ماذا لو كان النقيب الحالي هو نفسه الذي عاصر فريد الاطرش واسمهان والريحاني وماري منيب وبشارة واكيم وصباح والنابلسي وجورج ابيض امتزجت دهشتي من قرارالدكتور اشرف زكي نقيب الممثلين بمرارة تفوق مرارة العلقم لعدة اسباب.. منها مثلا ان الفن هو كما يعرف "ابداع وموهبة" ويستحيل ان يخضع للوائح وقوانين خاصة واننا انتقدنا لوائح الحكومة والقطاع العام التي تحدد "الأقدمية" معيارا للترقي دونما اعتبار للكفاءة والملكات الذاتية والاخلاص في العمل والحرص علي اداء الواجب الي آخر الصفات التي يجب ان يتحلي بها كل "طالب علا" والعجيب اننا نتشدق يوميا بالمنافسة الحرة ونسلك سلوكا معاكسا تماما في التطبيق.. ايضا من اسباب شعوري بالمرارة، ان كل المصائب ترتكب باسم مصر وحبا فيها فنحن لم يبق لنا تقريبا الا المجال الثقافي والفني لاثبات اننا امة واحدة بعد ان شرذمتنا السياسة واطماعها الرهيبة وبالذات اطماع الولاياتالمتحدةالامريكية التي تقتلنا يوميا بالاصالة في العراق والنيابة في فلسطين ولبنان ولا أفهم حقيقة سر هذه الهجمة الحادة علي الفنانين العرب الذين يشاركون في اعمال مصرية ولماذا يقرر النقيب ومعه آخرون ان حل المشكلة هو حرمان الفنانين الموهوبين والمطلوبين جماهيريا من العمل علي اساس اتاحة الفرصة للمصريين .. ان الفنانين المصريين هم اجمل سفرائنا لدي العالم العربي بأسره وليس ذنب الفنانين العرب ان بعض فناناتنا منهن متوسطات الموهبة ومنهن من يردن فرض شروطهن ورؤيتهن علي الفن المصري بدعاوي السينما النظيفة؟! وعدم تجسيد أدوار شريرة أو سلبية وهو ما لم نسمع عنه ابدا في أي مكان آخر ويعتبر الوصفة السحرية الخبيثة للاجهاز علي هذا الفن الذي حقق لمصر مكانة فريدة بين الدول العربية واحيانا علي مستوي العالم.. وسؤالي تحديدا هو هل "نطهر" الفن المصري من انسانيته؟ أي ان تكون جميع بطلاتنا المرموقات "قدوة حسنة" لا يأتيهن الباطل من امامهن أو من خلفهن؟ ان مجتمعنا مثله مثل كل المجتمعات فيه الطيب وفيه الشرير، فيه الصالح وفيه الطالح، فهل يعني قرار النقيب ومن يشاركونه الرأي باسم حب مصر ومصر للمصريين؟ اننا ندخل مرحلة مظلمة بتأميم الفن المصري لصالح تيارات بعينها لم نر علي ايديها الا ما نحن فيه الآن من ردة وتخلف بذرائع مختلفة؟ ماذا لو كان النقيب الحالي هو نفسه الذي عاصر فريد الاطرش واسمهان والريحاني وماري منيب وبشارة واكيم وصباح والنابلسي وجورج ابيض وعشرات النجوم العرب الذين أثروا الفن المصري وساهموا في انتشاره وتسيده في الوطن العربي بأسره؟ ان التحصيل العلمي ممكن ومتاح لكل من يسعي اليه، لكن الموهبة الفنية شيء آخر تماما ويستحيل ان تخضع للحصص واللوائح والادهي.. للوصاية، ان الفنان لا ينجح الا اذا قرر له الجمهور النجاح الذي لا يمكن ان يفرض عليه احد من يحب ومن لا يتقبل، فالجماهير لا تخضع لمقاييس يحددها شخص أو أشخاص، فنحن حتي اليوم نستمتع بالفنانين العرب الذين احببناهم جيلا بعد جيل.. ولنفرض مثلا ان جمال سليمان كان قد قام بالدورين المحددين له بقرار النقيب وقت ان رشحه المخرج الكبير اسماعيل عبدالحافظ لمندور أبوالدهب في حدائق الشيطان، هل كان نتيجة ذلك ان يحرمه النقيب ويحرمنا نحن المشاهدين من ادائه الرائع في مسلسل محمد صفاء عامر البديع؟ وهل لو تصادف وكان تيم حسن قد استنفذ الكوتة النقيبية قبل مسلسل الملك فاروق، كان من المفروض علينا استبداله بفنان مصري فقط لانه مصري؟ ولقد راعني استخدام النقيب لكلمات واوصاف غريبة اقل ما يقال انها غير لائقة- وذهب الي حد ابداء عدم اهتمامه بأن ينتقل الانتاج الي قطر عربي آخر غير مصر لاننا لسنا قوادين ولا مرتشين؟! انني مثلا من اشد المعجبين بالفنانة المصرية الشديدة الموهبة منة شلبي ولكني معجبة بنفس القدر بالموهوبة جدا التونسية هند صبري واتمني ان ننتج عشرات بل مئات الافلام والمسلسلات سنويا ويكون لمنة وهند منها نصيب كبير وياليت يكون لكل منهما عشرة ادوار سنويا. . الغريب ان يصدر مثل هذا القرار من فنان يعرف ان من يختاره لعمل ما انما يختاره لموهبته وليس لجواز سفره ان "شعار مصر للمصريين" شعار عزلة مكروهة.. ومصر لا يحدد مكانة فنانيها قرارات احتكار وكوادر ولوائح .. ان مصر لكل العرب من ولدوا علي ارضها الغالية ومن ولدوا علي أرض اشقائها والمحزن ان يأتي هذا القرار ونحن نشكو من تعثر كل مظاهر التجمع - ولا أقول الوحدة التي باتت حلما بعيد المنال في عصر التراجع القومي الذي يهدد وجودنا - فنحن نصرخ ليل نهار بضرورة التكامل بين اقطارنا وان نبدأ في تأسيس تعاون اقتصادي مشترك لنقف في وجه موجة العولمة العاتية وحيتانها الذين تزداد شراهتهم يوما بعد يوم لابتلاعنا أو بالاحري لابتلاع ثرواتنا ومقدراتنا ومن مبعث أسانا ان تتوحد أوروبا بألسنتها المختلفة وشعوبها كل بخصوصيته، حتي اصبحت عملاقا يحسب له ألف حساب ونحن هنا نسعي بدأب إلي كل ما يفرقنا ولا ندرك ان رفع لواء الانغلاق علي الذات هو السبب الاساسي في ضعفنا وانقسامنا الي كيانات صغيرة وضعيفة ومع كل ذلك فقد ظلت الثقافة والفن امضي اسلحتنا وشعاع الامل الوحيد في توحيدنا.. فالأديب المصري الموهوب يقرأه المواطن العربي اينما كان والصوت المصري الاصيل والبديع يطرب له هذا المواطن من المحيط الي الخليج والافلام المصرية تعرض في جميع العواصم العربية تقريبا ويستقبل فنانونا فيها أروع استقبال.. ولا اتصور ان لاحد مهما بلغت سطوته ومهما ساق من حجج ان يفرض علي مخرج ممثلاً معينا ويجبره علي التنازل عن اختياره الحر لمن يراه مناسبا للدور.. فهل يتخيل احد ان يقوم نقيب ممثلين في دولة أوروبية أو امريكية بفرض حصة أو كوتة كما يقال لفنانين من دول أوروبية أو أمريكية اخري؟ كما كان من رابع المستحيلات ان يمنع "حتي ماكارثي" عربي، أي مواطن من الاستماع الي صوت أم كلثوم بدعوة انها ليست سورية أو مغربية أو سعودية و غير ذلك من بقية أعضاء جامعة الدول العربية.. ومصر احدي مؤسسيها!! علي الاقل.. ارحموا الفن من القيود والبقاء للأكثر موهبة!! فالنقيب لا يمكنه "انشاء" موهبة بقرار ولا إقصاء موهبة بقرار آخر وآمل ان ينتبه الجميع الي خطورة مغزي قرار منع الفنانين العرب أو تحجيم ادوارهم في الاعمال الفنية المصرية وخطورة استغلاله من جانب كل من يضحكون في كمهم عندما نتحدث عن "الشقيقة" الكبري.. مصر.. والتي هي دائما كبري وكبيرة بأبنائها الكبار فعلا!