اثارت الاخبار عن احتمال حصول تسوية او "صفقة" بين سوريا والولايات المتحدة والتي تداولتها وسائل الاعلام في لبنان والعالم العربي في الاسابيع الأخيرة او عن جهود تبذلها دول شقيقة للبنان واخري صديقة بغية التوصل اليها - اثارت الكثير من ردود الفعل السلبية لدي اوساط سياسية لبنانية عدة. ذلك ان لبنان اكتوي من الصفقات في السابق اكثر من مرة كانت اخرها صفقة عام 1989 التي انتجت اتفاق الطائف ثم صفقة 1990 - 1991 التي سمحت بازالة العائق اللبناني الوحيد امام تطبيق هذا الاتفاق في ذلك الوقت، اي العماد ميشال عون رئيس الحكومة الانتقالية العسكرية. ماذا في الوصف المذكور ان تسوية او "صفقة" مع سوريا علي حساب لبنان ليست واردة عند الادارة الامريكية والمسئولين الكبار فيها وان علي اللبنانيين ان يكونوا واثقين من ذلك وان يتصرفوا في الوقت نفسه بطريقة حكيمة وصلبة لاعادة ترتيب الاوضاع في وطنهم. ومن شأن ذلك ثبات الادارة المذكورة علي خيارها مساعدتهم لاستعادة بلادهم. وفيه ثانيا ان الادارة الامريكية تعطي حاليا كل الاطراف وخصوصا في الموضوع اللبناني السوري توقفا مؤقتا (استراحة) لاعادة التفكير في كل ما يجري وفي مواقفهم منه وللتصرف انطلاقا من ذلك. وفي مقدمة هؤلاء الاطراف سوريا بشار الاسد رغم ان واشنطن، الرسمية وغير الرسمية، غير مقتنعة بقدرتها علي انجاز تسوية او علي تنفيذ التزاماتها بموجبها. وفيه ثالثا ان التوقف المؤقت يفيد الرئيس جورج بوش لاسباب عدة. اولها، انه يخفف الانتقادات الحادة التي توجه اليه داخل بلاده سواء من حزبه او من الحزب الديمقراطي المعارض ويسمح له بالتركيز من جديد علي النجاحات التي حققها اخيرا في العراق (اجراء الانتخابات) وفي حربه علي المتطرفين والارهابيين. وثانيها، رغبة بوش في عودة شعبيته الي الارتفاع في استطلاعات الرأي داخل بلاده لان من شأن ذلك اقناع الحزب الذي ينتمي اليه بانه لا يزال يتمتع بدعم الشعب وتاليا منع قادته من الابتعاد عنه. وثالثها، يريد بوش قبل توجيه ضربة عسكرية خاطفة الي سوريا اذا وجد انها ضرورية ان يطبّع الوضع في العراق وان يشيع الاستقرار فيه بعد الانتخابات وذلك بالمساعدة علي تأليف حكومة مستندة الي نتائجها والاسراع في تدريب القوات العسكرية العراقية كي تصبح جاهزة للقيام بدورها. وهذا الهدف يمكن ان يتحقق في رأيه اواخر مارس المقبل. وبحلول هذا التاريخ يكون اتضح لامريكا وكذلك لشركائها الاوروبيين اذا كان هناك امل في المفاوضات الجارية بين الاخيرين والجمهورية الاسلامية الايرانية حول امتلاك طهران قدرة نووية او اذا كان لا بد من احالة هذا الموضوع علي مجلس الامن. وبحلول هذا التاريخ ايضا يأمل بوش والامريكيون في ان يكون الرئيس الجديد للجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري توصل الي معلومات تصب في الخط الاتهامي الذي توصل اليه سلفه ديتليف ميليس. ورابعها، ان اعتماد سوريا علي دعم روسيا الاتحادية والصين الشعبية هو كالاعتماد علي "القصب". فهاتان الدولتان الكبيرتان تستطيعان تجميد قرارات في مجلس الامن ومنع الاجماع علي قرارات اخري وممارسة حق "النقض" في قرارات ثالثة، لكنهما لا تسيطران علي مجلس الامن ولا علي الاممالمتحدة. علما ان علي سوريا "بشار الاسد" ان تعرف ان اعتماد سياسة تخيير روسيا والصين بينهما وبين امريكا لن تكون مجدية لها لاسباب كثيرة واضحة ومعروفة. وخامسها، ان التوقف المؤقت يعطي بوش فرصة للاستمرار في اغلاق المنافذ علي سوريا بوسائل عدة منها استصدار مجموعة قرارات جديدة عن مجلس الامن في الاوقات المناسبة تسمح له بالتحرك وفقا للفصل السابع من ميثاق الاممالمتحدة. ماذا يعني الوصف "الامريكي" المفصل هذا للموقف الامريكي؟ يؤكد ان لا "صفقة" او تسوية علي حساب لبنان، ويكرر المواقف الامريكية المتشددة من سوريا. لكنه لا ينفي امكان التسوية. وما الاستراحة او التوقف الموقت، وان وضعها بوش لتشديد الخناق علي سوريا، الا الفرصة التي تستطيع سوريا بمساعدة العرب اقتناصها للتفاهم مع امريكا اذا قررت ذلك او اذا رأت ان في وسعها احتمال ثمن هذا التفاهم وتالياً دفعه. ذلك ان التسوية او "الصفقة" في ظل ميزان القوي المعروف يفترض الامريكيون ان تكون في جزء كبير منها تجاوبا مع المطالب المتنوعة لادارة الرئيس جورج بوش.