اختارت إسرائيل أخيرا شيمون بيريز رئيسا للدولة، كما اختار حزب العمل يهودا باراك رئيسا للحزب، وقبل ذلك كان حزب الليكود قد استقر علي بنيامين نتنياهو رئيسا لحزب الليكود وباختصار فإن النخبة السياسية الإسرائيلية بعد أن لفت دورتها بين شخوص جديدة مثل أمير بيرتس وحتي يهودا ألمرت وتسيبي ليفني وغيرهم من النجوم عادت مرة أخري إلي من كانت تعرفهم من قبل ويمثل كل منهم قطبا من أقطاب السياسة الإسرائيلية علي اليمين واليسار، وكان لكل منهما مغامرة في محاولة حل الصراع العربي _ الإسرائيلي، بالقوة أو بالسياسة أو كلاهما معا. ومن المدهش أن كلاهما خرج من السياسة بفضيحة وكأنه لن يعود لها أبدا، ولكن كلاهما عاد ربما لأن النظام السياسي الإسرائيلي قد تعب من كل الخيارات الأخري أو لأن كل الخيارات الأخري لم تكن خيارات علي الإطلاق. وعندما جاء كاديما بقيادة شارون، وتبعه بيريز، كانت الخطة هي الانسحاب الأحادي الجانب، وكانت التجربة في غزة، وهناك كان الفشل أيضا، فقد كانت السياسة الإسرائيلية أشبه بالطبيب الذي يجري عملية جراحية لمريض علي مراحل متعددة بينما المريض ينزف طوال الوقت علي مائدة الجراحة. وربما كان اختيار شيمون بيريز للمنصب لا يشكل فارقا يذكر، فالمنصب غير مهم، والرجل بات موغلا في الثمانينيات، وفي كل الأحوال فإنه انتخب وهو عضو في حزب كاديما وليس في حزب العمل الذي عاش فيه ومثله وقاده معظم حياته. ولكن من يعرف بيريز سوف يعرف أن أصابعه لن تكف عن اللعب في السياسة حتي يموت؛ وفي وقت من الأوقات لعب دور السياسي المحافظ الفظ الذي يبني لإسرائيل قنابلها الذرية، وفي أوقات أخري لعب دور السياسي الناعم الذي يريد لإسرائيل، ومنطقة الشرق الأوسط أيضا- أن تنسجم مع العولمة. وببساطة كان صقرا أحيانا وحمامة أحيانا أخري، ولكنه كان في الحالتين يلعب بالسياسة الإسرائيلية، وبعد غياب شارون عن الساحة بالغيبوبة، فإنه هو الوحيد باليقظة الذي لا يزال يمثل جيل الآباء الأوائل للدولة العبرية. ثلاثتهم _ بيريز وباراك ونتنياهو- سوف ينتظرون نهاية مغامرة كاديما فلم يعد لها وجود كخيار سياسي أو حتي يعملون علي تقويضها من خلال تقرير فينوجراد الذي لم يكتمل بعد لا من حيث النص ولا من حيث التأثير. ولكن ذلك لا يعني بالضرورة العودة إلي الخيارات القديمة لأنها بدورها لم تعد لها وجود فلا لعبة نتنياهو للوصول إلي الهاوية من خلال القوة العسكرية والضغط المعنوي علي ياسر عرفات نفعت ولا عرض باراك للسلام أفلح. ولأن كلاهما لم يقدم سلاما عادلا أو حتي مقبولا يستطيع العرب العيش معه، فقد كانت النتيجة أن جاء عرب آخرون لا يريدون العيش مع إسرائيل علي الإطلاق، ولم تعد الليلة شبيهة بالبارحة علي أي وجه. وليس معلوما إلي أي حد يستوعب الطاقم الإسرائيلي السياسي الحالة الجديدة في المنطقة، أم أنه لا يزال أسير تلك الفترة التي عاشها من قبل حينما كانت هناك اتفاقية أوسلو يلعب بها الجميع من أجل تفصيلها علي المقاس الإسرائيلي؛ ولكن أيام أوسلو ولت وراحت ولم يعد هناك اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين يضع أساسا للاتفاق أو حتي للعراك. فلا خارطة الطريق لها قيمة، ولا الترتيبات المؤقتة أصبحت لها مرجعية، وبأشكال شتي فقد أصبح العالم كله مرهقا وساخطا علي العرب والإسرائيليين الذين لا يريدون الاتفاق، ولا يريدون الحرب، ولا يريدون صيغة دولية أو إقليمية للتسوية. ولأوقات طويلة كانت إسرائيل تشكو من أنه لا يوجد شريك فلسطيني جاهز للتسوية مع إسرائيل، وكان معني ذلك سياسيا أن يوجد شريك علي استعداد لتقديم التنازلات الضرورية لإقامة دولة فلسطينية. وفي أوقات أخري شكت إسرائيل من عدم وجود شريك فلسطيني كذريعة لكي لا تفعل إسرائيل شيئا علي الإطلاق إلا الضغط علي الفلسطينيين وحصارهم وامتصاص طاقتهم ونزع الحيوية عنهم. وبينما كانت تقيم الحجر علي السلطة الوطنية الفلسطينية كانت تترك نافذة للخروج الفلسطيني لمن لديه معرفة أو ثروة تكفي للتواجد مع العالم الواسع. وكانت النتيجة أن بقي في الأرض الفلسطينية من لا يملك، ومن لا يعرف، ومن يعتقد أن منظمة حماس سوف تأخذه إما إلي الاستقلال في الحياة الدنيا أو الجنة في الحياة الآخرة. ولكن أهم ما جاءت به حماس فقد كان عدم الاهتمام بالجائزة الإسرائيلية التي كانت تلوح بها للقادة الفلسطينيين وهي الدولة الفلسطينية المستقلة، ومن ثم لم يعد هناك مجال كثير للتفاوض الذي يجري عادة بين أطراف تسعي للحصول علي جوائز سياسية أو اقتصادية. وبالطبع فإن هذا التوجه من جانب حماس لا يقنع جميع أطراف الشعب الفلسطيني، ومن ثم لم يكن هناك مفر من الصدام وربما الحرب الأهلية، وباختصار حالة من الفوضي والسيولة التي تصبح امتدادا لحالة مماثلة في المنطقة تجد صورها المتعددة في لبنان والعراق والصومال والسودان، وكلها ليست بعيدة عن فلسطين وإسرائيل، وكلها مرتبطة بدرجة أو أخري بإيران التي يقول رئيسها إنه يريد إزالة إسرائيل من الخريطة. لقد تغيرت المنطقة بأكثر مما تعرف الجماعة الإسرائيلية، وأكثر ما يعتقدونه أن الظروف الجديدة تعني بناء تحالف بين القوي العربية "المعتدلة" وإسرائيل ضد الفوضي والراديكالية؛ ولكن مثل ذلك مستحيل في غياب سلام عربي _ إسرائيلي يقوم علي الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة في عام 1967 أي علي المبادرة العربية للسلام. وبدون ذلك فإن الدول العربية "المعتدلة" سوف تتعامل مع الفوضي والراديكالية الإسلامية الأصولية وحدها وبطريقتها الخاصة التي قد يكون من بينها التعايش والبحث عن أرضيات مشتركة. مثل ذلك علي الأرجح لن يكون مفهوما لا من قبل باراك ولا نتنياهو ولا بيريز، ومن الجائز تماما أن يتخبط ثلاثتهم كما تخبط ساسة إسرائيليون من قبل مثل ألمرت وبيرتس، ولكن من الجائز أيضا أن تغري الفوضي والتخبط القادة الثلاثة باستخدام المزيد من العنف وبذلك يكتمل اشتعال المنطقة !!.