وقال "بلانك" إن العلم لا يستطيع أن يحل السر الكامل للطبيعة، وهذا يعود إلي أننا في الملاذ الأخير جزء من الطبيعة، إن الفنون والآداب محاولتان للتفسير ونحن نجد أنفسنا دائماً في مواجهة "اللاعقلاني"، وإلا لم يكن لدينا إيمان، وإذا لم يكن لدينا إيمان، أو إذا استطعنا أن نحل كل مشكلة باستخدام العقل البشري، فما أثقل أعباء الحياة عندئذ إذ لن يكون لدينا فن ولا موسيقي، ولا دهشة، ولن يكون لدينا أيضاً علم. ليس فحسب لأن العلم سيفقد جاذبيته العظمي أمام أتباعه، وأعني بها ملاحقة المجهول - ولكن أيضاً لأن العلم سيفقد حجر الأساس في بنائه ألا وهو الإدراك المباشر للوعي بوجود الحقيقة الخارجية، وكما قال أينشتين: "فإنك لن تكون عالما ما لم تعلم أن العالم الخارجي موجود حقيقة، وأن المعرفة لا تكتسب بأي عملية من العمليات العقلية، ولكنه استبصار مباشر، ولهذا فإن طبيعتها قريبة مما نسميه "إيمان" إنها عقيدة ميتافيزيقية". ويستبعد "بلانك" في أكثر من موضع من كتابه تماما التعارض ما بين العلم والدين، لأن أحدهما يكمل الاخر، فالعلم يضعنا علي أبواب النفس ليتلقفنا الدين، وكل شخص جاد ومفكر يتبين أن العنصر الديني في طبيعته يجب الاعتراف به - وتهذيبه - إذ أريد لكل قوي النفس الإنسانية أن تعمل بتوازن وتناسق، وليس من الصدفة ان كل المفكرين في كل العصور كانوا مؤمنين، حتي وإن لم يظهروا عاطفتهم الدينية، وقد ظهرت أروع ثمار الفلسفة نتيجة تعاون الفهم مع الإرادة، أعني بها القيم المعنوية. وقد يكون مما يستححق الإشارة إليه إن علماء الطبيعة هم أقرب العلماء إلي الدين، لأن رجل الدين ورجل الطبيعة ينظران إلي السماء، الأول عبر القرآن الذي وصف السموات والارض والشمس والقمر والرياح والأمطار والسحب وكلها دليل علي وجود الله، والثاني عبر التلسكوب الذي يريه هذه كلها رأي العين وينتهي به إلي اليقين الذي انتهي إليه رجل الدين، وكلام "أينشتين" في هذا لا يختلف عما يقوله رجال الدين وهو خير ما يدلل به علي أثر القلب علي العقل، وقد كان في أواخر عمره يقول: "إن الافتراضات التي أمكن التوصل إليها بالطرق المنطقية الخالصة كانت فارغة من الحقيقة تماماً "واستطرد" أؤكد أن الإحساس الديني الكوني هو أقوي وأنبل محفزات البحث العلمي". وقبل "بلانك" و"أينشتين" أوصي "جيتة" تلميذه "إيكرمان": "أن نفكر بالقلب". وهناك رؤية أخري ليست هذه المرة من أحد علماء الطبيعة، ولكنها للمفكر البريطاني C.E.Joad الذي رزق خلال الخمسينات جانباً من الشهرة، وأصدر عدداً كبيراً من الكتب عن الفلسفة، ووجهة نظره تلك نشرتها له المجلة العقلانية Rational Review عام 1946 تحت عنوان (لم أعد بعد عقلانياً) . On Being no Longer a Rationalist ، قدم لها بأنه لم يكن عقلانيا بالمعني الحاد، فإنه يؤمن أبداً بأن المادة هي الصورة الوحيدة للوجود، ولم يكن حتميا Determinist أي يؤمن أن حالة العالم أو أي جزء منه في لحظة ما، إنما هي نتيجة توزيع وتفاعل القوي التي سبقت هذه اللحظة، أو طبيعياNaturalist بمعني أن يؤمن بأن كل ما هو موجود إنما يعود إلي النظام الطبيعي الذي يمكن أن يكتشف بالعلم، وحصيلة هذا أنه لم يكن يؤمن أن العلم وبالتالي العقل هو الصورة الوحيدة للمعرفة، أو أنه المعيار الوحيد لمعرفة الحق. وكلمة Joad توضح مواقف كثير من المفكرين الأوروبيين، فلا يمكن أن يكون في العقلانية وحدها، وبالمعني الضيق والمجرد أو في الحتمية أو الطبيعة رضا مقنع لأي مفكر يستوعب الحياة والفكر والكون، إذ العقلانية وحدها فقيرة وجزئية وعاجزة تماماً عن الإشباع والإقناع. واستشهد Joad في كتابه "انتعاش الإيمان" الذي نشر عام 1951، أي بعد خمس سنوات من تاريخ الفقرات السابقة بفقرة جاءت في كتاب "برتراند راسل" (المنطق والإيمان) نصها: "إن التعارض ما بين العقل والملكات الغريزية هو في الحقيقة تعارض وهمي، لان هذه الملكات هي التي تؤدي الي الأفكار والعقائد، ويكون علي العقل بعدئذ تفنيدها أو تأكيدها، وحتي هذا فإنه يتم بالتوفيق ما بين أفكار وعقائد سابقة فالعقل هو عنصر تنسيق وتواؤم أكثر مما هو عنصر خلق وإبداع، وحتي في المجالات المنطقية الخالصة فإن البصيرة هي التي تصل اولاً إلي الجديد". ومن رأي "راسل" : "أن التعارض ما بين العقل والعقيدة إنما يحدث لدي بعض الناس عندما يضعف العقل أو عندما كتسب العقيدة قوة أحادية مفردة، لا تلحظ الجوانب الأخري، فالتعارض ليس أصلاً بين العقل والعقيدة". وبناء علي هذه النتيجة Joad انتهي إلي أن الدين ثمرة لاقتران العقل بالحدس أو البصيرة، وأن من الخطأ إعادة العلم إلي العقل وحده، وإعادة الدين إلي البصيرة وحدها. واستعراض الايات القرآنية للقلوب مع الاستئناس بما جاء بالأقوال السابقة التي بينت بعض ما كان غامضاً في هذا الصدد، يظهر لنا أن القرآن الكريم يخص القلوب أكثر من العقول بالجانب الايماني في عملية الفكر، بمعني أنه يفترض ايمانا يستلهم أصلاً من القلب يتصدي لكل معالجة فكرية أو علمية حتي لو كان هذا الإيمان هو الإيمان بالحقيقة الموضوعية والمجردة، بل إن هذا الإيمان هو أرقي مستويات الإيمان، لأنه بقدر ما يتصاعد ويرتقي، بقدر ما يقترب من فكرة الله، وبهذا يتلاقي مع الدين في ابرز معانيه، وهذا الإيمان هو ما يكفل للباحث العلمي استمرار دفعته لمواصلة البحث، وما يحول دون تراخيه، أو تغلب عوامل القصور والانتهازية، وبدونه يصبح البحث العلمي عملا روتينياً يتطرق إليه ما يتطرق إلي الروتينية والوظيفية من نقص، أو تتغلب النفعية وتفقد العقلانية موضوعيتها. وتوضح إشارات القرآن إلي القلوب أنها أوعية للإيمان أو للكفر، للخير أو الشر، الرحمة أو القسوة ومن ثم جاء تمثيل القرآن الكريم للإيمان والكفر بأربع سوة (امرأة نوح وامرأة لوط وامراة فرعون ومريم)، وأنزل الله الأديان علي القلوب "نزل به الروح الأمين، علي قلبك لتكون من المنذرين" (الشعراء 193، 194) ووكل حملها الي الانبياء، وليس الفلاسفة، وجعل حجتها التأمل والتفكير وهو صعيد مشترك يتلاقي عليه العقل والقلب ويتفاعلان، واعتبر المبرر الأكبر للنجاة يوم القيامة (القلب السليم) "يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتي الله بقلب سليم" (الشعراء 88،89). وأكد هذا المعني الرسول في كثير من الأحاديث "التقوي ها هنا يشير إلي صدره ثلاث مرات "جزء من حديث رواه مسلم، "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" وكذلك "استفت قلبك، وإن أفتوك .. وإن أفتوك"، وكذلك "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإن فسدت فسد الجسد، ألا وهي القلب"، ويمكن تطبيقاً لهذا أن يفهم ما روي عن الإمام أحمد بن حنبل عندما أخبر عن شخص أفتاه فقيهان لرأيين مختلفين فقال "لا يجوز له العمل بأيهما شاء، بل يعرض الآراء علي قلبه ويتبع ما يطمئن إليه قلبه"، ففي كل هذه الشواهد جعل اطمئنان القلب دليل الإيمان.