حينما أخبرني الدكتور أسامة الغزالي حرب بنيته للاستقالة من الحزب الوطني الديمقراطي شعرت للوهلة الأولي بخسارة كبيرة للجماعة الإصلاحية داخل الحزب عبرت عنها بأكثر من وسيلة عبر وسائل الإعلام، كما أنني لم أستبعد أن تكون هناك خسارة لجماعة الإصلاح في البلاد حينما لم يكن واضحا أبدا إلي أين سوف يذهب الصديق منذ أربعة عقود. ولكن الوهلة الثانية، وبعد أيام من التأمل، وبعد أن عبرت عناصر أخري في الحزب عن رغبتها في الخروج بينما استقال واحد علي الأقل، فإن المسألة كلها لم تعد علي بساطتها الأولي وبدت جزءا من عملية أكبر ربما يكون فيها فائدة للحزب وللبلاد. وليس سرا علي أحد أنني كنت من المعترضين علي عودة المنشقين إلي الحزب الوطني الديمقراطي بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة حينما كان واضحا لي _ ولآخرين _ أن هناك مفارقة منطقية عظمي بين الترشيح ضد الحزب ورفع الشعارات المضادة له، بل والاستفادة الانتخابية من معارضته، ثم يعد ذلك الانضمام له دون حتي فترة من الاختبار توضح أسباب الخروج وأسباب العودة. ولكن ما كان أهم من اللياقة السياسية فقد كان حاجة الحزب للتحول من كونه معبرا عن " تحالف قوي الشعب العاملة " إلي حزب يعبر عن مجموعات من المصالح والأفكار والمناهج التي يعتقد في أنها تحقق خير البلاد ويمكن الدفاع عنها من قبل جماعة تتبناها. فحتي وقت كتابة هذه السطور فإن الحزب ظل دوما مظلة واسعة تضم أصحاب اليمين واليسار والوسط الفكري، والدولة ورجال الأعمال، ومن لم يجد له مكانا في أي حزب آخر. ولم يكن ذلك أبدا حالة مريحة خاصة بعد ظهرت بعض علامات التغيير السياسي _ شكليا كان أو موضوعيا _ وبدأت حالة من البلورة لكافة القوي السياسية من خلال عمليات للانشقاق والانشطار في كافة الأحزاب والقوي السياسية تقريبا. ولم يكن ممكنا استثناء الحزب الوطني مما كان جاريا في حزب الوفد وحزب الغد والأحزاب والحركات الناصرية المختلفة، وحتي حركة الإخوان المسلمين التي لم يخرج عنها حزب الوسط فقط بل إنه ظهر من خلال الحركة السياسية أن تمايزات جوهرية تتصاعد بين أعضائها. ما جري إذن في الحزب الوطني الديمقراطي هو جزء من عملية أوسع للتغيير تجري داخل الحياة السياسية المصرية سوف يكون لها نتائجها علي المدي المتوسط والبعيد. وربما كانت المعضلة في عملية التغيير هذه، وأشكالها المشوهة، هو وجود أمران علي الأقل يمنعان الحركة الطبيعية لهذا التغيير أولها قانون الأحزاب الذي يضع قيودا كثيرة علي قيام الأحزاب الجديدة من جانب، ومن جانب آخر يعطي الحزب الوطني قدرا من الإشراف _ من خلال رئاسة أمينه العام للجنة الأحزاب- علي قيام أحزاب معارضة. مثل هذه الحالة لقانون الأحزاب تجعل عمليات الانشقاق أشبه بالانقلابات وليس تعبيرا عن اختلافات سياسية يحلها قدرة كل طرف علي الاحتكام لصناديق الانتخاب. وثانيهما قانون الطوارئ الذي يقيد الحياة السياسية بصفة عامة ومن بينها عملية ظهور أحزاب جديدة. إن اختفاء هذين العاملين وانسحابهما من الحياة السياسية المصرية سوف يعطي لعملية الفرز داخل الأحزاب المصرية طبيعتها، ولا يحولها إلي مواجهات سياسية أو إعلامية، وساعتها يكون بوسع الدكتور أسامة الغزالي حرب أن يطرح مشروعه السياسي ليس كخروج علي حزب بقدر ما هو توفير اختيار جديد أمام الإنسان المصري. وفي هذه الحالة لا تكون المسألة مساجلة حول ما لم يعجبه في الحزب الوطني وإنما حول ما يطرحه حقا علي الرأي العام المصري، وعما إذا كان ما هو مطروح حقا، أو أنه لا يختلف عما طرحته الجبهة الوطنية من أجل التغيير وغيرها من الحركات السياسية التي تبلورت خلال المرحلة الأخيرة. وما ينطبق علي رجلنا ينطبق أيضا علي الأعضاء الآخرين المستقيلين من الحزب، فقد انتهي ببساطة العهد الذي بمقتضاه يكون الحزب المطية الذي يحصل من خلالها الأفراد أو الدوائر الانتخابية علي مميزات خاصة لمجرد كونهم أعضاء في الحزب " الحاكم " لأن ما يقدمه الحزب ليس سلسلة من الخدمات وإنما منهج في الإصلاح الاقتصادي، وكما نأمل منهجا في الإصلاح السياسي أيضا. وهكذا فإنه قد يكون محمودا أن نجد عمليات الاندفاع للدخول إلي الحزب بعد الانتخابات التشريعية من قبل أعضاء ناجحين سوف تجد منطقيا اتجاها مقابلا للخروج نتيجة الفرز السياسي القائم علي فرز الأفكار والمصالح من ناحية، والتغير الطبيعي _ والصحي أيضا _ في العلاقة بين الحزب والحكومة وهي مسألة جوهرية في صحة الحياة السياسية. فمع تبني الحزب لبرنامج إصلاحي يختلف أو يتفق مع البرامج الإصلاحية الأخري في البلاد فإن شرطا أساسيا لبناء مصداقية الحزب والنظام السياسي ألا يقوم التأييد للحزب والبقاء فيه علي كم الخدمات الخاصة التي يمكن أن يقدمها. ومن الطبيعي تماما في هذه الحالة أن يبحث العضو في الحزب عن سبل أخري _ ليس من بينها الابتزاز _ من أجل تحقيق مصالح المؤيدين له سياسيا. وبهذه الطريقة تعود السياسة للبلاد كعملية تفاعل خلاق بين جماعات تبحث من خلال عملية سلمية عن تحقيق القدر الأكبر من المصالح للجماعة الأغلب، وتكف عن كونها عملية حكومية بدائية تجري في بلد متخلف يتم فيها خصخصة السياسة بينما تجري فيها عملية لتأميم الاقتصاد، بينما في المجتمعات المتقدمة والنامية بحق فإن العكس تماما هو ما يحدث.