حياة كريمة فى الدقهلية.. المبادرة الرئاسية تغيّر وجه 26 قرية بشربين    استشهاد فتى متأثرا بجروحه برصاص الاحتلال فى بلدة بيت فوريك شرق نابلس    محافظ الغربية يستقبل رؤساء المراكز والمدن والأحياء ومديري المديريات    ترامب: سنرسل مستشفى عائما إلى جرينلاند لتقديم العلاج لعدد كبير من المرضى هناك    الأرصاد: طقس «الأحد» شديد البرودة في الصباح الباكر    استشاري صحة عالمية: الحامل ليست مريضة.. والمتابعة الطبية تحسم قرار الصيام    بينهم طفلة، إصابة 3 أشخاص في تصادم سيارة نقل ب"توكتوك" أمام كوبري الجامعة بالدقهلية    الحلقة الرابعة من «رأس الأفعى».. سقوط عنصر هارب يكشف مخطط «نترات الأمونيوم» لتصنيع المتفجرات    دينا الشربيني تكشف أسرارًا لأول مرة: بطولة ضائعة مع وحيد حامد وذكريات موجعة عن والديها وأحلام فنية جديدة    مفاجأة تهز العرش البريطاني، الأمير أندرو استخدم طائرات سلاح الجو الملكي للقاء إبستين    وفاة لاعب ناشئ عمال المنصورة أثناء توزيع وجبات إفطار على الصائمين    ميليشيا مسلحة تصدر "أمر اعتقال" بحق عضو في لجنة إدارة غزة    الاحتلال يجبر فلسطينيا مقدسيا على هدم منزله شمال القدس المحتلة    مواقيت الصلاة الأحد 22 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    لأول مرة بالمدن الجديدة.. أكشاك حراسة للمسطحات الخضراء في حدائق أكتوبر    مؤتمر سيميوني: الانتصار أمام إسبانيول مهم قبل مواجهة كلوب بروج    هل تحسنت الكرة في عهد أشرف صبحي؟| سيف زاهر يُجيب    موقف مؤلم من 18 سنة| سمية درويش تروي تفاصيل خلافها مع شيرين    لم تكن مصلحة| سمية درويش تكشف حقيقة علاقتها بنبيل مكاوي    موعد اذان الفجر.... اعرف موعد اذان الفجر ومواقيت الصلاه بتوقيت المنيا الأحد 22فبراير 2026    كرة يد – الأهلي والزمالك يفوزان على الجزيرة وسموحة    الأهلي يضع شروطًا لتجديد عقد حسين الشحات    أحمد موسى يطالب اتحاد الكرة بتوضيح سبب إسناد مباريات سيراميكا تحكيميًا لمحمد معروف    600 شهيد منذ بدء الهدنة بغزة ..«هجمة استيطانية» تعصف بالضفة    اغتيال قيادى بحزب الله ..غارات إسرائيلية جنوب وشرق لبنان.. وعون يدين    قبل السحور، حريق هائل بقرية البصارطة في دمياط والدفع بسيارات الإطفاء (فيديو وصور)    هل تخطط الولايات المتحدة لإعادة فتح سفارتها فى دمشق بعد أكثر من 14 عامًا ؟    أخبار مصر: كل ما تريد معرفته عن المنحة الإضافية على بطاقات التموين، تفاصيل حفل تكريم وزير الدفاع السابق، قواعد قبول طلاب الثانوية الأزهرية بالجامعات الحكومية والمعاهد، أمطار خفيفة على هذه المناطق    مصطفى بدرة: تحسن صافي الأصول الأجنبية يعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري    «سند المواطن».. فرصة آمنة لكل أسرة لبناء دخل ثابت    عمرو دياب يشاهد مسلسل كلهم بيحبوا مودى بصحبة ياسر جلال    أحدث ظهور ل عمرو دياب وعمرو مصطفى: أخويا وعشرة العمر    موفد الأوقاف لأستراليا: رأيت دموع الهداية للمسلمين الجدد ..الحناوى: الدعوة جسر إنسانى يعبر بالناس إلى سماحة الإسلام    الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية تشارك الشعب الكازاخي فرحته بشهر رمضان    كونسيساو: كنا ندافع من أجل أن نهاجم أمام الهلال    أطعمة تعزز الهضم والنشاط بعد الصيام.. تعرف عليها    هل حليب اللوز مناسب لسكر الدم؟.. دراسة توضح البديل الآمن لمرضى السكري    أخبار × 24 ساعة.. للاستفادة من ال400 جنيه على بطاقة التموين.. الاستحقاق وأماكن الصرف    الأرصاد: طقس الغد دافئ نهارا بارد ليلا على أغلب الأنحاء.. والصغري بالقاهرة 11    لتعزيز قنوات التواصل، محافظ الوادي الجديد تلتقي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ    مصر الخير تطلق حملة لإفطار 1.5 مليون صائم بقطاع غزة خلال شهر رمضان    إنبي يطيح بقاهر الأهلي ويتأهل لنصف نهائي كأس مصر    محافظ دمياط يفاجئ مستشفى كفر البطيخ المركزي بزيارة ليلية    خطوات صرف زيادة 400 جنيه على بطاقة التموين    بلمسة وفاء من القائد الأعلى.. السيسي يُثمن مسيرة عطاء الفريق أول عبد المجيد صقر    وكيل الأزهر: الإفطار الجماعي يجسد معاني الأخوة الإسلامية ويعكس عالمية المؤسسة الأزهرية    هم آل البيت .. من هم العترة الذي ذكرهم النبي محمد في حديثه الشريف؟    في أول لقاء رسمي، محافظ الإسماعيلية يستقبل مدير الأمن لتقديم التهنئة    "صحة الدقهلية": تنفيذ 103 عمليات جراحية خلال 48 ساعة    طلب إحاطة حول تكليف خريجي الكليات الطبية "أسنان وصيدلة وعلاج طبيعي"    ضبط شخصين عرضوا بيع طائرات درون بدون ترخيص على مواقع التواصل الاجتماعي    تفاصيل جريمة مأساوية بالمنيب... قاصر يقتل طفلة    في ثالث أيام رمضان.. مواقيت الصلاة في الاسكندرية    وزارة «العمل» تعلن توفير 5456 وظيفة جديدة في 14 محافظة    المرور يضبط 96 ألف مخالفة و33 سائقا مسطولا في 24 ساعة    رمضان 29 ولا 30 يوم.. الحسابات الفلكية ترد وتكشف موعد عيد الفطر 2026    جامعة القاهرة تطلق برنامجا موسعا لتأهيل القيادات والكوادر الإدارية    قرار ضد عاطل قتل عاملا في مشاجرة بالمرج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثقافة التصوف معين لا ينضب للإبداع
نشر في محيط يوم 01 - 07 - 2015

كتسب ثقافة التصوف مذاقا خاصا في شهر رمضان الفضيل فيما تشكل هذه الثقافة معينا لا ينضب لكثير من الإبداعات، وتطرح عديد من الأسئلة بقدر ما تقدم إجابات يمكن أن تؤسس لحوار جاد حول قضايا تهم البشر في كل مكان.
وفي شهر رمضان تحفل الصحف ووسائل الإعلام المصرية والعربية بعديد النفحات الصوفية والمقالات والطروحات التي تتناول الطرق الصوفية بأقلام مثقفين مصريين وعرب وأسماء رموز وإعلام التصوف، مثل محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي والحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية وأبو الحسن الشاذلي وأبو العباس المرسي والسيد البدوي وصولا لعبد الحليم محمود ومحمد متولي الشعراوي وأحمد الطيب.
وها هو الكاتب عماد الغزالي يقول في جريدة الشروق القاهرية "كثيرا ما تستهويني أحوال الصوفية، أحبهم وأتفهم حالات الوجد والتوحد التي تتلبسهم" مستعرضا حالات لإعلام المتصوفة، مثل الحلاج الذي كانت مآساته عنوانا لمسرحية شعرية للشاعر المصري الراحل صلاح عبد الصبور والنفري "صاحب الوقفات والمخاطبات" وابن الجوزي والسهروردي ناهيك عن أبو الحسن الشاذلي وأبو العباس المرسي.
وكان التصوف حاضرا بقوة في ملتقى ثقافي هام شهدته القاهرة مؤخرا وهو المؤتمر الدولي ال(18) للفلسفة الإسلامية، الذي نظمته كلية دار العلوم بجامعة القاهرة تحت عنوان "التربية الأخلاقية والتحديات المعاصرة".
واتفق عديد من الحضور في هذا المؤتمر على أهمية الدور الذي ينهض به التصوف في تعزيز قيم التسامح، فيما قال الدكتور محمد حفيان الأستاذ بجامعة السعيدة اليمنية إن التربية الأخلاقية في التصوف الإسلامي أصبحت الآن في بؤرة اهتمام الدرس النفسي والاجتماعي والديني لافتا لدور التصوف في مواجهة التطرف.
وحتى في الثقافة الغربية ثمة اهتمام كبير وواضح بالتصوف ويعكف بعض المفكرين هناك خاصة من المتخصصين في قضايا التصوف والصوفية على بحث دور التصوف في تذليل العقبات أمام الحوار بين المختلفين دينيا وعقائديا مثل ذلك الكتاب الذي أصدره المستشرق الإيطالي وأستاذ التصوف الإسلامي الدكتور جوزيف سكاتولين بعنوان؛ "تأملات في التصوف والحوار الديني".
وإذا كان المستشرق الفرنسي الراحل لويس ماسينيون قد اشتهر بكتابه الصادر في جزأين بعنوان:"عذاب الحلاج شهيد التصوف في الإسلام" فإن للدكتور جوزيف سكاتولين عدة كتب وإصدارات في التصوف منها:"ديوان ابن الفارض" والتجليات الروحية في الإسلام"، وكذلك جاء كتابه الجديد "تأملات في التصوف والحوار الديني" في جزءين يتناول الجزء الأول موضوع الحوار الديني وأبعاده في عصر العولمة بينما يركز الجزء الثاني على عالم التصوف والحياة الدينية الروحية.
وإذا كان المعنيون بالتصوف يذكرون بالحقيقة التي تقول إن "الذين تركوا بصمات واضحة وثابتة في الثقافة الإسلامية هم العلماء الذين جمعوا بين قلب الصوفي وعقل الفيلسوف لأن القلوب ترطب حسابات العقول ولأن العقول تضبط خطرات القلوب"، فإن هذه الحقيقة دالة على أهمية المزج ما بين القواعد العلمية الذوقية والمصطلحات الفنية المشتقة من صميم التجربة الوجدانية الصوفية المتميزة.
وفيما تحمل كلمات كتاب بصحف مصرية وعربية في شهر رمضان أنفاسا صوفية محببة فإن هناك عديد من الكتب التي صدرت لكتاب معاصرين عن ثقافة التصوف والصوفية المحلقين بالحب للخالق الواحد الأحد في هذا الكون، وقد تكشف بعض هذه الكتب عن جوانب طريفة مثل علاقة المتصوفة بالموسيقى.
وفي كتاب "كتب وناس" يقول الكاتب والروائي الراحل خيري شلبي إن تحرر الموسيقى الغنائية المصرية من الروح التركية بدأ بشكل مكثف في أوائل القرن العشرين على أيدي الطرق الصوفية.. موضحا أن هذه الطرق استخدمت الموسيقى عن وعي عميق يحكمه دور مقصود.
وحسب رؤية خيري شلبي، فإن الطرق الصوفية أعادت الموسيقى إلى أصولها كعنصر فاعل في توصيل الذاكرين لمرتبة الوجد الصوفي ووضعوا مقامات شهيرة وقسموا هذه المقامات تبعا لمراحل بلوغ الوجد الصوفي.
وكان المنشد في حلقات الذكر يمسك بمفاتيح أجساد الذاكرين تبعا لقوة موهبته الصوتية ودرجة ثرائه النغمي فينفض الأجساد نفضا:يحولهم على أوتاره الصوتية إلى ريش في مهب الريح ولم تكن جهود المنشدين - كما يؤكد خيري شلبي - نابعة من فراغ أو قائمة على اجتهاد عشوائي يتصادف نجاحه إنما هناك أكبر رصيد علمي موسيقي في التاريخ العربي الحديث سكت عنه المؤرخون لسبب أو لآخر ذلك هو رصيد "جماعة إخوان الصفا".
وهذه الجماعة كانت تضم لفيفا من خيرة كبار المثقفين والأدباء ولاسيما ذوي الميول الصوفية، وكلهم كانوا على درجة عالية جدا من الثقافة الرفيعة والتقدم العلمي المذهل في الفلسفة والرياضة والفلك والطبيعة والكيمياء وعلوم اللغة والتفسير والحديث، وقبل ذلك علم الكلام وهى شخصيات من طراز أبي حيان التوحيدي.
ومن يقرأ رسائل إخوان الصفا يفاجأ بأن رسالتهم في الموسيقى رسالة فذة حتى أن الكاتب الراحل خيري شلبي وصفها بأنها لم يسبق لها مثيل في الدقة العلمية والوصول باللغة العربية إلى مرحلة من الشفافية استطاعت به تقنين ما لا يخضع لقانون.
رسالة "إخوان الصفا" عن الموسيقى - كما قال الكاتب الراحل خيري شلبي - كانت ولا تزال أهم مصدر لدراسة هذا الفن واستلهامه إبداعيا ومما لا شك فيه أن تلاميذهم ومريديهم ودراويشهم من الأجيال التالية قد ورثوا هذا العلم وأضافوا إليه وأبدعوا من خلاله ووظفوه في خدمة الروح الإنسانية وتهذيب النفوس أعظم توظيف.
وللصوفي الشهير محيي الدين بن عربي قول مأثور ضمن رسالة كاملة من مأثوراته حيث يقول:"كل فن لا يخدم علما لا يعول عليه"، وفي ضوء هذه المقولة يتبين أن إبداع الصوفية في الموسيقى كان يخدم علم الموسيقى".
ومن عباءة المنشدين خرج الذين طوروا الغناء العربي ووصلوا به إلى ذروة عالية من القدرة على التأثير القوى في الوجدان حتى أن الذين نبغوا في الغناء الدنيوي هم أولئك الذين هضموا المقامات الصوفية واستوعبوا تجلياتها كابرا عن كابر كما يقول التعبير العربي الشهير، ومعظمهم كان يعمل في بطانات المنشدين القدامى ثم أصبحوا بدورهم إعلاما لهم بطاناتهم الخاص التي يتخرج فيها إعلام جدد، فليس صدفة إذن أن إعلام فن الموسيقى والغناء في مصر في أوائل القرن العشرين وأواسطه كانوا شيوخا ومنشدين مثل الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب والشيخ درويش الحريري والشيخ يوسف المنيلاوي والشيخ محمود صبح والشيخ أبو العلا محمد والشيخ على محمود والشيخ زكريا أحمد والشيخ سيد درويش.
ومن هنا لم يكن من الغريب أن يلفت عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين للأهمية الثقافية لفنون التلاوة والتجويد والإنشاد والموسيقى على وجه العموم كتشكيل للزمان، وهو مجال أسهم فيه المتصوفة بالكثير بقدر ما تتوزع إسهاماتهم الثقافية على مجالات عدة وبعضها لا يخلو من تداخل وتشابك مثل مجالات البلاغة والفن والجمال.
وكما في نشوة الصبا تبدع اللغة أجمل الأشياء فإن الصوفية الحقة وهى تحمل المتعة الروحية والراحة والسلوى من آلام الحياة تقترن أيضا بالتفاؤل والإيجابية، فيما سيبقى دور الطرق الصوفية في نشر الإسلام بأفريقيا وآسيا محفورا بحروف من مجد في الذاكرة الإيمانية للأمة.
وتجليات المشاعر الصوفية قد تجعل بعض الناس من أصحاب الأذواق الرفيعة يحسون بالحقيقة كما لو كانت شيئا ماديا وعندئذ تختلط المادة بالمجرد، فإذا بهؤلاء الذين لا يتصورون المجرد يبصرونه ويلمسونه وقد انزاح الفاصل بين المجرد والمادي.
وللكلمة عند الصوفية مجد وأي مجد، ولعل فهم ثقافة التصوف يقدم إجابة لسؤال مثل:"كيف يمكن لكلمة بفضل ما تعنيه من شكل وموسيقى وعلاقة بغيرها من الكلمات أن تكون صاحبة شخصية ككائن حي وقوة سحرية بقدر ما تعبر عن نفس إنسانية"؟!.
وثمة حاجة أيضا لفهم الأسس الفلسفية للمتصوفة والتنظير المعرفي - الوجداني لحقيقة السجال بين "أهل الظاهر وأهل الباطن" فيما يؤكد أصحاب الأقلام من المتصوفة على أنه "من الخطأ تناول المسألة وكأن هناك منافاة حقيقية بين أهل الحق من كلا الجانبين".
ويقول الدكتور حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية ومستشار الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف "الأزهر تعانق منذ 8 قرون مع الصوفية لما تمثله من قيم روحية وأخلاقية".. موضحا أن "التصوف الحق قوة بالمعنى الاجتماعي".
وقد يكون أحد أسباب الالتباسات في العلاقة بين التصوف والشريعة أو بين ما يسمى "بأهل الحقيقة وأهل الشريعة" أن "البعض من المتصوفة يتحدث عن التصوف بصورة جعلت الآخرين يظنون خطأ أنه دين آخر داخل الدين فنفروا وتخوفوا منه"، وثمة اتفاق على أن هؤلاء الذين أساءوا للتصوف من داخله "لم يأخذوا منه إلا اسمه ورسمه" مع تأكيدات واجبة على أن "الصوفي الحق هو الذي كملت لديه التربية النبوية والأخلاقية تماما كما أنه لا تصوف بلا تشرع".
وحسب تقديرات الدكتور عبد الهادي القصبي رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر فإن عدد المتصوفة على مستوى العالم ككل في ضوء البيانات المتاحة يصل إلى 200 مليون شخص فيما ينوه الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي الأستاذ بجامعة القاهرة بانخراط عديد من المتصوفة المصريين في الأنشطة الثورية ذات الطابع الوطني.
وإذا كان الدكتور حسن الشافعي قد ذهب إلى أن "التصوف الحقيقي هو أقوى القوى الاجتماعية في العالم الإسلامي"، فإن هناك حاجة ماسة لتأمل الصورة الحقيقية للصوفية بكل زواياها وعمقها التاريخي واستخدام أدوات معرفية عربية - إسلامية في التفسير والتحليل والتنظير بدلا من الاعتماد المخجل على أدوات الباحثين في الغرب ناهيك عن أن هذه التبعية تؤدي لمزيد من الهيمنة الغربية والتشوهات البنيوية والضلال المعرفي وهى مسألة مختلفة عن التواصل المطلوب والانفتاح المنشود من موقع الندية لا التبعية وبإدراك أصيل للحقيقة المتمثلة في أن أي نص يتكون أصلا في مجال ثقافي هو بدوره جزء من بنية مجتمع.
وإذ يدرك الغرب أن التصوف جزء حيوي في نسيج العالم الإسلامي ومن ثم فهو أحد العوامل المؤثرة في تشكيل الخطاب الثقافي والعلاقات الدولية فاللافت بالفعل أن التصوف الإسلامي أمسى موضع دراسات متعددة في جامعات الغرب وتتردد هناك مصطلحات مثل سياسات التصوف وانعكاساتها على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط كما تتردد أسماء الطرق والجماعات الصوفية في هذه الدراسات مثل النقشبندية والجيلانية والقادرية.
ومن الذي بمقدوره أن ينكر دور الحركات الصوفية في نشر الإسلام في أفريقيا وبآسيا الوسطى ووصولا لنهر الفولجا في روسيا وحتى تخوم الصين، وأن الصوفية في جوهرها كما أشار الإمام أبو حامد الغزالي منذ القرن ال(11) الميلادي هي علاقة بالغة الخصوصية بين العبد والرب؟!.
ويمكن الانطلاق من هذا التوصيف للقول إن التصوف الحق يوسع من نطاق الحرية الإنسانية ويخدم قضية الحرية في مواجهة كل أشكال الطغيان فيما لا يجوز تناسي أن أحد الأسئلة الكبرى لثقافة التصوف كجزء من التقاليد المعرفية الإسلامية ككل وهو:"كيف السبيل للمعرفة الحقة وما الذي نستطيعه ويجوز لنا معرفته كبشر؟".
فالتصوف الحق ثورة إنسانية تماما كما أن عملية النمو الروحي بكل مجاهداتها ومجالداتها هي اختيار للإنسان بكامل حريته وملء إرادته ولا يجوز فرضها من خارج الإنسان ولا موضع فيها لنفاق أو مراءة ومن ثم فهى "عملية ديمقراطية تماما".
ويضع الدكتور حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية وأحد رموز تيار التصوف المعاصر في مصر يده على نقطة بالغة الأهمية بقوله إن "التغيير الثوري إن اقتصر على الجانب السياسي فلن يحل المشكلة الأساسية.. فالتغيير لابد وأن يكون أخلاقيا".
فالعلاقة بين الصوفية وطلب الحق والحقيقة وثيقة للغاية بقدر ما تصب في مجرى ثورة العقل والضمير والوجدان وتؤسس لمزيد من ثقافة السؤال وتشد بالفضول المعرفي باحثين غربيين للكتابة عن مصر المتصوفة.
وفي دراسة مستفيضة للرؤية النقدية لابن خلدون للصوفية على مستوى الخطاب والفلسفة والسياسة - أظهر الباحث جيمس ونستون موريس المتخصص في الفلسفة الإسلامية والحاصل على الدكتوراه في لغات وحضارات الشرق الأدنى من جامعة هارفارد اهتماما كبيرا بالجوانب والأبعاد الاجتماعية - السياسية والمعرفية للصوفية.. مؤكدا أن التصوف كان بمثابة المعين الصافي والمنجم الثري للعديد من التجليات والصيغ الإبداعية البعيدة الأثر في الثقافة والحياة بالعالم الإسلامي.
وهكذا لم يكن من الغريب أو المدهش أن يقف مفكر في حجم وقامة ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع أمام التصوف بالتأمل والتحليل عبر الإبحار في هذه الموجات الإبداعية المتشابكة والمعبرة عن الأبعاد الثقافية للتصوف بجذوره العميقة في الوجدان العربي - الإسلامي.
وعلى طريق المعرفة - ولج مفكرون مصريون وعرب من أبواب ثقافة التصوف ساعين للنهل من هذا العالم الثري وتحتفظ الذاكرة الثقافية العربية بإسهامات جليلة لأستاذ الفلسفة الراحل الدكتور عبد الرحمن بدوي صاحب كتاب "شهيدة العشق الإلهي".
وكان الأديب المصري الراحل الدكتور زكي مبارك قد قدم للمكتبة العربية كتاب "بين التصوف والأدب" كما قدم الإمام الأكبر الراحل وشيخ الجامع الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود سلسلة غنية من كتب التصوف والثقافة الصوفية فيما أبحر صاحب نوبل وهرم الرواية المصرية والعربية نجيب محفوظ في التصوف ضمن بحاره الإبداعية كما يتبدى على وجه الخصوص في رواية "ليالي ألف ليلة".
وإذا كان السؤال المؤرق للمبدع العظيم نجيب محفوظ قد انصب على النظام الذي يحكم الكون فإن إجابته الإبداعية على هذا السؤال الكبير والتي تجلت في إبداعات روائية عديدة إنما اعتمدت إلى حد كبير على معين التصوف وإشراقات الصوفية.
وأوضح الباحث جيمس موريس أن العقدين الأخيرين شهدا اهتماما غير عادى على مستوى دوائر البحث في الغرب بأعمال الشيخ الأكبر للصوفية محيي الدين بن عربي بل إنه يصف هذا الجهد البحثي "بالجهد المتعدد الجنسيات لمؤرخين ومثقفين وباحثين في تخصصات مختلفة بما يعبر عن حقيقة تعدد إبداعات بن عربي في حقول ومجالات مختلفة من بينها الشعر.
وذهب موريس إلى أن المحور الأساسي في فكر محيي الدين بن عربي ومفسريه وشارحيه هو الشمول المطلق لعمليات وأنشطة الحياة الروحية الإنسانية ونموها والضاربة بجذورها في أعماق وعي كل إنسان أو "الطاقة المطمورة".
واللافت أن هناك تيارا مؤثرا في الدوائر الثقافية الغربية المعنية بالشرق انكب منذ زمن بعيد على تقصي ودراسة الإنجازات الإبداعية للتصوف الإسلامي وانعكاساتها على الحياة اليومية للعرب والمسلمين فيما ينوه موريس في دراسته التي نشرتها دورية جامعة هارفارد الأمريكية المرموقة بأن هذا الاهتمام يعكس فهما للحقيقة المتمثلة في أن هذه التجليات الإبداعية لثقافة التصوف نهضت بدور بالغ الأهمية في تشكيل تصورات ومفاهيم كتلة هائلة من سكان العالم الإسلامي.
وإذا كانت الثقافة الصوفية في أحد معانيها قراءة مجاهدة للذات والوجود ثم الكتابة أو الشهادة بعد هذه القراءة فإن تلك الثقافة لها مذاقها المحبب دوما في شهر رمضان ونفحاته المباركة بقدر ما تنطوي على أهمية في موضوع هام كتجديد الخطاب الديني.. حقا ما أروع قلب ينهل من شهد المحبة ويذوب عشقا وشوقا لحبيب ليس كمثله حبيب.. ما أروعه من قال:"ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير.. وإنما العجب من حبك لي وأنت الملك القدير".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.