الصّحابية أمّ شريك، هي غزيلة، ويقال غزية، بنت جابر بن حكيم الدوسية، من الأزد. وقد أسلم زوجها أبو العكر، فهاجر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع أبي هريرة مع دوس. ولمّا أراد اللّه سبحانه وتعالى أن يبتليها أشدّ ما يكون الابتلاء، فإنّها أبَت إلاّ أن ترسم صورة بليغة للمؤمنة الصبورة، الثابتة على الحقّ، المحتسبة أجرها على اللّه، المؤمنة الّتي لا يخالج يقينها شكّ، ولا يعتري صمودها نصَب.
فقد أخرج ابن سعد بسنده: ''قالت أمّ شريك: فجاءني أهل أبي العكر فقالوا: لعلّك على دينه، قلت: أي واللّه، إنّي لعلى دينه، قالوا: لا جرم، واللّه لنُعَذِبَنَّك عذابًا شديدًا. فارتحلوا بنا من دارنا ونحن كنا بذي الخلصة وهو موضعنا، فساروا يريدون منزلاً، وحملوني على جمل ثقال شرّ ركابهم وأغلظه، يطعموني الخبز بالعسل ولا يسقوني قطرة من ماء، حتّى إذا انتصف النّهار وسخنت الشّمس ونحن قائظون، نزلوا فضربوا أخبيتهم وتركوني في الشّمس حتّى ذهب عقلي وسمعي وبصري. ففعلوا ذلك بي ثلاثة أيّام، فقالوا لي في اليوم الثالث: اتركي ما أنت عليه، قالت: فما دريت ما يقولون إلاّ الكلمة بعد الكلمة، فأشير بإصبعي إلى السّماء بالتّوحيد.
قالت: فواللّه إنّي لعلى ذلك وقد بلغني الجهد، إذ وجدتُ برد دلو على صدري فأخذتُه فشربتُ منه نفسًا واحدًا ثمّ انتُزِع منّي، فذهبتُ أنظر فإذا هو معلَّق بين السّماء والأرض، فلم أقدر عليه، ثمّ دُلِّيَ إليّ ثانية فشربتُ منه نفسًا ثمّ رُفِع، فذهبتُ أنظر فإذا هو بين السّماء والأرض، ثمّ دلّي إليّ الثالثة فشربتُ منه حتّى رَوَيْتُ وأهرقت على رأسي ووجهي وثيابي.
قالت: فخرجوا فنظروا، فقالوا: مِن أين لك هذا يا عدوة اللّه؟ قالت: فقلتُ لهم إنّ عدوة اللّه غيري مَن خالف دينه، وأمّا قولكم من أين هذا فمِن عند اللّه رِزقًا رزقنيه اللّه.
قالت: فانطلقوا سراعا إلى قربهم وأدواهم فوجدوها موكأة لم تُحَل، فقالوا نشهد أنّ ربّك هو ربّنا، وأنّ الّذي رزقك ما رزقك في هذا الموضع بعد أن فعلنا بك ما فعلنا هو الّذي شرع الإسلام، فأسْلَمُوا وهاجروا جميعًا إلى رسول اللّه، وكانوا يعرفون فضلي عليهم وما صنع اللّه إليّ''.