علي امتداد السنوات الخمس السابقة عمد الرئيس بوش إلي شن الحروب كلما عنَّ له ذلك. وإذا ما احتاج ضباط الاستخبارات التنصت علي المكالمات الهاتفية الخارجية دون إذن قضائي كان يسمح لهم بذلك، كما كان يرخص باحتجاز المشتبه بضلوعهم في الإرهاب دون محاكمة. واليوم بعد قرار المحكمة العليا رفض عرض المشتبه بهم علي محاكم استثنائية تكون قد وضعت حداً لفكرة أن الرئيس هو وحده المعني بالدفاع عن البلد. فقد قررت المحكمة العليا أنه حتي القائد الأعلي للقوات المسلحة عليه التقيد بأحكام الدستور وعدم الخروج عنها أو تخطيها كما فعل بوش في الآونة الأخيرة. وبالنسبة للعديدين في واشنطن لم يعكس القرار حكماً قانونياً مرتبطاً بمقتضيات الدستور الأمريكي فقط، بل هو شجب واضح وصريح لفلسفة الرئيس التي اعتمدت طيلة الفترة السابقة علي مبدأ العمل الفردي والأحادي دون أخذ الإذن من أحد. وفي الوقت الذي يعتبر فيه بعض المسئولين أن تلك الفلسفة هي مصدر قوة الرئيس بوش، يعتبرها البعض الآخر سبب الانتقادات الشديدة التي تعرضت لها إدارته. وعلي الصعيد السياسي يحمل قرار "المحكمة العليا" في طياته العديد من التداعيات. فهو يمنح فرصة سانحة لمنتقدي الرئيس بوش لكي يثبتوا مدي جنوح إدارته عن الطريق الصحيح المتمثلة في احترام التشريعات والقوانين الدولية، خاصة في معتقل "جوانتنامو" الذي أصبح رمزاً لانتهاكات الإدارة الأمريكية. وقد صار بمقدور المشرعين الأمريكيين التطرق إلي قضية المشتبه بهم في الإرهاب ومناقشة وضعهم القانوني في وقت بالكاد يتم فيه تناول مواضيع مماثلة قبل أشهر قليلة علي موعد الانتخابات التشريعية. وربما كان هذا النوع من المساءلة ما يحاول الرئيس بوش تفاديه عندما قرر الذهاب إلي حرب غير تقليدية ضد عدو غير محدد المعالم عقب أحداث 11 سبتمبر. فقد دفعه حرصه علي القفز عن النقاشات القانونية إلي التأكيد علي الصلاحيات الدستورية للرئيس الأمريكي وأهميتها في اتخاذ القرارات الحاسمة. وفي ظل الوضع الذي تلا الهجمات الإرهابية علي أمريكا انصاع معظم رجال القانون إلي فلسفة بوش، ما عدا بعض الاستثناءات حين قررت المحكمة العليا قبل سنتين الحد من قدرة الإدارة الأمريكية علي احتجاز المشتبه بهم لفترات غير محددة. وقد شكل قرار الإدارة الأمريكية بإقامة محاكم استثنائية لمقاضاة العناصر المتورطة في الإرهاب بدل المحاكم المدنية، أو العسكرية، محاولة منها لاستحداث هياكل قانونية جديدة تتعامل مع قضايا الإرهاب دون الخضوع للمنظومة القضائية المعروفة. وذكرت مجلة "نيويوركر" أن اتخاذ قرار إنشاء المحاكم الاستثنائية قد تم من دون التشاور مع وزير الخارجية حينها كولن باول، أو مستشارة الأمن القومي في ذلك الوقت كوندليزا رايس، بعدما نجح "ديفيد أدينجتون"، المستشار القانوني لديك تشيني، في إقناع بوش بإمكانية إخضاع المشتبه بهم في جرائم مرتبطة بالإرهاب لمحاكم استثنائية. غير أن "جون رادسون"، وهو محامٍ سابق لوكالة الاستخبارات المركزية، عارض إدارة الرئيس بوش قائلاً: "بدلاً من تبني الإدارة لآراء متطرفة حول الصلاحيات الموسعة للرئيس، كان عليها العمل مع الكونجرس الأمريكي في وقت مبكر أي في 2002 عوض الانتظار إلي غاية 2006". يذكر أن إدارة الرئيس بوش وظفت النظرة ذاتها حول الصلاحيات الموسعة للرئيس كي تقوم باحتجاز مواطنين أمريكيين لفترات غير محددة والتعامل معهم كأعداء مقاتلين، ثم منعهم من حقوقهم القانونية التي تمليها اتفاقية جنيف للأسري مثل حق الحصول علي محامٍ والمثول أمام المحاكم. والأكثر من ذلك سمحت الإدارة بمقتضي سلطات الرئيس باستخدام وسائل قاسية في إجراء التحقيقات، وإقامة سجون سرية للمشتبه بهم في دول أجنبية. ويعتقد المراقبون أن قرار المحكمة العليا القاضي برفض المحاكم الاستثنائية يعيد إلي الأذهان سوابق أخري في التاريخ الأمريكي حين كانت تتضخم فيها سلطة الرئيس في أوقات الحروب ليلجمها الكونجرس بعد تدخله.