تحولت الاحتجاجات ضد نشر الرسوم الكرتونية والتي أهانت معظم المسلمين، إلي صراع ثقافي دائر بين الحضارات؛ بين عالم الإسلام من جهة، وعالم الغرب ممثلا في قيمه الأوروبية من جهة أخري. وكما نعلم فمثل هذا النوع من الحروب ليس فيه رابح وخاسر وإنما جميع أطرافه خاسرة دون استثناء. وبعد مرور خمسة شهور كاملة علي قيام رسام الكرتون الدانمركي بإشعال عود الثقاب الأول، قام أحد كتاب المقالات الأسبوعية العرب، بإشعال نار حريق أكبر من ذلك الثقاب بكثير، وذلك منذ نحو ثلاثة أسابيع عندما كتب مجددا عن الموضوع داعيا المسلمين في أركان المعمورة الأربعة إلي أن يهبوا للانتقام من الإهانة التي لحقت بهم. وإثر ذلك قامت إحدي القنوات التلفزيونية في المنطقة بصب مزيد من الزيت علي النار التي أشعلها الكاتب، وذلك عبر تقديم تغطية شاملة وبرامج مباشرة عن الموضوع. وقد حقق الاثنان، الكاتب والقناة التلفزيونية، ما يريدانه بالفعل. حدث هذا بداية في بلد إسلامي واحد أو بلدين، لكنه جري في دول إسلامية أخري عديدة، حيث بدأ الملايين في إحراق الأعلام الدانمركية، ثم انتهوا بإحراق السفارتين النرويجية والدانمركية في دمشق، والسفارة الدانمركية في لبنان الذي قام المتظاهرون فيه بمهاجمة مواطنيهم من المسيحيين العرب أيضا. إن ما فعله الكاتب العربي والقناة التلفزيونية العربية، هو أنهما قاما بتحويل الرسوم الكرتونية من إهانة للإسلام إلي أخبار... وعندما تقوم بتحويل شيء ما إلي خبر فإنك تفقد السيطرة عليه. وكان من الطبيعي والحال هكذا أن تدخل العديد من المؤسسات الخبرية في الغرب علي الخط، حيث قامت عشرات الصحف في النرويج وفرنسا وألمانيا وأسبانيا وإيطاليا وأمريكا اللاتينية، بل وفي الأردن أيضا، بإعادة نشر الرسوم. كما قامت محطة ال''بي. بي. سي'' بوضعها علي موقعها علي الإنترنت، وهناك حوالي 70 موقعا علي الانترنت تعرض كلها هذه الرسوم حاليا، وذلك ليراها العالم كله. بيد أن المنظور الغربي والإسلامي إلي هذه الرسوم يختلفان اختلافا بيناً. فالرسوم التي تصور النبي عيسي والنبي موسي شائعة جدا في الغرب بل وحتي في إسرائيل، وعلاوة علي ذلك عرضت أفلام اعتبرت مسيئة للمسيح دون أن يقوم أحد بإحراق مبني السينما. والسؤال هنا هو عن مدي مسئولية الكاتب والقناة اللذين كانا يعرفان تماما مدي الاختلاف في وجهات النظر حول هذا الموضوع بين الدول الإسلامية والغربية، لكن مع ذلك قاما بتحويل رسوم كرتونية لم يلاحظها سوي القليلين، إلي حدث عالمي يثير ذلك القدر من الغضب والاحتجاج. وإذا ما افترضنا أن شخصا ما قد ارتكب خطيئة فإن من واجب الرجال والنساء العقلاء في المجتمع أن يقوموا بالتعامل معه لا أن يقوموا بتسليمه للغوغاء. وفي الحقيقة أنه يمكن أن يقال إن الملايين التي تظاهرت في شوارع المدن الإسلامية لم تر تلك الرسوم وإنما قرأوا مقالة الكاتب وشاهدوا تغطية القناة المبالغ فيها للموضوع. واللافت للنظر أن أمريكا وبريطانيا اللتين تعتبران من أكبر أنصار حرية التعبير في العالم، لم تقوما بإعادة نشر الرسوم. وهنا يثور سؤال مهم: هل امتنعت الصحافة الأمريكية والبريطانية عن ذلك بدافع المبدأ واحترام الإسلام أم بسبب خوفهما من فقدان الصفقات التجارية العربية والإسلامية؟ أنا شخصيا أراهن علي أنهما قد فعلا ذلك بدافع النفاق التجاري.