لا أعرف إلي متي سوف تستمر الحملة الإسلامية الشعبية الغاضبة حول ما نشر من صور كريهة تتعدي علي سيد الخلق. عودتنا مثل هذه الحملات أن تبدأ صاخبة غاضبة ما تلبث أن تبرد ثم تنطفئ دون أن تتحول تلك الغضبة إلي مؤسسة أو نظام أو علي الأقل دراسات حول القضية. هناك انفصال بين المؤسسات والتنظيمات الإسلامية الدولية من جهة وبين حركة الشارع الإسلامي. فكل الضغوط التي نشاهدها الآن علي الحكومة الدانمركية والرأي العام الدنمركي هي مجرد ضغوط عفوية تبدأ من رجل الشارع وتنتهي عنده مع مساندة من بعض رجال الأعمال. فالبضائع الدنماركية التي تختفي اليوم من رفوف المحلات التجارية سوف نراها بعد عدة أيام وكأن شيئاً لم يكن. المسلمون هم أقوي الناس في رد الفعل الفردي وأضعف الناس في رد الفعل المؤسساتي العملياتي. عودتنا الأحداث أن كل رد الفعل علي مثل هذه الممارسات المسيئة للإسلام (في أي دولة كانت) تنتهي بردود فعل مؤسساتية هدفها امتصاص الغضبات الشعبية المحلية لا ملاحقة القضية في مكان تفجرها. فالإساءة للرسول عليه الصلاة والسلام الأخيرة في الدنمارك ليست سوي الجزء الظاهر من ممارسات أكثر عمقاً تعمل في الغرب علي تشويه صورة الإسلام والمسلمين. لا أريد أن أرد الرسومات المشؤومة إلي ترتيب مسبق ولكن إلي ثقافة عدوانية تم تأسيسها بشكل منهجي ومنظم. فلو قرأنا القواميس والموسوعات وجمعنا المواد المتعلقة بالعالم الإسلامي أو التاريخ الإسلامي التي تصدر في الغرب سنلاحظ أن هناك تشويهاً وتغييباً وخلطاً لكثير من الحقائق المتعلقة بنا. هذا لا يعود إلي مؤامرة علي الإسلام بقدر ما يعود إلي غياب صاحب القضية. عندما صرح الرئيس الإيراني بنقل إسرائيل إلي أوروبا وهي تصريحات سياسية لا تمس عقائد أحد ولا تشوه صورة أحد قامت الدنيا في أوروبا تدين هذه التصريحات مما أجبر كبار المسؤولين في الغرب علي الضغط علي رئيس إيران لسحب تصريحاته هذه وعدم تكرارها. ولم يتناولها أحد باعتبارها حرية رأي. وإذا كانت الحكومة الدنماركية تدعي أن نشر هذه الرسومات يأتي تحت بند حرية الرأي التي يكفلها الدستور الدنماركي هل سترد بنفس الادعاء لو أن باحثاً نشر تقريراً عن الهولوكست مخالفاً للرأي الرسمي الذي تفرضه المؤسسات اليهودية؟. لا يوجد في الغرب براءة، فالعالم الغربي عالم مفتوح تعمل فيه المنظمات والمؤسسات بشكل عملي ومنهجي ولا يخسر هناك إلا من آثر الغياب عن هذا الصراع. فتشكيل المواقف في الغرب لا يقوم علي سطوع الحقيقة وحدها بل إلي العمل المنظم. قيل دائماً عن القضية الفلسطينية أنها (أعدل قضية مع أسوأ محامٍ) وهذا ينطبق علي الإسلام وحقائقه في الغرب. وإذا كان للقضية الفلسطينية محامٍ سيئ فمع الأسف لا يوجد للإسلام محامٍ أبداً. فكل شيء عن الإسلام في الغرب متروك نهباً لمؤسسات تري أن من مصلحتها الإساءة إليه. لا أشير بطريقة غير مباشرة إلي شيء من المؤامرة ولكن أشير بشكل صريح إلي غياب العمل المنهجي الاستراتيجي عن العقل الإسلامي. أن نشر هذه الرسوم المسيئة للإسلام وإصرار الحكومة الدنماركية علي اعتبارها حرية رأي يشي أن المسألة لا رجعة فيها وأن هناك مرحلة جديدة من العلاقة علينا الاستعداد لها. هناك مؤسسات عالمية كثيرة نحن أعضاء أقوياء فيها يفترض أن نعمل من خلالها كما أن هناك مؤسسات إسلامية كثيرة يمكن إعادة بناء إستراتيجية عملها لتستجيب للواقع والمتغيرات التي طرأت علي هذا الواقع. أول مرحلة يفترض أن نعمل من أجلها هي الوجود داخل النظم الغربية والعمل من خلالها. الشيء الثاني وهو أسرع أن نعمل من خلال المنظمات السياسية وعلي رأسها الأممالمتحدة. هناك كثير من الأنظمة والقوانين في داخل هذه المنظمة يمكن توظيفها للعمل علي وقف أي تشويه أو إساءة للدين الإسلامي أو الأديان الأخري.