** مبارك عميل .. وهذه أساليب النهب المنظم للمصريين الآن ** الجهات الرقابية في مصر لا تؤتمن وأدعو لهيئة وطنية لبلاغات الفساد ** أحذر من زواج الإمارة والتجارة في عصر مرسي
حوار – شيماء عيسى
يعد الدكتور عبد الخالق فاروق أحد أبرز الخبراء الاقتصاديين في مجال مكافحة الفساد وهو عضو مؤخرا بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، عرف بنضاله الطويل ضد نظام مبارك وانضمامه لحركة "كفاية" ، كما نشر كتب ومقالات تتناول بالأرقام حقائق مفزعة حول حجم الفساد وتوغله في النظام المصري ، ويعد المركز الذي دشنه تحت اسم "النيل" جبهة أساسية بوجه آليات الفساد المتعددة ..
السطور التالية تحمل آراء جريئة للخبير في حوار أجراه "محيط " ..
محيط : هل تغيير قيادات الأجهزة الرقابية كاف لتطهير الفساد ؟
لا بالتأكيد ، خاصة أن التغيير شمل قيادات محدودة للغاية كالمستشار هشام جنينة لرئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات، والمطلوب تغيير شامل لكافة القيادات العليا واستبدالها بقيادات وسيطة معروفة بالنزاهة ، مع إحالة القيادات السابقة للتقاعد ومحاسبة المتورطين منهم بالفساد .
وأنا لا أتحدث فقط عن الجهات الرقابية ولكن عن جميع أجهزة الدولة، بما فيها المخابرات العامة التي تم اختراقها بالوساطة والمحسوبية، كما تمت على سبيل المثال في هيئة الرقابة الإدارية رشوة 120 ضابطا ، برعاية وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان، والذي منحهم فدادين من أراضي الدولة ورشاوى هائلة.
وعن طريق هيئة الرقابة على الصادرات والواردات تمت عمليات توريد البضائع المهربة وغير المطابقة للمواصفات في عصر مبارك ، وشهد جودت الملط بالجهاز المركزي للمحاسبات كم كبير من الفساد لم يردعه ، وأصبح كل هؤلاء لا يؤتمنون على مقدرات الشعب ، خاصة أن أعضاء تلك الأجهزة كانوا على صلة مباشرة بالحزب الوطني ولجنة السياسات بالتحديد .
وقد اقترحت أن يجري عملية تطهير شامل للجهاز المركزي للمحاسبات، باعتباره أكبر جهاز رقابي مصري ، ويتولى جمع بلاغات الفساد وفحصها ثم تقديمها للنيابة العامة لمباشرة تحقيقات قضائية عاجلة وإصدار أحكام ضد الفاسدين، بدلا من الارتكان للبلاغات الفردية التي تحولت لتلال في مكتب النائب العام، ويتم حفظها في النهاية . وإن لم نتمكن من تطهير جهاز المحاسبات بسرعة، يمكننا تشكيل هيئة رقابة عليا من أعضاء مجلس شعب شرفاء وخبرات اقتصادية وغيرهم لتتولى تلك المهمة بنفسها .
محيط : وماذا عن بلاغك ضد الرئيس السابق مبارك والذي تتهمه فيه بالخيانة العظمى ؟
بالفعل تقدمت بالبلاغ أنا والدكتور عمار علي حسن والشاعر عبد الرحمن يوسف والمستشار فكري خروب ، وتم الاستماع بالفعل لعدد منا في النيابة العامة ، وقد اتهمنا مبارك بالتورط في تشكيل عصابي استنزف موارد البلاد وحنث بالقسم الجمهوري الذي يتعهد فيه بحفظ الوطن وسلامة أراضيه وشعبه ، وقد دعمت البلاغ بنحو 24 حافظة مستندات تفيد أن مبارك تكسب منذ أن قائدا بالقوات الجوية من عمولات عبر شركة داسو التي كانت تدير التفاوض عن الحكومة الليبية في صفقة الميراج الشهيرة ، ثم بدأ مسلسل جرائمه المتعلق بتجارة السلاح والتنسيق مع المخابرات الأمريكية في توريد أسلحة لمتمردي نيكاراجوا ضد الحكومة الشيوعية ، وكان يشاركه بهذه الجرائم المشير عبدا لحليم أبو غزالة وكمال أدهم مستشار الأمن القومي السعودي وعدنان خاشقجي تاجر السلاح الشهير .
محيط : لكنك أيضا قدمت بلاغات سابقة ولم تتحرك للقضاء .. ماذا عنها ؟
تقدمت ببلاغ يتعلق بإهدار المال العام في الشركة المصرية للاتصالات برئاسة عقيل بشير سابقا ، وشمل المبلغ ضدهم وزير الاتصالات الأسبق أحمد نظيف ومحمد نصير رجل الأعمال ، ولم يتم حتى الآن أي تحريك للبلاغ رغم أنه مدعوم بالمستندات .
محيط : البعض يطالب الرئيس مبارك بعزل النائب العام ما رأيك ؟
المسألة ليست بسيطة ولكنها تتطلب مبضع جراح ماهر ، فالنائب العام لا يمكن إقالته لأنه كالقاضي ، ولكن يمكن إبلاغه أنه غير مرغوب فيه مثلا من قبل الرئيس مرسي ودفعه للاستقالة ، خاصة بعد شكوك كثيرة في بطء سير بلاغات بعينها في مكتبه تتعلق برجال النظام القديم ، ولكني عموما لست مع ترك الحرية لكل رئيس لعزل النائب العام أو أي عضو بالهيئة القضائية ، حتى لا يساء استغلال هذا الأمر فيما بعد .
ومن الأمور الإيجابية التي جرت مؤخرا اختيار وزير العدل المستشار أحمد مكي المعروف بنزاهته ، ويجب إحالة القضاة أمثال أحمد الزند للعدالة بتهم الفساد المحيطة بهم .
محيط : هل ترى أن نظام الرئيس مرسي يحقق أحلام ثوار مصر ؟
حتى الآن لم يحدث ما يؤكد ذلك ، خاصة أني ألاحظ انعدام للرؤية الشاملة للنهضة ، وأحذر كذلك من زواج الإمارة والتجارة في مصر سيرا على خطا مبارك ، وهو أمر أشبهه بزواج المحارم، إذ يجب على كل من يشعل منصب عام بالدولة ألا يكون مستفيدا منه بأية حال ، ونرصد بالفعل حاليا حركة نحو 50 رجل أعمال إخواني اقترابا وابتعادا عن مؤسسة الرئاسة والمناصب العامة ، وسوف نعلن عن القائمة الكاملة في وقت قريب .
ومن جانب آخر فإن النظام اختار الوزراء بطريقة مبارك، بلا خلفية وطنية ولا خبرة عالية مشهودة ، وهم من عينة يسهل الاستغناء عنها ولا تعارض سياسات الرئيس ولا تملك رؤية مستقلة للتغيير.
محيط : هل خط سير محاكمات رموز النظام السابق تشعرك بالرضا عن نزاهة قضاء مصر ؟
أرى أن المحاكمات تؤكد أن العقل القانوني الحاكم داخل تلك المؤسسة مختلط ومشوش بعقل بوليسي أمني ، والحقيقة أن السادات أول من خطط لاختراق القضاء بعد أن سمح لالتحاق ضباط الشرطة بسلك النيابة نتيجة أحكام لم تعجبه في السبعينات، وبالتالي لا أتعجب حين أرى تبرئة كافة الضباط المتورطين في قتل الثوار .
محيط : إذا انتقلنا لأزمة مصر الاقتصادية الراهنة .. لماذا تحذر دائما من المعونة الأجنبية ؟
المعونة لا تعطيها لنا جمعيات خيرية ولكنها تأتي من جهات يحكمها توجهات سياسية للسيطرة على القرار السياسي في دول العالم الثالث وخاصة المحورية منها كمصر والسعودية والخليج عموما والمغرب ، ويجب أن نعلم أن صندوق النقد الدولي ليس حريصا على تنمية مصر على الإطلاق ، وإنما يقوم بخدمة اقتصاد الدول المانحة نفسها التي تشترط أن تشتري الدولة المقترضة من أسواقها وبالتالي تساعد في تنشيط اقتصادها .
كما أن المعونة مرتبطة باتباع الدول المتلقية سياسات بعينها كبيع شركات القطاع العام والخصخصة والتخلص مما يسمونه الاشتراكية البالية، وهدر حقوق محدودي الدخل برفع الدعم عن السلع ، ودعم طبقة جديدة من رجال الأعمال تشكلت في السبعينات وأصبحت ولاءاتها محل شك ، فهي تردد نغمة السلام بما يتماشى مع السياسات الغربية بالتحديد ، ونعلم معنى ذلك ، وغالبا هؤلاء كانوا يستعينون بشريك أجنبي بمشروعاتهم في مصر يجنبهم من عسف السلطة بهم إذا ما قاموا بمخالفات ، كما ركزت مشروعات هؤلاء على الربحية بغض النظر عن حاجة المجتمع .
ونتيجة المعونة مزيد من الإذلال لمصر ودفع ملايين العاطلين من خريجي الجامعات للعمل بالمقاهي والحرف ، ومزيد من العجز بالموازنة العامة والميزان التجاري والمدفوعات .
محيط : ولماذا لا يقدم النظام المصري على فك الصناديق الخاصة طالما أنه متورط في العجز ؟
الصناديق الخاصة إحدى جرائم نظام مبارك والتي ظهرت بوضوح مع مطلع الثمانينات بصندوق هيئة التنمية والتعمير الزراعي، التي أصبحت تبيع الأراضي التي هي ملك للدولة وتتحصل على أرباح تدخل في حسابات خاصة بعيدا عن مراقبة الميزانية ، وحتى الآن جرى حصر 55 مليار جنيه بداخل تلك الصناديق ناهيك عن صناديق البنوك التجارية والتي ستصل بنا لمائة مليار خارج الميزانية .
ولابد لفك تلك الصناديق من قرار ثوري جريء لأنه سيواجه بالمنتفعين من تلك الصناديق الذين ترعرعوا في عصر مبارك ، لقد شاهدنا سنة 2002 جانب كبير من أموال الدولة يجري تهريبها خارج نطاق الموازنة عبر قانون المنطقة الاقتصادية الخاصة ، وفي النهاية يذل المسئولون الشعب ويقولون لهم سنرفع عنكم الدعم ولابد من المعونة ، في خطة محكمة أعدتها عصابة مبارك لإذلال هذا الشعب، وكل من دخل الحزب الوطني الجديد إما إنه اكتشف أنه لعبة جديدة فتركها وهم أقلية ، وإما ظل في اللعبة لينتفع بالمزايا والأراضي والفلل المجانية .
وللعلم فإن هناك خبراء حول العالم مسئولين عن تفكيك أي دولة ، وذلك بدفع من أجهزة الاستخبارات كالأمريكية والروسية والإسرائيلية ، حتى أن يوسف والي وزير الزراعة الأسبق كانت تأتيه أوراق الخبراء الصهاينة لتطوير زراعة مصر ويقبلها بكل ترحيب .
محيط : لماذا قلت أن تقسيم الميزانية المصرية ملف متعدد الجرائم ؟
بالفعل سنجد على سبيل المثال جريمة التأشيرات العامة التي تجعل السلطة التنفيذية تتلاعب بالموازنة بعيدا عن رقابة مجلس الشعب، وجريمة تخصيص موارد بطريقة معينة واختلاسها مثل بند الاعتماد الذي يوضع به مبالغ تصرف منها مكافآت كبار الضباط ، والسماح بجريمة الصناديق أو الحسابات الخاصة التي أشرنا لها آنفا ، أو الإنفاق البذخي الذي لا يتناسب مع دولة مديونة ، فجميع المصالح الحكومية حين نزورها سنجدها وقد اكتست بالرخام والجرانيت الفاخر مثل أكاديمية البحث العلمي وجهاز الإحصاء ، وكلها عبارة عن أساليب تكسب للسماسرة الذين يديرون عمليات المناقصات والعطاءات .
ومع الأسف الشديد كنت ألتقى بأعضاء اللجنة الاقتصادية بحزب الحرية والعدالة وبعد أن يستمعوا لتحذيراتي ومقترحاتنا البديلة لتوفير الموارد كانوا يخرجون لوسائل الإعلام ليعلنوا أنهم مازالوا لم يجدوا بديلا للمعونة ! وقد طالبتهم مرارا بإلغاء الصناديق الخاصة وخاصة صندوق تطوير القطاع المصرف الذي يسرق سنويا 400 مليون جنيه تتوزع مكافآت على 100 قيادة ، وقد قدمتهم بالأسماء ، وطالبت بتحديد الحدين الأقصى والأدنى للأجور فورا . وتحدثت عن الفساد المروع بقطاع البترول الذي للأسف يحتاج تطهيرا شاملا لأن أغلب قياداته يتقاضون الرشاوى ويفضلون مصلحة الشريك الأجنبي على المصلحة الوطنية . كما تحدثت عن فساد القطاع المصرفي الذي تذهب فوائضه لقيادات مشبوهة ولا تذهب للميزانية العامة للدولة .
محيط : هل زيادة الأجور الأخيرة بالدولة كافية ؟
لا ، لابد أن نضع مسطرة عادلة ومعروفة للجميع بأسس الأجور وحدودها الأقصى والدنيا والتي يجب أن تتناسب مع مواردنا وظروف وطننا ، وأن نعلم أن البلاء يحل حين يشعر العامل الذي يتقاضى جنيهات معدودة بأن موظف آخر يتقاضى من الدولة 200 ألف جنيه .