إن ما يجري من حولنا يشير إلي انهيار نظامنا السياسي ذلك أن غالبية ساساتنا لا يميلون إلي التضحية بمصالحهم ولا بالجهر بأوجب واجباتهم إزاء الشعب أي توخي النزاهة وقول الحقيقة كاملة له في كل ما له صلة بالقضايا الصعبة والساخنة ونتيجة لتأثيرات سطوة رأس المال والمحاباة السياسية الانتخابية فقد أضحت الحكومة الامريكية بعيدة عن منال كل المواطنين" . بهذه السطور استهلت النيويورك تايمز الامريكية وعلي لسان كاتبها بوب هيربرت مقالا مطولا سبق انتخابات التحديد النصفي للكونجرس ببضعة أيام وما بين المقدمة والخاتمة يدرك المرء حالة السخط التي انتابت الشارع الامريكي من جراء سياسات الحزب الجمهوري والاداره الجمهورية عبر السنوات الست الماضية . وتقول نهاية المقال" إن نمط الديمقراطية الامريكية قد بات في أمس الحاجة لتجديده وضخ حيوية جديدة فيه لا سيما و ان من يتولون دفة القيادة الآن في واشنطن ليسوا أهلا لهذه المسئولية فيما يبدو وها قد حان الوقت لاستدعاء ذكاء القاعدة العريضة من المواطنين الأمريكيين وطاقاتهم وإبداعاتهم واستقطابها إلي مساعي التغيير السياسي الهادف البناء ". والحال أن الشارع الأمريكي الذي اختار الحزب الديمقراطي وفضل رجاله بشكل ساحق علي الحزب الجمهوري وأعضاءه ومكن الديمقراطيين من السيطرة علي الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ وللمرة الأولي منذ 12 عاما إنما يتساءل اليوم هل هذه السيطرة تكفل تغيير سياسات أمريكا الخارجية والداخلية دفعة واحدة ؟ غير انه قبل الإجابة يلزمنا التذكير ولو في عجالة بالأسباب التي آلت بالجمهوريين إلي هذا الدرك الأسفل فمما لاشك فيه أن مصمم استراتيجية الجمهوريين كارل روف والمعروف في أمريكا باسم عقل بوش قد حلم كثيرا بتحويل أمريكا إلي دولة الحزب الواحد " الجمهوري " والحق انه كاد ان يقترب من تحقيق هذا الحلم ذلك ان الفكرة التي تأسس عليها نظام الحكم في أمريكا هي الفصل بين السلطات ولم يسبق ان تركت السلطات الثلاث في يد حزب واحد كما جري أيام بوش حكومة جمهورية ، وكونجرس جمهوري ، وحتي رجال المحكمة الدستورية العليا اختارهم بوش من مقربي الحزب الجمهوري . غير أن الأخطاء القاتلة التي ارتكبها الحزب والحكومة جعلت سوط الانتخابات يسلط علي ظهور الجمهوريين فالمستنقع العراقي الذي فضح الأكاذيب الأمريكية بدءا من أحاجي أسلحة التدمير الشامل مرورا بتحقيق الديمقراطية وإحقاق الحرية وإعمال الأمن ونشر الأمان قد أصاب الجمهوريين في مقتل ، و جاءت الفاتورة لتكبد الاقتصاد الأمريكي مليارات من الدولارات جعلت عجز الموازنة غير مسبوق أضف لذلك ان الحرب العالمية التي تشنها واشنطن علي الإرهاب لم تحرز نصرا مبينا يمكن الجالس سعيدا في البيت الأبيض من التفاخر حتي ان تقريرا من 16 وكالة استخباراتية أشار إلي فشل الجهود الأمريكية في محاربته مع بقاء احتمال تعرض البلاد والعباد لما هو اشد هولا من 9 11 وتبقي الفضائح الأخلاقية لبعض أعضاء الكونجرس من الأسباب التي أصابت سويداء القلب الجمهوري في مقتل وكانت الهزيمة المنكرة . وعودة للإجابة عن التساؤل صلب الموضوع هل ستتغير سياسات واشنطن الخارجية والداخلية انطلاقا من هذا الانقسام الحادث بين حكومة جمهورية وكونجرس ديمقراطي ؟ هل سيعدل بوش من دفة الأحداث وزوايا الحركة ليواكب تطلعات الديمقراطيين التي نحا عنها كثيرا ؟ أظن ان هذا هو التساؤل الذي يشغل واشنطن اليوم وكانت مشاهد عدة قد تجلت في سماوات أمريكا عقب الانتخابات بساعات قليلة دللت علي نمو هذا الهاجس بشكل مضطرد ففي ظهر الأربعاء الماضي وبعد سيطرة الديمقراطيين أشار بوش في مؤتمره الصحفي الأول بعد الهزيمة إلي انه يتطلع إلي العمل مع الديمقراطيين في شان الاستحقاقات الداخلية كالصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وغيرها من القضايا الخارجية ، وبدورها كانت " نانسي بيلوسي المرشحة لرئاسة مجلس النواب كأول سيدة في تاريخ أمريكا ترد بكلام مشابه قوامه الرغبة في التعاون مع البيت الأبيض . غير ان الحديث المعسول لكلا الطرفين لا يعكس حقيقة الأمر فهناك نوايا من الجانبين تظهر ان احتمالية حدوث صدام أمر وارد وبقوة والدليل علي ذلك انه مساء الأحد السابق للانتخابات وفي مقابلة مع شبكة IBS الإخبارية الأمريكية قال رئيس الظل في أمريكا المعروف باسم ديك تشيني " انه ربما يطرأ تغيير في الكونجرس غير ان سياسات البيت الأبيض ستبقي كما هي وستمضي قدما وبكامل وجهتها مضيفا " إننا لا نفعل ذلك كي نرشح أنفسنا للمناصب وإنما نفعل ما نراه صحيحا فحسب". هل يعني هذا الحديث إصرار بوش وإدارته علي التمسك بما كان يراه علي الدوام "رؤية واضحة " حسب تعبيره الشهير؟ . يبدو ان ذلك كذلك والدليل ما صرح به احد استراتيجي البيت الأبيض للنيويورك تايمز بأنه إذا استدعي الديمقراطيون في الكونجرس الرئيس بوش فان معركة دموية ستنشب وهي استعارة لغوية كما يري الكاتب الأمريكي" بول كروجمان" تنطبق تماما علي بوش بالنظر إلي تاريخه في ترك القوات الأمريكية تواجه الموت في المعارك الدموية الضاربة التي تخوضها في العراق بسبب سياساته الفاشلة . ومعني هذا انه رغم فوز الديمقراطيين فان ذلك لن يضمن حدوث تغير جذري رغم التصريحات الكلامية في السياسات الحالية ، فالدستور الأمريكي وان كان ينص صراحة علي تساوي صلاحيات الكونجرس والبيت الأبيض إلا انه من غير المرجح ان يحترم بوش وجماعته روح الدستور . ومازلنا نذكر كيف ان بوش قد أعلن أكثر من مرة قدرته علي إلغاء أي قانون وقع عليه حتي في الأيام التي كان فيها الحزب الجمهوري يسيطر علي الكونجرس سواء كان القانون يتعلق بتحريم التعذيب أو يتعلق بتعيين أشخاص أكفاء في الوكالات الاتحادية المختلفة فما بالك إذا كان الكونجرس واقعا تحت سيطرة الديمقراطيين وعلي سبيل المثال كيف ستكون ردة فعل بوش إذا ما طلب الكونجرس ذو الأغلبية الديمقراطية شهادته بشأن التحقيق في حالات التربح من الحرب في العراق والتي أصبحت علي كل لسان في الآونة الأخيرة ؟ ورغم تصريحات البيت الأبيض التي جاءت علي لسان "دان بارلي " المستشار الرئاسي حول عقد بوش العزم علي عدم اقتصار جهوده واهتماماته بالخارج وبالسياسة الخارجية للبلاد وذلك في العامين المتبقيين له بل ينوي امتداد تلك الجهود إلي الداخل ومحاولة بناء ما تعرض لاهتزازات مادية أو أدبية فان الديمقراطيين لا يثقون في وعود بوش ويجزمون بأنه كان احد الأسباب الرئيسية في تدهور صورة أمريكا أمام العالم لاسيما بعد الغزو غير المنظم وغير المطلوب للعراق وعليه فان المشهد يحمل في طياته عودة الحديث المفزع بالنسبة للرئيس الأمريكي وهو حديث المساءلة عن الأسباب الحقيقية التي قادته لاتخاذ قرار غزو العرا ق وطرح موضوع العزل بجدية .