سعدت بمقالة الدكتور يحيي الجمل في صحيفة "المصري اليوم" بتاريخ 14 أغسطس تحت عنوان "المقاومة..والعقل" برغم أنني لا أتفق مع كثير مما جاء فيها. وسبب سعادتي بالمقالة أنها عبرت بوضوح عن وجهة نظر الدكتور الجمل في موقف تاريخي خطير متصل بالحرب التي دارت خلال الشهر الماضي بين حزب الله وإسرائيل، وما بدا لسيادته من تأييد شعبي جارف لحزب الله بقيادة الشيخ حسن نصر الله كرمز للمقاومة ضد العدوان الإسرائيلي والولاياتالمتحدةالأمريكية. وكان الدكتور الجمل قد انتقد في مقالته أصواتا تَدّعي "العقلانية" والحكمة، وتحاول من وجهة نظره تحميل المقاومة العربية والإسلامية ممثلة في حزب الله مسئولية ما حدث من تدمير في لبنان، وإشاعة روح الخوف من أمريكا وإسرائيل، والدعوة إلي عدم التناطح مع قوي لا قبل لنا بها؛ ثم أعطي أمثلة من مصر (مثل سعد زغلول وعبد الناصر) ومن فييتنام (هوشي منه) ومن فرنسا (ديجول) لو كانوا من وجهة نظره اتبعوا ما يراه "العقلاء" لخافوا واستسلموا وما قاموا بكفاحهم البطولي. وسبب سعادتي بالمقالة، برغم عدم اتفاقي مع الآراء الواردة فيها، أنها جاءت من مُفكر كبير، ورجل قانون مخضرم، ومن الدّاعين لسيادة العقل - كما وصف نفسه عن حق في المقالة _ وكل هذا يضمن أن ما يعرضه من آراء في الموضوع لا ينطلق من موقف أيديولوجي مُسبَق ولكن من رؤية يجد فيها صاحبها مصلحة مؤكدة وقيمة عالية لمستقبل هذه الأمة. ولا أُخفي علي الدكتور الجمل أن عنوان مقالته خدعني في البداية، فقد أعطاني انطباعا سريعا بأنه ينوي الحديث عن ضرورة إعمال العقل عند تبني المقاومة، وأن المقاومة بدون عقل هي نوع من المغامرة الخالية من التدبر والحساب؛ لكنني صُدمت بأنه قد وضع "المقاومة" في كفة، والعقل أو العقلانية في كفة أخري، وكان من الأفضل أن يتكلم إذا أراد عن "المقاومة..والانهزامية والتخاذل"، وبذلك يكون قد وصف من قاموا بانتقاد مواقف حسن نصر الله بالانهزامية والتخاذل وليس العقل. وسوف أبدأ بدعوة مفكرينا وعقلائنا إلي المشاركة في هذا النقاش، وأقول اننا في حقيقة الأمر أمام مدرستين في التفكير: مدرسة تتحدث عن "المقاومة"، وأخري تتحدث عن "التحرير" (وليس العقل أو التعقل - فالعقل مطلوب في كل الأحوال حتي في المغامرات المحسوبة أما غير المحسوبة فلا عقل فيها بطبيعة الحال). وبالمناسبة لم أصادف في مقالة الدكتور الجمل ولو لمرة واحدة كلمة "تحرير الأرض" برغم تكراره لكلمة "المقاومة" كثيرا. لقد قادتني الظروف قبل اشتعال الحرب بأيام قليلة أن أكون في بيروت لحضور مؤتمر عن "الإصلاح الأمني" أُثير فيه بطبيعة الحال مُستقبل حزب الله، ووضعه في المستقبل داخل المنظومة الدفاعية والأمنية اللبنانية، ولفت نظري أثناء المؤتمر كثرة ترديد كلمة "المقاومة"..و"سلاح المقاومة"، وعزوف المؤيدين لحزب الله عن استخدام كلمة "تحرير" حتي عند الحديث عن مزارع شبعا، لأن الكلمة كما يبدو مرتبطة بهدف معين إذا تحقق ينتفي الغرض من قتال إسرائيل لأن الأرض تكون قد تحررت بالفعل. ومن الملاحظ أننا في مصر لم نكن نستخدم كلمة "المقاومة"، بل "تحرير سيناء"، و"استرداد طابا" لأن ذلك يجعل المهمة واضحة وقابلة للقياس ولها بداية ونهاية. وفي الحالتين _حالة سيناء وحالة طابا- تداخل العمل العسكري مع السياسي مع القانوني لاسترداد الأرض المحتلة، وبعد أن تحقق الهدف كان من المنطقي الانتقال إلي أهداف أخري وطنية متصلة بتقدم الوطن ورخائه. لقد قام حزب الله بعمل مجيد عندما حرر الجنوب من الإسرائيليين وطردهم مهزومين وصار الجنوب اللبناني محررا، لكن حرب حزب الله الأخيرة انتهت للأسف باحتلال إسرائيل للجنوب مرة أخري، وتدمير البنية الأساسية للبنان، وأصبح مطلوب منه بدء المقاومة من جديد، مع الاعتراف بأن إسرائيل قد أصيبت في هذه الحرب بضربات مؤثرة، لكن ذلك لم يغير شيئا من النتيجة الموجودة علي الأرض. وهناك بالفعل انتقاد شديد من داخل إسرائيل لأداء الحكومة والجيش الإسرائيلي، وهو انتقاد موجه في الأساس إلي الثمن الذي اضطرت إسرائيل إلي دفعه لإعادة احتلال جنوب لبنان وإبعاد حزب الله عنه وليس لأن أهدافهم من الحرب لم تتحقق. وفي كل الأحوال فإن الانتقاد العلني لإسرائيل والحديث عن نية تكوين لجنة تحقيق في جوانب القصور في إدارة هذه الحرب قد يشجعنا علي القيام بمهمة مماثلة فيما حدث من جانب حزب الله ومن جانب مصر والدول العربية، الأمر الذي حاول الدكتور الجمل مشكورا القيام به بشكل جزئي في مقالته وأدعوه لاستكماله من منطق المسئولية عن المستقبل. وهنا أوجه نظر الدكتور الجمل إلي تتابع الأحداث قبل الحرب حيث كانت مصر علي وشك حل مشكلة الجندي الإسرائيلي الذي نجح الفلسطينيون في أسره لكن آخرين أفسدوا الجهد المصري برغم تعهد إسرائيل لمصر بالإفراج عن أعداد كبيرة من السجناء والأسري الفلسطينيين. ثم كرر حزب الله العملية بدون استشارة حكومته وأوقع الجميع في أزمة مفاجئة بدون أن تعرف الدول العربية ما هو المطلوب منها بالضبط إلا السير وراء الشيخ حسن نصر الله حتي لا تتهم بالعقل والتعقل. وفي هذه النقطة يهمني أن أعرف رأي الدكتور الجمل: هل كان علي مصر بمجرد خطف حزب الله للجنديين الإسرائيليين الانسحاب من معاهدة السلام مع إسرائيل كما طالب البعض؟ وهل كان علي مصر أن تدفع بجيشها إلي سيناء أو توجه صواريخها إلي إسرائيل لمساعدة حزب الله؟ وهل غالبية الشعب المصري يريد ذلك بالفعل؟ وهل يري سيادته أن نسمح في مصر بحق تشكيل ميليشيات عسكرية تقوم بعمليات ضد الدول الأخري..وقد فكرت جماعة الإخوان المسلمين بالفعل إرسال عشرة آلاف مجاهد إلي لبنان؟ والإجابة علي تلك الأسئلة مطلوبة لأنها طُرحت بالفعل ومن الواجب محاولة الإجابة عليها لأنها سوف تقابلنا مع كل أزمة قادمة. إنني أختلف تماما مع نغمة الذل والهوان والانتقام للكرامة التي تشيع في مقالة الدكتور الجمل. فإسرائيل خلال العقدين الماضيين كانت في حالة انحسار مستمر بسبب عمليات التحرير المتتالية بعد أن كانت في حالة تمدد وتوسع بعد 1967 و 1982. لقد انسحبت إسرائيل من سيناء وطابا وجنوب لبنان وغزة ومساحات كبيرة من الضفة الغربية، وعاد إلي فلسطين بعد أوسلو مع عرفات آلاف الفلسطينيين بعد أن كانوا في شتات تونس واليمن وبلاد العالم الأخري. ولا أنسي الانتقادات التي وُجهت من حزب الصمود والمقاومة لحرب أكتوبر من لحظة انطلاقها الأولي ونعتوها بأنها حرب تحريك وليس تحرير، وبلغت مقاطعة مصر حد قطع العلاقات بعد توقيع معاهدة السلام وتحرير سيناء. ومؤخرا شن حزب المقاومة هجوما ضاريا علي عملية الانسحاب الإسرائيلي من غزة وإزالة المستوطنات قبل أن تعود إسرائيل إلي احتلال جزء منها ردا علي إطلاق الصواريخ الفلسطينية عليها من غزة. لم يكن هناك استسلام وخوف إذا، وتحقق النجاح وحدث التحرير فقط عندما أعملنا العقل _ وليس الفهلوة _ في الحرب وفي السلم علي حد سواء. وأعود مرة أخري إلي مقالة الدكتور الجمل وتشبيه حسن نصر الله بجمال عبد الناصر ووصفهما معا برموز للكرامة العربية. إنني مثل الدكتور الجمل أحب الزعيمين وأجلهما كثيرا لكنني لا أعتبرهما من رموز الكرامة العربية علي الأقل في إطار ما نتحدث عنه وهو الصراع المباشر مع إسرائيل. وأحيل الدكتور الجمل إلي كتاب الأستاذ هيكل عن حرب 1967 وكيفية إدارة عبد الناصر لهذه الحرب وما بعدها. لقد استعجب هيكل نفسه من ترشيح جمال عبد الناصر لشمس بدران لخلافته لولا أن هيكل نجح في إقناعه بتغيير رأيه. وبأمانة شديدة لا أستطيع منع دموعي كلما قرأت ما كتبه هيكل عن تلك الأيام الحزينة. كما أستعجب أن الدكتور الجمل لم يذكر اسم السادات مرة واحدة في مقاله بالخير أو بالشر، مادحا أو منتقدا لدوره، وكيف يصنف ما قام به الرجل في شئون الحرب والتحرير والسلام. لقد أعطي الدكتور الجمل أمثلة مفيدة من فييتنام وفرنسا لتدعيم وجهة نظره، وأنهم في البلدين لو انتظروا الاستماع للعقلاء لما انتصروا علي الإمبراطورية الأمريكية وألمانيا النازية. لقد اختار الدكتور الجمل مثالين كان للعقل - وليس المغامرة والاندفاع - دور عظيم في التخطيط والتنظيم والسياسة والحرب. أبدأ بحالة فييتنام، وعلي رأس ثورتها رجل واحد هو "هوشي منه"، لا يزاحمه عشرات من قادة الفصائل كما هو حادث في الحالة الفلسطينية حيث السلطة موزعة بين حماس والجهاد وجيش الإسلام والجبهة الشعبية..إلخ ففي الحالة الفييتنامية كان هناك قائد واحد، وجيش واحد، وهدف واحد، وهو تحرير ووحدة فييتنام. وعندما جاء وقت السياسة شاركت الثورة في مفاوضات باريس بجدية حتي تحقق هدف التحرير وبدأت بعدها مرحلة البناء. وتحتل فيتنام حاليا مكانة عالية في تصدير منتجاتها إلي الولاياتالمتحدةالأمريكية، وتتحول مثلها مثل الصين ونمور آسيا لتصبح جزءا من الاقتصاد العالمي. أما فرنسا _ وديجول بالذات _ فأحيل الدكتور الجمل إلي كتب هذه الفترة، ومعركة نورماندي، ومن الذي حرر فرنسا وباريس في النهاية، وكيف دخل ديجول منتصرا إلي شارع الشانزيليزيه، ومن الذي ساعده في ذلك، وهل كانت العملية عنترية من جانبه بل إنه تحالف ونسق مع الشيطان والملائكة حتي تحقق له ما أراد. وهاهم أحفاد ديجول يشاركون الأمريكان في صياغة قرار مجلس الأمن في الأزمة اللبنانية الأخيرة علي غير هوي الشارع العربي برغم علاقة فرنسا الخاصة بلبنان. وهي معضلة لا يمكن فهمها إلا من خلال إعمال العقل والعقل وحده فيما يجري حولنا من أمور.