في حركة مفاجئة، نجحت كوريا الشمالية أحد عناصر محور الشر طبقا للتصنيف الأمريكي في جذب انتباه العالم ولو لأيام معدودة بعيدا عن إيران زميلتها علي نفس المحور، وباستخدام نفس الأسلوب، وهو ابتزاز الدول الكبري عن طريق التلويح بتطوير الأسلحة النووية أو الصواريخ بعيدة المدي. مثل خُط الصعيد، أو زعماء المافيا المشهورين، تحاول العشوائيات السياسية ابتزاز النظام الدولي المضطر إلي دفع الفدية، وهو في الحقيقة يدفع ثمن عجزه عن تنفيذ العدالة علي الجميع. الفكرة الأساسية الموجودة في ذهن الدول الكبري أن هناك نوعين من الدول: الأول مسموح له امتلاك الرؤوس النووية والصواريخ بعيدة المدي، والنوع الثاني ليس من حقه التعامل مع تلك الأشياء الخطرة، وعليه أن يركز جهده في التنمية وتحسين مستوي معيشة مواطنيه، من خلال الاندماج في نظامه الإقليمي والعالمي. هذه التفرقة قبل بها كثير من الدول فتخلت عن مشاريعها النووية والصاروخية الطموحة، ووضعت كل مواردها في التنمية، إلا قليل منها مثل إيران وكوريا الشمالية ومن قبل العراق وليبيا وأحيانا كوبا اختارت أن تسير ضد التيار، وأن تبتز العالم والمنطقة التي تعيش فيها، بإظهار قدرتها علي تطوير أسلحة نووية وصواريخ بعيدة المدي الأمر الذي يضع الآخرين في موقع الاختبار، فإما دفع الفدية، أو الصدام، مع تحمل تكاليف المواجهة والمغامرة بالاستقرار العالمي والإقليمي. خلال فترة رئاسة كلينتون كانت نظريته تقوم علي الاقتراب من تلك العشوائيات الدولية. كان الرجل مؤمنا بأن قليلا من المال والصبر والعمل السياسي الدءوب يمكن أن يساهم في إدخال هذه العشوائيات في النظام الدولي، وبالتالي تحويلها بعيدا عن المغامرات النووية أو الصاروخية. نجح كلينتون في أيرلندا الشمالية، وكان علي وشك النجاح في فلسطين، وتأخر قليلا في حالة كوريا الشمالية بعد أن كان قريبا من إنجاز اتفاق معها. في تلك الفترة، اتبعت كوريا الجنوبية سياسة تحويل عقلية الشمال من الاهتمام بالنضال والنقاء الثوري، إلي الاهتمام بالاستثمار وتحسين مستوي المعيشة. وأقامت بالفعل مصانع في مناطق معينة في كوريا الشمالية عمل فيها عمال ومهندسون حصلوا لأول مرة علي أجور لم يكن يحلمون بها من قبل. وتطورت هذه السياسة مع الوقت، لكن النظام في كوريا الشمالية ظل علي حاله لاختلاف سياسة بوش عن سياسة كلينتون، ولتبني الأول خلافا عن الثاني لفكرة التهديد العسكري التي لم تثمر شيئا حتي الآن. كان شعار كلينتون: إنه الاقتصاد ياغبي!! وكان يعني أن الفقر هو الشر أو كما قال علي بن أبي طالب: "لوكان الفقر رجلا لقتلته". لذلك قام بتخفيض ميزانية القوات المسلحة الأمريكية إلي أدني مستوي لها بعد الحرب الباردة، وكون فائضا هائلا في الميزانية الأمريكية، ولم يعد هناك عاطل واحد في الولاياتالمتحدة. علي مستوي القوة، قرر كلينتون أن يوقع علي اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية، لكن الكونجرس الأمريكي الواقع تحت سيطرة الأغلبية الجمهورية وقف له بالمرصاد بحجة أن العالم مازال خطرا، وأن أمريكا القوية لا يجب أن تنزع من يدها سلاحا غير مضطرة لنزعه. وفي مجال الصواريخ، ضغط اليمين الأمريكي علي كلينتون لتطوير درع دفاعي ضد الصواريخ الباليستية لم يكن مقتنعا به. وكانت حجة الجمهوريين أن أمريكا مهددة بصواريخ يمكن أن تضربها من كوريا الشمالية أو من العراق، أوعن طرق الخطأ من روسيا أو الصين. في تلك الفترة خرجت المخابرات الأمريكية بتقرير يقول إن الخطر الصاروخي الموجه للولايات المتحدة أمامه من 10 15 سنة حتي يكون خطرا حقيقيا. لكن لجنة أخري من الكونجرس برئاسة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الحالي قررت أن تقرير المخابرات ليس دقيقا، وأن الخطر سيكون وشيكا في ظرف خمس سنوات علي الأكثر. ونتيجة لذلك وُضعت بلايين الدولارات في تطوير نظام مضاد للصواريخ لم يدخل العمليات بعد في الولاياتالمتحدة، لكن تردد أنه قد وُضع في حالة استعداد لمواجهة أية مخاطر قد تنتج من تجربة محتملة لصاروخ كوري شمالي بعيد المدي تم رصده مؤخرا في وضع الاستعداد للانطلاق. الاختبارات التي تمت علي النظام الأمريكي لم تكن كلها ناجحة، وحدث في النظام تعديلات كثيرة، لكن أحداث العراق غطت علي كل ذلك ولم يعد العالم يتحدث إلا عن بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي ودارفور والمحاكم الإسلامية، وهي صور جديدة من التهديد لا تجدي معها تلك النظم الصاروخية المتقدمة. الولاياتالمتحدة تمر الآن بمرحلة تغيير في السياسات. في حالة كوريا الشمالية وافقت علي الانضمام إلي نظام التفاوض السداسي المكون من الولاياتالمتحدة والصين وروسيا وكوريا الجنوبية والشمالية واليابان بعد أن كانت ترفض الجلوس مع كوريا الشمالية علي مائدة واحدة. علي نفس النمط وافقت الولاياتالمتحدة بعد فترة تردد طويلة علي الجلوس علي طاولة واحدة مع دول مجلس الأمن بالإضافة إلي ألمانيا وفي وجود ممثل من الاتحاد الأوروبي للخروج بعرض قُدم إلي طهران يحتوي علي حوافز اقتصادية وتكنولوجية وسياسية. فإذا قبلته طهران فسوف تجلس معها أمريكا علي نفس المائدة لتدارس حالة الأمن الإقليمي ودور إيران فيه. أمامنا الآن حالتان حرجتان سوف يمتحن فيهما النظام الدولي بشدة. هناك احتمال أن تركب كوريا الشمالية رأسها وتطلق الصاروخ، وقد لا يصب الصاروخ أحدا بضرر، لكن مجرد إطلاقه سوف يخلق حالة من التهديد الواقعي لن يمكن محوها بسهولة من الإدراك الدولي والإقليمي العام. ونفس الشئ ينطبق علي إيران إن هي صممت علي استمرار تخصيب اليورانيوم ورفض العرض الدولي المقدم لها. في حالة رفض كوريا وطهران سوف يدخل العالم إلي منطقة توتر جديدة أقل ما سوف يحدث فيها تنفيذ سلسلة من العقوبات الدولية علي الحكومتين، وأعتقد أن العالم سيكون حازما في ذلك لأن الاقتصاد العالمي سيكون كله في خطر إذا نجحت الدولتان في فرض إرادتهما علي الجميع. أما إذا وافقت الدولتان علي العروض المقدمة لهما، فسيكون ذلك بداية ظهور لصور جديدة من الأداء الدولي المعتمد علي المزج بين الأدوات الدولية والإقليمية في مزيج سلس فعال. وهو ما بدأنا نلحظه منذ فترة في السودان ودارفور والصومال، وأيضا فيما تقوم به الجامعة العربية المنفتحة الآن بقوة علي أكثر من تيار دولي وأكثر من أزمة إقليمية