لقد هاتفني حِكْمت قرضاي ابن عم الرئيس الأفغاني حامد قرضاي من كابول يوم الأحد الماضي قائلاً: عزيزي بارني، لقد فقدنا للتوّ أخاً عزيزاً لنا، بقتل أحد الانتحاريين ل"حكيم تانيوال"، حاكم محافظة "باكتيا" الواقعة في الحدود الجنوبية المشتركة مع باكستان، وقد أسفر ذات الهجوم عن مصرع اثنين آخرين كانا برفقته. وكانت الحادثة قد وقعت خارج مكتب "تانيوال" وفي السيارة نفسها التي كنت أجلس فيها إلي جواره، حيث تبادلنا حديثنا الأخير قبل خمسة أسابيع. أما لقائي الأول ب"تانيوال"، فيعود إلي عام 1985 لحظة انضمامه لعدد من المثقفين والمفكرين الأفغان الفارين من الغزو السوفييتي لبلادهم إلي مدينة بيشاور الباكستانية. وقد تفرق شمل هؤلاء المثقفين عندما أطلق متشددون إسلاميون النار علي رفيقهم المفكر والشاعر سعيد بهاء الدين وأردوه قتيلاً في منزله بمدينة بيشاور في فبراير عام 1988. ومن هناك هاجر "تانيوال" إلي أستراليا التي لم يعد منها مرة أخري إلي بلاده إلا مع تنصيب حامد قرضاي رئيساً لأفغانستان. وكما يشير اسمه، فقد كان هذا الباحث الاجتماعي الملتحي من أبناء قبيلة "تاناي"، وهي إحدي القبائل الأفغانية الحدودية التي كثيراً ما وصفت بالشراسة والنزعة المحاربة. غير أن "تانيوال" الذي عاش وتلقي تعليمه في الغرب استطاع تقديم وجه آخر للقبيلة، تمثل في حكمة الزعماء القبليين وقدرتهم علي تسوية النزاعات القبلية وتهدئة الخصوم بالكياسة واللباقة والفطنة المعهودة في الزعماء القبليين. وكان "حكمت قرضاي" الذي وثّق انتقال الهجمات الانتحارية وغيرها من الأساليب التي يستخدمها الإرهابيون اليوم إلي بلاده من العراق، قد حدثني عن أنه كان يسير مع الرئيس حامد قرضاي في حديقة قصره الرئاسي إثر سماعه لخبر مقتل "تانيوال". وتساءل كلاهما عن الكيفية التي يمكن بها للخبراء والمهنيين الأفغان أن يسهموا في إعادة وإعمار وطنهم، إن كانت حياتهم قد أصبحت علي كل هذا القدر من الخطر الإرهابي الذي يتربص بهم ويصطادهم الواحد تلو الآخر! وكيف للحكومة نفسها أن تفي بالتزاماتها إزاء شعب يكاد يكون قد فقد أي شعور بالأمل في إعادة إعمار وطنه؟ وفي آخر مرة تحدثنا فيها معاً، كان من رأي "تانيوال" أن السبيل الوحيد لبسط الأمن والاستقرار في ربوع أفغانستان هو مشاركة عامة المواطنين الأفغان في هذا الجهد. وجاء علي لسانه: "إن علينا أن نستثمر في السلام، لا الحرب". وعلي رغم تأييده للعمليات العسكرية القائمة علي المعلومات الاستخباراتية الدقيقة ضد أعداء الاستقرار والسلام والتقدم، فإنه يري أنه حتي لو أفلحت تلك العمليات في قتل أو أسر عدد من مقاتلي "طالبان"، فإنها لن يكون لها أثر باقٍ طويل الأمد علي مسيرة السلام والديمقراطية، دون توفر الدعم الشعبي وتحقيق التنمية الاقتصادية. وكان قد وافق علي الوجهة نفسها عشرة من زعماء القبائل والعشائر الذين سبق لهم أن اجتمعوا قبيل زيارتي الأخيرة ل"تانيوال"، نابذين في الوقت ذاته فساد المسئولين الحكوميين. وقال لي هؤلاء إن أكثر ما يضر بالأمن والاستقرار فقدان غالبية المواطنين للحد الأدني من الثقة بالحكومة نفسها.