المجتمع الرشيد هو الذي تقوم بين أفراده علاقات اجتماعية تؤكد إنسانية الإنسان فيه وتثبت كرامته وتدعم حريته والإنسان مخلوق كرمه الله تعالي بالعقل الذي يميز به الخير من الشر والحق من الباطل وبالإرادة التي يختار بها طريق الهدي والرشاد وقد ذكر القرآن الكريم نبأ هذا التكريم في قوله تعالي: "ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلاً" هذا المجتمع الرشيد يطلب من أبنائه ان يحافظوا علي سيادته فلا يخضع لمجتمع سواه ولا ينتقص من أرضه أو من حماه ويدعوهم إلي أن يحتفظوا باستقلالهم وبكيانهم ويدعوهم إلي أن يكون ولاؤهم لبعضهم دون دخيل عليهم "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" ويحرم عليهم أن ينقلوا ولاءهم لأجنبي عنهم دخيل عليهم "لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه" ويسجل تاريخ المسلمين في أنصع صفحاته صوراً من التطبيقات العلمية لهذه المبادئ فقد روي أن عبدالله بن أبي سلول رأس المنافقين في المدينة حاول مرة أن يثير فتنة بين المهاجرين والأنصار فأشار عمر علي الرسول بالأمر بقتله وعرف عبدالله بن عبدالله بن أبي وكان مسلماً حسن الإسلام غلطة أبيه واحتمال أن يأمر الرسول بقتله فجاء إلي الرسول يقول له: يارسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي فإن كنت فاعلاً فمرني فأنا أحمل إليك رأسه وبذلك كان يعيش المسلم لمبادئه أكثر مما يعيش لأهله وذويه.. ولما نزل قوله تعالي "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتي يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين" وسمعها العرب قالوا في إيمان ويقين: الله ورسوله أحب إلينا من كل ذلك فالله تعالي يتمثل فيه الكمال المطلق والخير المطلق والعدل المطلق ورسوله تتمثل فيه القيادة المخلصة التي تقود جماهيرها إلي حياة العزة والكرامة فحبهما حب لجميع الفضائل التي تدفع مجتمعهم إلي التقدم والانتصار. والمجتمع الرشيد يكون أفراده مؤمنين حق الإيمان المؤمن وعقيدته هدف أول له في حياته فيجب عليه من دينه أن يحافظ علي هذا الهدف ويقاتل في سبيله وينفق ماله في سبيله ويضحي بولده في سبيله ويهاجر في سبيله فليس الإيمان وسيلة لغاية أخري في الحياة الدنيا. ليس مصدراً لرزق في مهنته ولا طريقاً لجاه ولا سبيلاً إلي شهرة إنما حياة المؤمن تعبير عن إيمانه في سلوكه الإنساني تعبير عن هذا الإيمان نضاله من أجل وطنه تعبير عن هذا الإيمان سعيه للعمل وإتقانه له تعبير عن هذا الإيمان ولاؤه لقائده تعبير عن هذا الإيمان جهره بكلمة الحق واجتناب قول الزور تعبير عن هذا الإيمان إنه خشية من الله في نفس المؤمن تدفعه من غير رقابة خارجية نحو الاستقامة إنه حب لله يملأ القلب ويستولي علي الفؤاد إنه الأمل الدائم فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون إنه طريق السعادة والتمكين في الأرض حسبما وعد الله تعالي عباده المؤمنين في قوله "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا".