جيدة تستحق العرض في المهرجان الكبير.. و"ملح هذا البحر" وياله من عنوان شاعري جذاب علي الفاضي أيضا يسرد علينا حكاية الفتاة الامريكية الفلسطينية "ثريا" (28 سنة) التي ولدت وعاشت وتربت في حي بروكلين في نيويورك، حيث هاجرت عائلتها إلي الحي عام 1948 واستقرت هناك.. ونراها في أول الفيلم وهي تهبط في اسرائيل، ويقوم ضابط الجمارك بتفتيش حقائبها، ومن خلال استجوابها نتعرف علي تاريخها ونعرف ان والدها كان حلاقا وقد هاجرت اسرتها الي امريكا لكنها تنجح في نهاية الاستجواب في الحصول علي تأشيرة دخول وتقول لضابط الجمارك انها تعرفت علي فتاة اسرائيلية تدعي "كورين" تقيم في رام الله وستقيم معها، وتركب السيارة الي رام الله، وتتفرج من نافذة السيارة عند وصولها الي المدينة علي العلم الفلسطيني يرفرف فوق عامود الكهرباء وتسعد برؤية شباب فلسطين في رام الله بينما راح من جانبه يرحب بها وهاهي اخيرا تعود الي وطنها الأصلي، وفي اليوم التالي تذهب الي أحد البنوك
وتطالب بالاموال التي اودعها جدها في البنك من زمان مبلغ يصل الي 15 الف دولار وكسور وهي لاتعرف بعد ان الاموال الفلسطينية التي كانت مودعة هناك قد تم تجميدها، ولا يمكن بالطبع أن يصرف لها هذا المبلغ ابدا، ثم تتعرف علي شاب فلسطيني يدعي "عماد" يعمل في مطعم وتعرف منه انه حصل علي منحة للدراسة في كندا غير انه لا يستطيع الحصول علي فيزا للخروج من إسرائيل بل ولا يستطيع ان يغادر مدينة رام الله الي اية مدينة اخري في فلسطين ونتعرف تدريجيا علي رغبة ثريا في البقاء في وطنها بأي ثمن والعيش في فلسطين وتحكي لنا في الفيلم عن الذكريات التي كان يحكيها لها جدها والشوارع التي كان يتنزه فيها في مدينة يافا وتحفظ ثريا أسماء هذه الشوارع عن ظهر قلب بل وتعرف أيضا المقاهي التي كان يتردد عليها الجد ومن ضمنها مقهي غنت فيه أم كلثوم وآخر شدا فيه فريد الأطرش،
ومن خلال تجوال ثريا في الفيلم مع عماد نتعرف علي المنظر الطبيعي في فلسطين حيث يمكن من فوق احد التلال وفي جو صحو ان تري البحر في يافا هناك، وكان البحر الذي عبره الفلسطينيون الي المنفي آخر ما شاهدوا عند خروجهم من البلاد، ولذلك تكره ثريا البحر إذ يجعلها تستشعر بالحزن والمرارة لفقدان الوطن، وضياع البلاد في فلسطين وربما الي نهاية الزمن، وعليها الآن أن تفرض "عودتها" الي وطنها ورغبتها في الإقامة "المستحيلة" هناك بالقوة، ومهما كانت التضحيات..
وتفاجأ ثريا التي التحقت للعمل بنفس المطعم الذي يعمل فيه عماد بأنه من المستحيل وهي بلا أقارب أو أهل في فلسطين أن تحصل علي إقامة، ثم تطرد هي وصديقها الفلسطيني من المطعم وتتعرف من خلال توقيفهما بواسطة دورية ليلية إسرائيلية في رام الله علي الاهانات التي يواجها الشعب الفلسطيني داخل إسرائيل في كل لحظة، اذ يضطر عماد أن يخلع ملابسه ويتعري تماما امام صديقته أثناء تفتيشه، ونري في الفيلم جدار العار ونتعرف علي صديق عماد الذي يريد ان يصبح مخرجا لينجز أفلاما لا تحكي عن الحرب والدمار والبؤس في فلسطين المحتلة بل لكي ينجز أفلاما تحكي عن قصة حب رومانتيكية، ياللسذاجة. وتتطور الأحداث في الفيلم بشكل ميكانيكي، ولا يوجد في الفيلم الممل الذي قتلنا تفسيرا وشرحا مباشرا بالكلام والحكي أي سينما بالمرة أو اي جديد، وكل ما شاهدناه حتي الآن يبدو لنا مفتعلا، وخال من أي ابتكار او تجديد او فن، وواضح ان سيناريو الفيلم كله يعتمد علي "الكلام" والشرح والتقرير، وهو الامر الذي تكرهه السينما وتعافه، لأنها فن المخاطبة بالصمت والصورة فقط عن جدارة، غير أن الأغرب من ذلك ان تجعل أن ماري جاسر بطلة الفيلم ترتكب حماقة أو جريمة ضد القانون، اذ تقوم وهي ترتدي زي محجبة وبصحبة صديقها عماد وصاحبه بالسطو علي البنك لاستراد المبلغ الذي اودعه هناك جدها، ويسلمها موظف البنك تحت التهديد مبلغ 15 الف دولار وكسور، ثم انها تنطلق مع الاثنين بعد أن تنكروا ثلاثتهم في زي اسرائيليين الي يافا حيث هو ذاك البحر الذي تكرهه، وتعود لزيارة دارهم القديمة هناك وتسكن فيها فتاة اسرائيلية تقوم لاستقبالهم بود وترحاب وتدعوهم الي الدخول وتقول في الفيلم ان الجميع يريد السلام ماعدا القادة والحكام، ويحتشد الفيلم بكل تلك المواقف الاصطناعية المركبة تركيبا ولا يمكن للمرء هضمها، ولايمكن ان يكون الفيلم المكان المناسب لطرحها، بل كتب الجغرافيا والتاريخ والأطروحات الجامعية الأكاديمية الجامدة المملة ولذلك نجد أن الشخصيات في الفيلم مصنوعة، وهي موجودة أصلا لكي تنطلق في الكلام والشرح والتفسير، في حين أن السينما الفلسطينية تقدمت وتطورت كثيرا فنيا ودراميا، في أعمال سينمائية فلسطينية كثيرة لمخرجين فلسطينيين من أمثال ميشيل خليفي "عرس الجليل" ورشيد مشهراوي "حظر تجول" واليا سايمان "يد الهية" لكن يبدو ان مخرجتنا الفلسطينية لم تشاهد هذه الأفلام التي حققت طفرة للفيلم الفلسطيني ولم تشاهدها!
أرادت أن ماري أن تحكي قصة تاريخ وفلسطين وتشرح مأساة الشعب الفلسطيني وتجشمت من اجل ذلك الأهوال أثناء تصوير الفيلم في عدة مدن ومناطق فلسطينية داخل إسرائيل- وتجد كل ذلك مشروحا بإسهاب في ملف الفيلم الصحفي مع خرائط لفلسطين لشرح حقائق القضية، وحوار طويل مصنوع مع مخرجتنا تقول فيه ببجاحة انها شاعرة وتأثرت كثيرا بأشعار محمود درويش، ويبدو انها أخذت عنوان الفيلم من قصيدة له، كما تذكر انها تشتغل في السينما منذ عام 1994، غير ان فيلمها او أي فيلم لا يرحمه الكلام المكتوب عنه في أي ملف، حتي لو كان في مجلدات، ولا يدافع عن الفيلم الا الفيلم نفسه، وفنه، غير ان "ملح هذا البحر" للأسف لا يعلن عن ميلاد مخرجة او حتي نصف مخرجة، وبدا لنا عملا رديئا وهزيلا وفاقدا لاية مشاعر او أحاسيس حقيقية ومصداقية، بل مجرد تصوير فوتوغرافي فارغ ومسطح وتلفزيوني لكلام وحشو مكتوب، وتتعجب أن يطلق عليه اسم فيلم، وتتعجب أكثر ويا للأسف أن تختاره ادارة المهرجان لكي يعرض ويمثل سينماتنا العربية الجديدة في مهرجان سينمائي دولي مثل مهرجان "كان"، لكي نخرج منه ونحن حزاني، ونحاول ان نداري كسوفنا وخجلنا من "ملح هذا البحر" الأحمق المصنوع علي مايبدو لأناس لايعرفون البتة ما يحدث في فلسطين، او لم يشاهدوا اية افلام فلسطينية من قبل بالمرة
الرقص مع بشير في بيروت
علي الوجه المقابل يقدم فيلم "فالس مع بشير"
الإسرائيلي لمخرجه آري فولمان إنجازا وإضافة لفن السينما من خلال المزج بين التسجيلي والرسوم المتحركة، مثلما شاهدنا من قبل في فيلم "بيرسوبوليس" أو "مدينة الفرس" للمخرجة الفرنسية مرجان سترابي، والذي اعتبرناه "تحفة " مهرجان "كان" الحادي والستين، ويستحق الفوز بسعفته الذهبية عن جدارة. ويناقش فيلم "فالس مع بشير" حكاية جندي اسرائيلي هو مخرج الفيلم ذاته مع الألم والندم والإحساس بالذنب، فقد كان شاهدا علي مذبحة صابرا وشاتيلا حين شارك في عملية غزو اسرائيل للبنان في الثمانينيات، والفيلم كله عبارة عن "كابوس" مرعب يسكنك ومنذ أول لحظة. حين يلتقي مخرج الفيلم في أول مشهد بصديق له في بار، فيحكي له صديقه عن كابوس مرعب ينتابه في منامه كل يوم، وهو يشاهد في الكابوس 26 كلبا متوحشا، تركض في احياء المدينة وتنشر الرعب والفوضي في طريقهم، ثم تتوقف خارج داره وتنبح، وهو يتطلع إليها مرعوبا من نافذته في الليل، واعتبر هذا المشهد من أرعب المشاهد التي صدمتني بقوتها في كل أفلام "كان" 61 ولحد الآن.. ويواصل الصديق تذكره كيف كان يغتال هذه الكلاب عند دخولها احياء لبنان فقد كانت الكلاب عندئذ تنبح، وكانت مهمته ان يقتلها ويخلص عليها حتي تخرس والي الابد برصاص بندقيته كقناص، غير ان هذه الكلاب وعددها 26 كلبا، صارت اشباحا لكلاب ضارية بأنياب متوحشة مسعورة، تطارده كل ليلة في منامه، وفي اليوم التالي علي ذاك اللقاء، يبدأ باري مخرجنا وبطل الفيلم، في استعادة ذاكرة تلك الحرب المرعبة العبثية التي شارك فيها مع قوات الجيش الاسرائيلي في لبنان، وتبدأ صورها تتشكل في وعيه وضميره، وتخرج من كهوف الذاكرة مثل أهل الكهف بعد سبات عميق، وتصحو فجأة.. فاذا به يري صورة له وهو يسبح في البحر في لبنان مع بعض زملائه من الجنود، ويخرجون منه الي تلك المدينة الشامخة العملاقة بيروت، ويستشعر باري رغبته في ان يستعيد صور تلك الذاكرة واحدة بعد الاخري، ويبدأ الفيلم او كابوس "آري فولمان" الذي هز مشاعر كل الناس الذين شاهدوا الفيلم في المهرجان، في التشكل امامنا في ذلك الفيلم الرائع الذي بدا لنا علي الرغم من انه فيلم تسجيلي بالرسوم المتحركة، اكثر اقناعا وتأثيرا ومصداقية من أي فيلم واقعي بممثلين حقيقيين.. وستنسي بسرعة وانت تتابع صوره ومواقفه واحداثه مشدودا إلي مقعدك في ذهول من جمال الفيلم وحالة القلق والخوف والترقب التي تنتابك وانت تشاهده، انه فيلم"رسوم متحركة" ANIMATION لأنه سيسكنك ويتلبسك اكثر من الافلام الواقعية بكثير، فها هو آري يحكي حكايته عندما سافر الي هولندا ليسأل زملاءه من الجنود ان يحكوا له عن تلك الوقائع المرعبة التي عاشوها وخبروها اثناء الغزو الآثم، ويشيب لهولها الاصلع من الرعب، واحساسهم بالخوف والذنب، ومحاولتهم نسيان صور ذاكرة تلك الحرب المرعبة وما وقع فيها لهم باية طريقة.. وكان المخرج قد لف ودار بالفعل ليستجوب زملاءه من الجنود وكانوا آنذاك في ريعان الشباب وقمة الحلم والبراءة، لكي يستمع الي حكاياتهم وهو غير مصدق انه كان موجودا وحاضرا معهم كما استجوب احد قادة الجيش وبعد ان اخرج فيلما تسجيليا قام فيه بجمع شهاداتهم، حول الفيلم فيما بعد الي الرسوم المتحركة، وجعل طاقم الفيلم الفني يرسم الفيلم التسجيلي وشخصياته برسوماته ويظهر علي العكس من
فيلم"بيرسوبوليس بالألوان، وهكذا جعلهم تحت إدارته وإشرافه يصنعون فيلما باهرا ومؤثرا حركنا الي حد البكاء، حيث يأخذ الفيلم شكل "الكريشندو" أي يصعد بنا سلم الفيلم ويطور من أحداثه درجة بعد درجة، ولقطة بعد لقطة، ويضبط إيقاعه بحرفنة وحرفية عالية وغير عادية، لكي يصل تدريجيا وفي خط متصاعد الي الذروة في الفيلم، ويصدمنا بذلك المشهد التسجيلي الواقعي وهو المشهد الوحيد في الفيلم دون رسوم او تحريك مشهد مذبحة صبرا وشاتيلا، فيقصفنا بتلك الجثث المكومة للفلسطينيين في المعسكر من الأطفال والشيوخ والنساء، بعد دخول قوات الكتائب
المسيحية للانتقام من الفلسطينيين بعد اغتيال قائدهم بشير الجميل، وقيامهم بذبح سكان المخيم تحت سمع وبصر الجيش الإسرائيلي الذي كان يطلق في أجواء المدينة قنابل للإنارة، حتي يسهل لقوات الكتائب مهمتهم في الانتقام من الفلسطينيين في ليل بيروت البهيم.. ومن ضمن تلك الجثث المكومة في آخر مشهد في الفيلم، تصدمنا جثة هذه الفتاة الصغيرة التي ترفع وهي ميتة يدها الي السماء أن يا رب ارحم، وتلك المرأة الفلسطينية التي تبكي وتصرخ أن صوروا صورا، ودعوا العرب يتفرجوا، فين العرب فين يا ويلي!، ثم تروح تلطم وتضرب علي صدرها، ويحركنا هذا المشهد المؤثر الي حد البكاء..
فيلم "فالس مع بشير" أقوي الأفلام السياسية في المهرجان ولحد الآن، بدا لنا مثل حلم سريالي مخيف، بصوره ورسوماته التي تذكرك بأفلام السينما التعبيرية مثل فيلم "عيادة الدكتور كاليجاري" علي مستوي التشكيل في الصورة بالأضواء والظلال والألوان، وهو ما يكسب هذا الفيلم شخصيته ويمنحه توهجه الفني المبهر الخاص، ويجعل منه ربما أحد أقوي الأفلام المناهضة للحرب في كل تاريخ السينما العالمية، ولذلك كله نرشحه للفوز بجائزة السعفة الذهبية عن جدارة، بل ويجعلنا نقول أن رحلتنا الي المهرجان حتي او كان "فالس مع بشير" هو الفيلم الوحيد الذي عرض في المهرجان، كانت تستحق كل هذا العناء، وتلك المشاق التي تجشمناها..
"فالس مع بشير"


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.