يتعين علي الحكومة بما تتمتع به من هيئات ان تظهر رباطة جأشها عند اللجوء إلي الدعاوي الجنائية ولا سيما إذا ما توافرت وسائل أخري للرد علي هجوم أو انتقاد غير مبرر من جانب خصومها أو من جانب وسائل الإعلام. الحدود الموضوعة علي نطاق القيود: من الثابت الآن علي مشروعية بعض القيود المفروضة علي المواد التي قد يتم نشرها سواء لغموضها الشديد، أو لأنها لاتخدم أحد الأهداف المشروعة أو لأنه لا يمكن تبرير الحاجة اليها. وتتضمن هذه القيود حظر نشر أخبار كاذبة وفي السنوات الأخيرة اعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في العديد من المناسبات عن قلقها بشأن وجود نصوص تتعلق بنشر الأخبار الكاذبة في القوانين السارية في الدول. فعلي سبيل المثال ذكرت اللجنة في عام 1999 بشأن دولة الكاميرون ما يلي: أعربت اللجنة عن بالغ قلقها بشأن محاكمة ومعاقبة الصحفيين لارتكابهم جريمة نشر أخبار كاذبة وذلك فقط علي أساس ان الأخبار كانت كاذبة ودون توافر أية أسباب أخري فيما يعد خرقا واضحا للمادة رقم 19 من العهد الدولي. وبالمثل عند إلغاء النص الخاص بنشر أخبار كاذبة ذكرت المحكمة العليا بزيمبابوي الآتي: يحتوي النص علي عبارات مطولة ويتسم بالغموض الشديد فيما يتعلق بالقيود التي يفرضها كما تمثل تهديدا شديدا "حيث لن يكون الفرد علي يقين مما إذا كان ما يقوله أويكتبه سيؤدي إلي محاكمته أو سجنه". وعليه لا يمكن ان يظل هذا النص ساريا. وتفرض كل دولة قيودا من نوع معين علي حرية التعبير وذلك لحماية النظام العام والأمن القومي في الوقت نفسه تعد تلك القيود بمثابة مفاهيم عامة في غاية المرونة لذا ينبغي تفسيرها علي نحو أدق كيلا تتسبب في منع الحوارات السياسية علي نحو ضار. وتتجلي مظاهر التوتر بوضوح في القوانين التي تحتوي علي هذا النوع من القيود علي حرية التعبير وقد تمثل الاسلوب الأساسي الذي اتبعته المحاكم للمواءمة بين هذه القيم في المطالبة بوجود ارتباط كاف بين تعبير معين الذي يقع علي النظام العام أو الأمن القومي. وقد اهتمت المحاكم عند تقييمها لهذا الارتباط بعدد من العناصر مثل خطورة التعرض للضرر وقرب وقوع الضرر ووجود رابطة سببية بين التعبير والتعرض للضرر وخطورة الضرر في حد ذاته وتوافر بعد الأخذ في الاعتبار الطبيعة الجنائية لتلك القيود نية احداث الضرر لدي المتهم. وقد اقرت المحكمة العليا بالهند ضرورة وجود ارتباط وثيق بين التعبير والتهديد بوقوع الضرر: ان التزامنا تجاه حرية التعبير يقتضي عدم قمع تلك الحرية ما لم تكن الظروف الناشئة عن السماح بتلك الحرية ظروفا ملحة وما لم تتعرض مصالح المجتمع للخطر، ولا ينبغي ان يكون الخطر المتوقع مبهما أو تخمينيا أو بعيد الاحتمال كما ينبغي ان يكون وشيك الحدوث ويرتبط ارتباطا مباشرا بالعبارات المذكورة وينبغي ان تمثل العبارات المذكورة خطرا فعليا علي مصلحة المجتمع. وبمعني آخر يجب ان ترتبط تلك العبارات ارتباطا وثيقا بالفعل المتوقع حدوثه وان ينطوي ذلك الفعل علي إثارة الأخرين بحيث يعمل عمل الشرارة في برميل البارود. وقد قامت المحكمة العليا بالولاياتالمتحدةالأمريكية بوضع اختبار واضح لتقييم القيود التي يفرضها النظام العام علي حرية التعبير وعندما يتصل الأمر بالدفاع عن أو التأييد المباشر لاحداث الشغب واحتمال وقوع أعمال مخالفة للقانون. ان الضمانات التي يكفلها الدستور لحرية التعبير وحرية الصحافة لا تجيز للدولة منع أو حظر تأييد استخدام القوة أو خرق القانون مالم يكن ذلك التأييد موجها للتحريض علي القيام بعمل وشيك مخالف للقانون أو يؤدي لحدوثه وما لم يكن من المتوقع ان يحرض علي ذلك العمل أو يؤدي لحدوثه وقد أكدت محاكم الولاياتالمتحدة علي ضرورة وجود عمل وشيك مخالف للقانون. ففي دعوي "ويتني" ضد ولاية كاليفورنيا قررت المحكمة العليا بأنه لا يمكن اعتبار الخطر الناشيء عن التعبير خطرا واضحا ما لم يكن العمل الضار الذي يخشي وقوعه قريب الحدوث إلي درجة انه يمكن حدوثه قبل امكانية مناقشته وإذا ما توافر الوقت لكشف الكذب والزيف من خلال النقاش وتجنب حدوث الضرر من خلال عملية تعليمية، فان الحل واجب التطبيق يتمثل في مزيد من التعبير وليس في فرض الصمت. ان الدعاوي المتعلقة بالجرائم المرتكبة ضد النظام العام مثل التحريض علي العصيان لم يعد لها وجود فعلي في العديد من الدول ففي المملكة المتحدة لم تعد هناك دعاوي متعلقة بالتحريض علي العصيان منذ عام 1947 وفي استراليا ينص التعديل الصادر عام 1986 علي ان اقامة الدعاوي يتطلب توافر نية التحريض علي أعمال العنف أو حالات الشغب او ازعاج السلطات. ولم يتم تطبيق هذه النصوص مطلقا وفي إحدي دعاوي التحريض علي العصيان التي اقيمت في كندا عام 1951، تم تعريف المخالفة القانونية بصورة بالغة الدقة لدرجة انه لم يتم تطبيق هذا التعريف مطلقا وقد قررت المحكمة العليا في تلك القضية. ان توافر نية إثارة الكراهية ضد الجهاز المسئول عن إدارة العمالة وازدرائه وإثارة العصيان ضده لا يعد تحريضا علي العصيان ما لم تتوافر النية كذلك لتحريض الناس علي القيام بأعمال ضده