ظهر جون بولتون سفير الولاياتالمتحدة في الأممالمتحدة وحيدا بائسا داخل القاعة الفسيحة وحوله باقي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة يصفقون بحرارة وفرحة بعد أن حصل قرار إنشاء مجلس لحقوق الإنسان تابع للمنظمة علي موافقة كل الأعضاء ما عدا أربعة علي رأسهم أمريكا وإسرائيل. كان يوم الموافقة علي إنشاء مجلس لحقوق الإنسان يوما من أيام الأممالمتحدة العظيمة، وانتصارا لكوفي عنان السكرتير العام الذي وقف وراء المشروع، ويوما من أيام الإنسانية بعد أن أصبح لها مجلسا عالميا يتبني قضايا الإنسان الفرد في عالم قاس ومفترس. لكنه بالتأكيد لم يكن يوما من أيام الولاياتالمتحدة التي بدا ممثلها في الأممالمتحدة في عزلة كاملة عن آمال البشرية، كاشفا عن وجه قبيح ومنطق متعالي فاسد سوف يصيب صورة الولاياتالمتحدة بضرر بالغ لن يجدي إنفاق بلايين الدولارات في إصلاحه. حادثة إنشاء مجلس جديد في الأممالمتحدة لحقوق الإنسان، وخروج الولاياتالمتحدة عن الإجماع الدولي في شأن تدعي هي أنها أول من يدعو إليه وتدافع عنه، بل أحيانا تعاقب الدول والأفراد إذا لم يحترموا مبادئه، تدل علي أن القوة العظمي الوحيدة في عالم اليوم تعاني من مرض داء العظمة إلي درجة أنها صارت معزولة عن المبادئ الإنسانية الأساسية بل أصبحت تأخذ موقفا عدائيا منها. لقد خرجت علينا الإدارة الأمريكية الحالية بأيديولوجية كان من بين عناصرها احترام حقوق الإنسان وحرية التجارة والديموقراطية بالإضافة إلي باقي تلك الحزمة المعروفة من القيم الليبرالية التي انتصرت في الحرب الباردة علي الشمولية واغتصاب حقوق الفرد واستبداد وانغلاق الحكم، لنكتشف الآن أن الولاياتالمتحدة تريد أن ترسخ نوعا آخر من الشمولية الدولية التي تحتل هي فيه عرش القوة الطاغية المتخلية تماما وفي أكثر من مناسبة عن المبادئ التي ما فتأت تدعو إليها منذ انتهاء الحرب الباردة. لم يكن موقف الولاياتالمتحدة المعاكس لإنشاء مجلس لحقوق الإنسان الموقف الوحيد لها المضاد للمنظومة الفكرية التي تروج لها منذ أن انفردت بقيادة العالم. فقد سبق واعترضت علي نتائج الانتخابات الفلسطينية بعد نجاح الفلسطينيين في إجرائها بنزاهة كاملة أشادت بها كل الهيئات الدولية التي راقبت الانتخابات. ولم تتوقف الولاياتالمتحدة عند رفض نتيجة الانتخابات، بل دعت إلي مقاطعة السلطة الفلسطينية إذا تولت حركة حماس مقاليد الحكومة، وحرضت أيضا من جانبها بضغط من إسرائيل الاتحاد الأوروبي للسير في نفس الطريق ومعاقبة حماس إذا لم تخضع لشروط معينة بدون إعطائها فرصة مناسبة للتكيف مع وضعها الجديد. لم تحتفل الولاياتالمتحدة بالنبت الديمقراطي الوليد في الشرق الأوسط والتي طالما ما بشرت به وعملت من أجله، ولم تأخذ بيده، بل قررت أن تدهسه بالأقدام برغم أنه جاء عن طريق إرادة الجماهير الفلسطينية الواقعة تحت وطأة الاحتلال والقهر منذ أكثر من نصف قرن. إن ما حدث في فلسطين لم يكن من وجهة نظري امتحانا لحماس ولكنه كان امتحانا للولايات المتحدة والعالم الحر في التعامل مع مسألة محورية من مسائل الديمقراطية الحديثة وكيفية التوفيق بين ماضي بعض الأحزاب وبين حاضرهم إذا جاءوا وفقا لإرادة جماهيرية حرة. لقد جاء رد الولاياتالمتحدة علي فوز حماس في الانتخابات فقيرا وجافا وغير عادل، وكانت الحكمة تقتضي التعامل مع الموقف من نفس المنطلق الديمقراطي القائم علي الحوار بدون شروط مسبقة أو تحت ضغط مادي أو معنوي خارجي. ومرة ثانية، وفي نفس الفترة تقريبا، طعنت الولاياتالمتحدة مبدأ آخر من المبادئ التي دأبت علي الدعوة إليها وهو مبدأ الاقتصاد الحر عندما رفض الكونجرس الأمريكي أن تتولي شركة من دولة الإمارات العربية إدارة أرصفتها البحرية بدلا من شركة إنجليزية وانتهي الأمر في النهاية إلي انسحاب الشركة الإماراتية. لقد كان درسا هزليا من دروس الكونجرس الأمريكي في الاقتصاد الحر، فبدعوي الحفاظ علي الأمن الأمريكي أطاح بالصفقة وهو نفس منطق الدول غير الديموقراطية التي تحشر الأمن في كل شئ، كما أن شيئا في قرار الكونجرس كان ينضح بالعنصرية والكراهية للعرب والمسلمين. وبرغم أن الإدارة الأمريكية وعلي رأسها الرئيس بوش كانت تدعم الصفقة، إلا أن الكونجرس بأغلبيته الجمهورية المحافظة أسقطها ولسان حاله يقول: نعم نحن نتكلم عن حرية الاقتصاد وعالمية الاستثمار لكن هذا يسري عليكم ولا يسري علينا بالضرورة. هذا النوع من التشوهات الفكرية يمثل أول طريق التقهقر لمفاهيم العولمة وأيضا انكسارها. فإذا كان من يدعون إليها هم أول من يتخلي عنها بسبب أفكار تمييزية ظالمة فلن نتعجب إذا وقعت حرب اقتصادية بين الدول، وسقط المجتمع الدولي كله في أزمة ثقة لن يخرجه منها بدون ثمن باهظ. الأمر لا يتوقف في الحقيقة علي معارضة أمريكا لوجود مجلس لحقوق الإنسان، أو لرفضها لنتائج الانتخابات الفلسطينية الديمقراطية، ولكن الأمر متكرر في أشياء أخري لا تنتهي مثل موقفها من الموضوع النووي الإيراني، واحتكار إسرائيل للسلاح النووي في المنطقة، ودعم أمريكا للهند نوويا علي حساب الآخرين. هناك بالتأكيد مشكلة مفهومية وأخلاقية وسياسية تعاني منها الزعامة الأمريكية. مشكلة ناتجة عن إحساس عارم بالقوة وهو أمر يمكن تفهمه في واقع الأمر إذا هي ضمنت باستمرار أن ذلك لن يضر بمصالحها في المستقبل، ولن يفقدها مصداقيتها أمام أصدقائها وحلفائها، ولن يؤدي إلي إشعال موجات إرهابية في العالم بسبب ازدواجية المعايير والتناقض الصارخ بين القول والفعل، أو يؤدي إلي هزيمة مخجلة لها في العراق. إن المعجبين بالتقدم الأمريكي - وأنا منهم - يؤمنون بأن القوة العظمي إذا لم تحمل رسالة عادلة للبشرية سوف تزول إن عاجلا أو آجلا، وإذا لم تتدارك واشنطن ذلك فلن يكون مصيرها أفضل كثيرا من مصير الاتحاد السوفييتي بعد انهياره وتفككه.