"عجبت لقوم ابتلوا بطاعون قاتل تبدت أعراضه في الرغبة المحمومة في المنع والقمع والمصادرة وملاحقة الأفكار وكبت الحريات دون أن يطرف لهم جفن، وبدلاً من أن يستتروا ويداروا أمراضهم عن الناس خرجوا يجاهرون بها، ويعلنون علي الملأ أنهم لن ييأسوا بل سيواصلون مسيرة المصادرة حتي آخر مبدع وآخر معقل للابداع". بهذه الكلمات المروعة استهل الكاتب والناقد المحترم مجدي الطيب مقالاً خطيراً علي صفحات "نهضة مصر" رصد فيه عدداً من الوقائع المثيرة في حياتنا الثقافية تمثل عدواناً سافراً علي حرية التعبير، تهدف - كما يقول في نهاية هذا المقال الذي يدق لنا أجراس الخطر - إلي "تكميم الأفواه وتضييق الحريات"، وهي محاولات "تصب في خدمة مؤامرات تسعي للعودة بنا إلي عصور الظلام والجاهلية" عن طريق "المصادرة وملاحقة الرأي الآخر وإغلاق نوافذ الحرية". هذه الصرخة التي أطلقها الناقد الجاد مجدي الطيب تنبهنا إلي أن حرية التعبير في خطر، وتلفت نظرنا إلي أن هناك من يتربصون بالقدر المتاح من مساحة الحرية للعصف به ووضع أقفال من حديد علي أفواه كل من تسول له نفسه مخالفتهم في الرأي أو محاولة السباحة عكس التيار. والخطر حقيقي وداهم ويستحق الانتباه والتصدي، خاصة وأن ما ذكره الزميل مجدي الطيب من نماذج لهذا الاتجاه المناهض لحرية التعبير والإبداع، ليس إلا غيضًا من فيض كما يقال. والدليل علي ذلك أن مقال مجدي الطيب تزامن تقريباً مع صدور تقرير بالغ الخطورة عن منتدي الإصلاح العربي بمكتبة الإسكندرية، إعداد وتحرير الدكتور جابر عصفور والدكتور محسن يوسف وتقديم الدكتور إسماعيل سراج الدين، بعنوان "حرية التعبير"، جاء فيه أن "السنوات الأخيرة شهدت تغيراً ملحوظاً أدي إلي زيادة مساحات الحرية في بعض البلدان العربية، وتزايدت معها المطالبة بالإصلاح والإلحاح علي فكرة الحريات العامة ورغم ذلك لا تزال أشكال الرقابة موجودة، وأشكال القمع والإرهاب للفكر الحر والإبداع الأصيل والاجتهاد المغاير موجودة، تبررها بعض الآليات التي تنتشر تحت اسم المصلحة الوطنية حيناً، وباسم الدين والتراث والهوية حيناً آخر. وهناك نوعان من الرقابة يمكن رصدهما في هذا المجال: الرقابة الرسمية التي تفرضها الدولة، وتنشئ لها أجهزة تعمل عليها، والرقابة غير الرسمية التي تنشأ عن القوي الاجتماعية غير المحسوبة علي النظام الحاكم مباشرة، وتقاوم أشكال حرية التعبير التي تتناقض وتختلف مع مشروعها السياسي والاجتماعي أو الفكري، وذلك من حيث هو مشروع يسعي في حقيقته إلي الحكم". ويوضح التقرير أن تحليل القيود المعرقلة لحرية الفكر والإبداع في السنوات الأخيرة، علي امتداد الوطن العربي "يكشف عن تنامي القيود القانونية علي الفكر والتعبير والابداع، وهي الأزمة التي تجسدها ممارسات الأجهزة الرقابية في مجالاتها المتعددة، ومن ملامح ذلك نجد الرقابة الرسمية في العالم العربي التي تمارس في بعض الأحيان الوظائف نفسها، او تتداخل وظائفها مع بعضها البعض .. ابتداء من الرقابة علي المطبوعات، مروراً بالرقابة علي المصنفات الفنية، وليس انتهاء بالرقابة المباشرة أو غير المباشرة علي وسائل الاعلام بالإضافة إلي الرقابة التي تفرضها الأجهزة الرقابية علي معارض الكتب، وتتجاوزها إلي معارض الفنون". لكن الأخطر من الرقابة الرسمية هو الرقابة غير الرسمية الموازية لسلطة الدولة والأكثر قمعاً في حالات عديدة. ويري التقرير أن دور هذه الرقابة الموازية قد تعاظم مع تصاعد نزعات السخط علي الأنظمة العربية التي فشلت في حالات عديدة في مواجهة مشاكل الجماهير وايجاد حلول حاسمة لها، فكانت النتيجة تشكل مجموعات ضغط معارضة للدولة، وموازية لها، تتخذ صبغات متعددة، أهمها الصبغة الدينية التي لا تزال تؤكد إمكانات التعاطف يبن هذه المجموعات والجماهير العريضة التي لا تزال تسود بينها ثقافة تقليدية محافظة. هذه الثقافة زادت هذه المجموعات تمكناً وتأثيراً واتساعاً، الأمر الذي جعلها قادرة علي الضغط والانتشار بأفكارها، ونظرتها التي تتميز - في حالات كثيرة - بضيق الأفق المقترن بالتعصب لا التسامح، والتقليد والاتباع وليس الابتكار والابداع، والنزعة الماضوية الضيقة لا النزعة المستقبلية المنفتحة علي تجارب العالم الحي الذي لا يتوقف تقدمه عند حد. وكانت النتيجة وجود أشكال رقابية جديدة، مقترنة بالقمع المباشر وغير المباشر، وما اغتيال عشرات المبدعين والمفكرين في الأقطار العربية المصابة بالتطرف والتعصب الدينيين، سوي عينات من القمع المقرون برقابة مجموعات التطرف الديني التي لا تقبل الاختلاف، وتعد كل خروج علي ما تراه كفراً وإلحادا. وقد اقترنت ممارسة العنف المادي المباشر الواقع علي المبدعين، بممارسة القمع غير المباشر الذي ظهر في محاولات الزج بالقضاء، وتوجيهه في اتجاه معاقبة المبدعين والمفكرين.. وترتب علي ذلك كله ازدواج الرقابة ما بين رسمية مرتبطة بالدولة .. وغير رسمية مرتبطة بالمجموعات الموازية للدولة والعاملة علي نقض المجتمع المدني، وتقليص مساحات الحرية المتاحة فيها. وهو الوضع الذي لا يمكن فصله عن طبائع الاستبداد المقترنة بصعوبة الاعتراف بالاخر، وعدم قبول الاختلاف، بوصفه الحق الطبيعي في السياسة والفكر والابداع والتأويل الديني علي السواء. ولا ينفصل عن هذا الوضع ما نلاحظه بصفة عامة من عدم فصل بين المنظور الاخلاقي والاجتماعي من ناحية، والمنظور السياسي أو الديني من ناحية أخري، خصوصاً في الدوائر التي تتعامل مع موضوعات الرقابة. والنتيجة هي تزايد معدلات فرض الوصاية التي تمنع حق الاختلاف في كثير من الممارسات التي تتعلق بحرية التعبير السياسي والفكر الديني والأفق الاجتماعي علي السواء، وهو ما يترك أسوأ الأثر في كل مجال، ويؤثر علي الابداع الحقيقي مع زيادة الاستبداد السياسي، والتعصب والجمود الفكري، والتخلف العلمي، والقيود الاجتماعية الصارمة. بيد أن الأخطر من الرقابة الرسمية هو - ما قلنا - الرقابة غير الرسمية وبالذات تلك التي تتخفي وراء الشعارات الدينية، بحيث تبدو الرقابة الرسمية أرحم مليون مرة من الرقباء "القطاع خاص". وعلي سبيل المثال فان الرقابة بالشكل الذي يمارسه مثقف نبيل ونزيه وواسع الأفق مثل علي أبو شادي تصبح "جنة" قياساً علي "جحيم" أولئك الأفراد "الأهالي" الذين ينصبون أنفسهم أوصياء علي خلق الله ويعطون لأنفسهم الحق في المطالبة بمصادرة هذا الرأي أو خنق هذا الابداع . للحديث بقية. [email protected]