ثمة العديدون في واشنطن ممن يعتقدون ان السياسيين المصريين انقلبوا حوالي الربيع الماضي بسبب التصميم الظاهر للرئيس بوش علي تشجيع التغيير السياسي في ذلك البلد، كما أنهم يعتقدون ان القيادة في القاهرة ارتدت إلي اساليبها القديمة الرديئة عندما ضلت عناية بوش. غير أنهم مخطئون في الاتهامين، فلم يسبق للتغيير العميق الانتشار في مصر، وربما كان بعض الامريكيين متحمسين للتغيير الجاري هناك، الا ان مستوي المشاركة السياسية للمصريين تنم عن حكاية مغايرة، اذ ان اقل من (5%) من جمهور الناخبين تجشموا عناء التصويت في استفتاء شهر مارس المنصرم حول السماح باجراء انتخابات متعددة المرشحين علي منصب الرئيس وربما صوت (20%) في الانتخابات الرئاسية نفسها. و تتسبب اساءة قراءة هذه الحكاية في ان الكثيرين يعتقدون ان علي الولاياتالمتحدة ان تقوّي الضغط علي مصر وتشترط الاصلاح السياسي المتواصل في معونتها لها، وهذه خطوة مفهومة بحسب الظاهر، وكذلك يحدث ذلك لاتباع سياسة خاطئة، وعلي حكومة الولاياتالمتحدة ان تواصل الضغط بعنف من اجل الاصلاح في مصر وعليها ان تنعم النظر عن كثب في اتفاقية المعونة، بيد ان الربط بين الامرين سيكون مسبباً معاكساً، هذا اذا لم يكن كارثة. وكما هي الفيلات الهرِمة في قلب القاهرة، فأن المعونة الامريكية لمصر هي التراث المضمحل لزمان آخر، ففي السبعينيات حينما كان السلام بين اسرائيل وأي من جيرانها العرب عبارة عن حلم أحمق وعندما كان نزع مصر من الكتلة الشرقية يمثل انقلاباً في الحرب الباردة كانت مصر جديرة بكل (مليم) تسلمته من مليارات الدولارات من المعونة الامريكية. وعقب ثلاثة عقود انتهي الاتحاد السوفيتي وكانت الجامعة العربية قد اعتنقت الحل المنادي بإقامة دولتين في الصراع العربي _ الاسرائيلي وخرائط الجزيرة تصنف اسرائيل هكذا، و مصر تمد يد العون إلي الولاياتالمتحدة في الكثير من الميادين _ خاصة ً فيما يخص التعاون علي محاربة الارهاب وقضايا السلام العربي _ الاسرائيلي _ غير انه من الصعوبة المتزايدة ايجاد شواهد تكون فيها المساعدة من مصر حيوية لإنجاح مهمة الولاياتالمتحدة الخطيرة. وفي الوقت ذاته فأن (60) مليار دولار من المساعدات الامريكية طوال (30)عاماً قد ولّدت ارتياحاً ضئيلاً في الشارع المصري، وحسبما جاء في استفتاء غالوب الذي أ ُذن بنشره الشهر الماضي فأن (72%) من المصريين يعتقدون ان الولاياتالمتحدة ليست جادة في تحسين الاوضاع الاقتصادية في الشرق الاوسط _ علي الرغم من المساعدات الامريكية. وقد تقرر الولاياتالمتحدة في الواقع تخفيض المساعدات لمصر طبقاً للحالة الموضوعية لكن تخفيضها كجزء من برنامج مشروط لن تكون غير نافعة وحسب بل ستكون مؤذية كذلك. علي ان الدراسات تقترح بأن مشروطية المعونة الاجنبية تنفع اكثر النفع عندما تركز تلك المعونة علي مقاييس موضوعية للاجراءات التي تسيطر عليها مجموعة صغيرة من الاشخاص، اذ ان جعل أسعار الفائدة التفضيلية علي أغراض الاحتياطي النقدي (جعلها) موقوفة علي الشروط يعتبر مثالاً مثالياً، وربط المساعدات باحلال الديمقراطية يمثل العكس تماماً، فاحلال الديمقراطية أمر ذاتي بشكل ردئ السمعة وهو نتاج ملايين من القرارات الصغيرة لكل يوم، وفي العديد من المقاييس وخاصة ً حرية الكلام فأن مصر اكثر حرية ً مما كانت عليه حتي قبل ثلاثة أعوام، غير أن القمع لتظاهرات الشوارع في الاسابيع الاخيرة يعتبر اشارة إلي ان حرية التصرف متأخرة إلي الوراء، ومن المستحيل قياس أي من هذين الجانبين بدقة. وبعيداً عن المطبوعات الاكاديمية ثمة اسباب اخري تجعل نفع المشروطية السياسية مع مصر أمراً غير محتمل، والسبب الاول في ذلك هو انه من المستبعد ان ملايين الدولارات في شكل معونة ستقنع القيادة المصرية بالهدوء والراحة عندما تشعر بأن بقاءها علي المحك، فانهيار النظام العام في العراق قوّ ض إلي حد أبعد أساس ثقة القادة المصريين في ان رأي الامريكيين أفضل من حكمهم هم في هذا الخصوص، والسبب الثاني هو ان المسئولين المصريين يشعرون بأخطار حقيقية من التطرف الإسلامي، اما السبب الثالث فهو أنه ولمدة أكثر من قرن كان المصريون مفرطي الحساسية تجاه الاوامر التعسفية الاجنبية بسبب تاريخ البلد الطويل مع الاحتلال. إلي هنا والحكومة المصرية قد كذ ّبت مؤيدي احلال الديمقراطية بصفتهم ادوات أجنبية علي الرغم من اكتسابهم سمعة حسنة محلية لدفاعهم عن الامة ضد المكيدة الخارجية، وفي أية مشاحنة علنية بشكل بالغ حول ما اذا كانت مصر قد وفت بالشروط المفروضة من الولاياتالمتحدة سيتجمع المواطنون بلا ريب حول الحكومة وسينعزل أصدقاؤنا، بالاضافة إلي ذلك ستكون الحكومة المصرية أقل تعاوناً إلي حد كبير بخصوص مجموعة قضايا أمنية مهمة مما يرفع بشكل كبير كلفة العمليات العسكرية والاستخباراتية الامريكية، وبلا شك ستفضل الحكومة المصرية ايذاء مصالحها الخاصة بها علي ان يتم اذلالها. وجعل المعونة موقوفة علي الشروط قد يشعرنا بشعور أفضل الا أنه لن يغير مصر، اذ نحن بحاجة إلي طريقه أقل بهرجةً وأكثر فاعليةً، ونحتاج بالفعل إلي اعادة تصميم برنامج المعونة غير أننا يجب أن نقوم بذلك بطريقة تسمح للمصريين بادعاء النصر فيما يتم تخفيض مبلغ المعونة الاجمالي. كما اننا بحاجة لجعل محترفينا الامنيين والاستخباراتيين يعملون مع نظرائهم المصريين للتوصل إلي فهم مشتَرَ ك للتهديدات المشتَرَ كة خاصة ً فيما يتعلق بالتطرف والعنف، وتسعي مثل هذه الجهود إلي التوصل إلي اتفاق حول انواع النشاط السياسي التي لا تشكل تهديداً للنظام العام. وأخيراً تحتاج الولاياتالمتحدة إلي الاستمرار في الضغط من أجل انفتاح أكبر ومشاركة أكبر في مصر، فالعالم يتغير والاساليب القديمة في التحكم السياسي لم تعد تجدي نفعاً، والحكومة المصرية تعي ذلك وتسعي للتكيّف، وقد تكون جهودها غير كافية أو غير مجدية وعليها ان تتعايش مع العواقب، ودورنا يجب ان يكون التشجيع والحث ّ، فالدخول في مباراة علنية لإضرام النار مع الحكومة المصرية سيكون له التأثير المعاكس تماماً. الكاتب هو مدير برنامج الشرق الاوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن