لعله لم تختلف آراء الناس و نظرتهم في العصر الحديث في شخص و إليه كما اختلفت أنظارهم حول شخصية "سيد قطب" ! و اللافت في الأمر أن الاختلاف حول شخصية "سيد" ليس مجرد اختلاف بين المدح و الذم ، أو الرفع و الوضع ، و إنما هو الحدة الشديدة في البعد ما بين الرأيين بحيث لا وسط بينهما . فالاختلاف حول "سيد" ليس مجرد اختلاف حول شخص له مؤيد و معارض ، و مادح و قادح أو ما بين متفق معه أو مختلف عنه أو معه ، و إنما الاختلاف حوله أكبر من ذلك بكثير ، بل هو أكبر ما يكون الاختلاف حول شخص ! فأنصاره و مريدوه و محبوه يرفعونه إلى "أعلى عليين" في حين أن خصومه و أعدائه يهبطون به إلى أسفل سافلين ! و من أنصاره و أتباعه من يخلع عليه ألقاب القديسين ، و يلبسونه مسوح "العارفين ، و لا يقبلون فيه أو له تدنٍ عن تلك المنزلة قيد أنملة ، و لا يُجِيُزون في حقه ذمًا و قدحًا ، لا تلميحًا و لا تصريحًا ، و كأنه "المعصوم" أو فوق المعصوم ! و كأن كلامه وحي مختوم ، و تنزيل معلوم ، و كأنه نبي آخر الزمان الذي يحمل راية الإيمان ، و باتباعه تُفَتَّحُ أبواب الجنان ، و في مخالفته الهلاك المبين ، و الذي يفضي إلى ورود سبيل المجرمين ، و السقوط في بئر جهنم اللعين ! و في المقابل يرى أعدائه و خصومه أنه الشيطان الرجيم متجسدًا في ثوب بَشَرٍ لعين ، لإضلال من على وجه البسيطةِ أجمعين ، عن حقيقة و صحيح الدين ، كما أنه مندوب إبليس بل هو شيخه و أستاذه و الذي تعلم منه إبليس طرائق شتى في تدمير عقول و قلوب المسلمين . و لكنَّ العجب في شأن "سيد" لا يتوقف عند هذا التطرف الواضح عند محبيه و مبغضيه على السواء ، و لكنه يزداد ازديادًا في أمره و أمر مريديه و كارهيه إذا علمت أنه لا أولئك و لا هؤلاء يكادون يدرون شيئًا حقيقيًا دقيقًا مدققًا علميًا عن تفاصيل حياته و أصل أفكاره ، و لا يعرفون أسباب انحرافه فكريًا و نفسيًا ، و لا تفاصيل حياته في طفولته و شبابه و كهولته و رجولته و التي أثرت كل التأثير في مستقبل أيامه حتى مات ، و من لا يعرف "سيد قطب" طفلًا و شابً لا يمكنه بحالٍ أن يفهم أحواله و تقلباته و تغيرات حياته فيما بعد ، و لا يمكن تفهم أفكاره و وضعها في موضعها الصحيح على ما سنبينه فيما يلي من هذه السلسلة من المقالات –إن شاء الله لنا ذلك - . —— - فلا أحد من مريديه و لا من كارهيه يعرف شيئًا عما كان كيف كان ، و لا عما كان لما كان ، و لا عما كان بم كان ؟ فلا أعداء "سيد" و لا خصومه –في الغالب- يعرفون شيئًا عن حياته و تقلباته الحادة في آراءه و أفكاره من النقيض إلى النقيض ، و لا عن تغيراته العجيبة ، و لا عن ما حوته مراحل حياته المختلفة من تحولات و تغيرات بل و تناقضات . و التي نسأل الله أن يوفقنا لبيانها بيانًا علميًا بعيدًا عن الهوى و التعصب حبًا أو كرهًا ، و إنما يكون مقصودنا هو الحق و الحقيقة دون ما سواهما – إن شاء الله تعالى- .