ذلك لأن مثل هذا الأمر أصبح من "المسلمات" التي اتفقت عليها العقول المفكرة، صاحبة الوعي المستنير. لكن، ماذا نقول ونحن اليوم أمام صورة من صور غياب مثل هذا الوعي التاريخي خاصة أنه مع الأسف الشديد يلحق بنا كمصريين، فيضرب بنا المثل في مثل هذه الأحوال التغافل عن الوعي التاريخي بأن هذه عادة "فرعونية" قديمة، منذ زمن حتشبسوت، علي وجه التقريب، حيث يحرص الفرعون الذي يتولي سدة الحكم علي أن يهيل التراب علي ما تم إنجازه خلال زمن من سبقوه، ليبقي هو "المنجز" الوحيد، دون أن يدري، أن من يأتي بعده سوف يفعل معه مثلما فعل هو بسابقه، مع أن المثل الشعبي الشهير وعي خطر هذا السلوك عندما قال: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك! مما يستتبع أن تثق أنك لن تدوم في موقعك، فاحرص علي ألا يبقي منك إلا السيرة العطرة، ولا تتغافل عما أنجزه سابقوك، ولا تحكم عليه مقدما بالإعدام! ومما يعرفه كل من يخطو علي أولي درجات المعرفة ان الطريق العلمي للمعرفة المتقدمة هو طريق "تراكمي"، كل جيل يحرص علي أن يستوعب ما سبق لمن قبله من أجيال أن عرفوه، ليبني هو استكمالا وتجديدا وتطويرا واستحداثا، مثلنا في ذلك مثل من يضع حجرا، فيجئ من بعده ليضع فوق الحجر الأول حجرا آخر، ليرتفع من ثم البناء ويعلو. لكن تصور، لو أن واحدا وضع حجراً ثم جاء من بعده يضع حجرا بجواره، ثم من جاء بعده يضع حجراً آخر بجواره.. وهكذا! النهج الأول هو النهج العلمي الصحيح الذي تحرص عليه الدول المتقدمة، والنهج الثاني هو نهج غير علمي، نجده غالبا سائدا في الدول المتخلفة. النهج الأول يؤدي إلي تغيير إلي أمام وتطوير وإضافة. والنهج الثاني إن لم يتراجع إلي وراء، فهو في أحسن أحواله "محلك سر".. ترجمة هذا كله تكمن في أن مصر، ومنذ أوائل القرن التاسع عشر، عرفت العديد من مشروعات الإصلاح والتطوير في التعليم، وخاصة منذ أن وضع أول تقرير لإصلاح التعليم في مصر عام 1880 علي يد لجنة برئاسة خبير التعليم السويسري "دور بك"، مروراً بتقرير عدلي يكن عام 1917، وعبدالعزيز جاويش عام 1925، وأحمد نجيب الهلالي عام 1943، وتقرير اللجنة الوزارية للقوي العاملة عام 1965، وورقة تطوير التعليم لمصطفي كمال حلمي عام 1979، والسياسة التعليمية لعبدالسلام عبدالغفار، واستراتيجية تطوير التعليم في مصر لأحمد فتحي سرور عام 1987، فضلا عن مشروعات متعددة، لم تصدر في صورة خطة أو سياسة أو استراتيجية.. إلي غير هذا وذاك من أسماء، هناك بالفعل فروق دقيقة بينها، لكن أصحاب الشأن غالبا ما يخلطون بين هذا وذاك. هنا يبرز سؤال حتمي: لماذا لم يتقدم التعليم، رغم كل هذه الاستراتيجيات والسياسات والخطط والتقارير، هل لعيوب كانت قائمة بها؟ هل لأن المسئول لم تتح له الظروف أن ينفذ ما خطط له وفكر؟ هل كان للقيادة ا لسياسية دور في التعطيل؟ هل كانت ظروف وأحوال عالمية أو إقليمية أو محلية داهمتنا، فقلبت الأوضاع رأسا علي عقب؟ وهل، وهل... الخ. التقويم والمتابعة، خطوتان تعدان ألف باء العمل في كل مجتمع. في كل زمان.. كيف نشمر عن سواعدنا ونرصد الملايين لتقويم التلاميذ، ونحن كقيادة لا نعرف التقويم الذاتي لما نعمل، والتقويم لما سبق جهودنا؟ هل معني هذا أن نغرق في بحث ودراسة كل هذا ونغوص في أعماق التاريخ، مما يمكن أن يستغرق وقتا طويلا؟ كلا، لم يكن مفروضا أن يفعل فريق البحث والدرس في صناعة الخطة الاستراتيجية هذا، لكن كان من المفروض، وهو بصدد التفكير والتقدير وصناعة الخطة، أن يكون من ضمن أعماله، تكليف لجنة من ذوي الاختصاص للقيام بتقديم رؤية عامة نقدية، تقويمية لمشروعات التطوير والإصلاح السابقة، علي الأقل من بعد الحرب العالمية الثانية، علي ألا ينصب الاهتمام في مثل هذه الرؤية علي التفاصيل والجزئيات وإنما علي النظر النقدي والتقويم والتحليل. ولو اطلع أصحاب الشأن علي كتابنا الذي صدر عن دار الهلال في سلسلة كتاب الهلال بعنوان (التعليم في مصر)، وهو غير العنوان الذي وضعه المؤلف، حيث كان من الأصل (قصة تطوير التعليم في مصر) لأمكنهم أن يستفيدوا إلي حد كبير، ولم يكن الأمر بحاجة إلي اعتمادات مالية، فأنا كنت سأتبرع بهذا الجهد، لسبب بسيط، هو أن الكتاب منشور. ان البعض يمكن أن يقول: أن الظروف التي كتب في ظلها تقرير اصلاح التعليم في مصر لأحمد نجيب الهلالي عام 1943، أو التي كتب فيها تقرير اللجنة الوزارية عام 1966، أو حتي ظروف استراتيجية سرور عام 1987، قد تبدلت كلية، ومشروعات التطوير والإصلاح لها تاريخ صلاحية مثل المأكولات والأدوية وغيرها، ونقول ردا علي ذلك، أن هذا يمكن أن يكون مبررا ومعززا لظهور الخطة الجديدة، فنذكر أن الظروف الماضية إذ فرضت علي أولي الشأن في التعليم أن يقولوا بكذا وكذا فإن ظروف اليوم تكشف عن انتهاء صلاحية هذا التصور أو ذاك، وتفرض هذا التصور الجديد الذي نقسمه. ودون أن نقصد التذرع بنظرية المؤامرة، حتي لا يسرع البعض برفع ذلك أمامنا متهما، فإننا نظن أن هذه الصورة من صور التأسي بالتفكير الأمريكي المهيمن الآن، كيف؟ فنحن نعلم أن الولاياتالمتحدةالأمريكية هي صاحبة تاريخ قصير للغاية، لا يزيد علي قرنين من الزمان إلا بسنوات محدودة، ومن هنا قد لا تجد لديهم احتفاء بالنظر التاريخي، حيث أنهم بلا تاريخ بالفعل. ومن المحزن حقا ان يقتفي أبناء أقدم شعوب الأرض، وأصحاب أطول تاريخ في العالم بجانب العراق ، وهم نحن أبناء مصر، أثر أصحاب أقصر تاريخ حضاري، فيكون تأثر سلبي في التعامل مع تاريخ أمتنا التعليمي، ومن هنا وجدنا الفريق الذي خطط ورسم لما يسمي تطوير كليات التربية قد حرص علي إلغاء الدراسة التاريخية التربوية، حتي يتخرج معلمو الأجيال الجديدة بغير ذاكرة تعليمية، وفضلا عن ذلك، فالمتابع لتطور مناهج التاريخ في التعليم العام لابد أن يلاحظ التقلص التدريجي لها. أعلم أن أحدا من الأمريكان لم يصدر تويجها لهذا وذاك من مسئولي التعليم أو الخطة الاستراتيجية بذلك، فهم ليسوا بمثل هذه السذاجة، ولكنها القاعدة الثقافية والاجتماعية التي عبر بها المثل القائل: "أطعم الفم، تستحي العين"!! فضلا عن القاعدة التي نبه عليها مفكرنا العظيم ابن خلدون منذ عدة قرون "المغلوب مولع بتقليد الغالب"، فما بالك، إذا كان هذا التقليد "حذو النعل بالنعل"، يجني آلافا من الجنيهات أو الدولارات مكافأة؟ وبالقانون، ووفقا للقواعد واللوائح!! وهكذا تبدأ الخطة الاستراتيجية في بابها الأول ب (تحليل الوضع الراهن)، علي أساس أن تاريخ الخبرات التعليمية في مصر لم يبدأ إلا عام 2000، و"حن" علينا تقرير الخطة بأن يسوق عنوانا في الفصل الثاني (ص33) مؤداه: "التطور التاريخي" حتي يوهمنا بتوافر الوعي التاريخي، دون دراية بأن هذا ليس تطوراً تاريخياً في حقيقة الأمر، حيث لم يتعد المدي الزمني 17 عاماً.. إنه حاضر.. وليس ماضيا.