القانون النائم في موقعة الدير! سليم عزوز تتعامل السلطة في مصر مع الكنيسة علي طريقة: ودنك منين يا جحا ؟!.. ومعلوم أن جحا سئل هذا السؤال، فأشار الي أذنه اليسري، بيده اليمني التي مر بها من وراء عنقه، ليصل إليها! فالكنيسة غاضبة، بسبب الاعتداء الذي جري علي أحد الأديرة، في مدينة ملوي بمحافظة المنيا، من قبل العربان ، والذين اختطفوا عددا من الرهبان، وعذبوهم، بقسوة، وهو أمر لا يقبله أحد، لاسيما في المجتمعات التي درجت علي توقير رجال الدين. نحن لا نقبل إهانة رجال ديننا، وما لا نقبله لأنفسنا لا نرضاه للآخرين!. الحادث يصنف علي أنه جنائي في المقام الأول والأخير، وقد حاولت الكنيسة النفخ فيه لتصويره علي أنه فعل طائفي، لكنها فشلت، فالموقعة نتجت عن خلاف علي أرض مجاورة للدير، قال العربان إنها أرضهم، وقال الرهبان إنها أرضهم. فجري ما جري!. وبدلا من أن تتدخل السلطة بما يليق بمقام الدولة الحديثة، وتقدم الجناة لجهات التحقيق، تقاعست، وسعت الي عقد جلسة عرب لإصلاح ذات البين بين العربان و الرهبان ، وهو ما رفضته الكنيسة، حجتها في ذلك أن جلسة سابقة عقدت، وصلحا سابقا أبرم، ومع هذا وقعت الواقعة!. وإزاء إصرار الكنيسة علي محاكمة الجناة، تم إلقاء القبض علي نفر من العربان ، واعترضت الكنيسة، بحجة أن المقبوض عليهم ليسوا هم المتورطون في حادث خطف الرهبان والاعتداء عليهم، بعدها صدر القرار الرئاسي بعلاج البابا شنودة علي نفقة الدولة، سعيا لإرضائه.. ودنك منين يا جحا !. البابا كثير السفر في السنوات الأخيرة للعلاج، ولم نسمع أن الدولة تكفلت بعلاجه، لانه ليس فقيرا حتي يعالج علي نفقة الدولة، فهو القيم علي أموال الكنيسة، التي لا يعلم حجمها إلا الله، وهي لا تخضع لرقابة أيا من الأجهزة الرقابية، علي العكس من ميزانية الأزهر، الذي يعد جهة تابعة للدولة المصرية، ويسري عليه ما يسري علي أي مرفق حكومي، او غير ذلك، فأموال الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية مثلا تخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات!. للقس الراحل إبراهيم عبد السيد كتيب يحمل عنوان: أموال الكنيسة ، استنكر فيه معاملة الكنيسة معاملة الدولة داخل الدولة، ومن ثم فقد طالب بخضوع أموالها للرقابة، فليس معقولا أن تكون رهن تصرف شخص البابا! ما علينا، فإبراهيم عبد السيد يؤخذ من كلامه ويرد، ذلك بأنه كان من المحسوبين علي المعارضين للبابا، والذي أغلق في وجه نعشه أبواب الكنائس، فلم يُصل عليه في أي كنيسة أرذثوكسية بناء علي تعليمات البابا التي أصدرها من الولاياتالمتحدةالأمريكية، إذ كان هناك للعلاج وللأعمال الرعوية!. العلاج علي نفقة الدولة لائحيا هو للفقراء، لكنه واقعا، هو عمل من أعمال المنظرة ، لاسيما إذا كان في الخارج، وتبدده الدولة علي النجوم، وغير المحتاجين، ويكفي أن نعلم أن ميزانية الدولة تكفلت بعلاج النجم الراحل أحمد زكي، ولم يكن بحاجة الي ذلك، في محاولة من أهل الحكم لاستثمار نجوميته في الدعاية لأنفسهم، وقد ذهب نجلا الرئيس الي مطار القاهرة لحظة عودته، ليشاركوا الجماهير المحتشدة تهنئته بسلامة العودة، في إشارة لا تخطيء العين دلالتها!. ومن المفارقات الغريبة، أنه في الوقت الذي صدر فيه قرار علاج البابا شنودة علي نفقة الدولة، علمنا بخبر وفاة قاض شاب، كان نادي القضاة قد بذل جهودا مضنية من أجل تحمل الدولة نفقات علاجه، فرفض القوم، وكان ولابد من الانتظار حتي تم جمع المبلغ المطلوب من فاعلي الخير، حتي إذا حدث المراد، وسافر القاضي، تدهورت حالته بسبب التأخير في العلاج، ولقي ربه بالخارج!. جماعتنا تعاملوا مع البابا علي طريقة: و دنك منين يا جحا ، فلم يقدموا المعتدين علي الدير للمحاكمة، فقد كانوا حريصين علي راحة القانون الذي تركوه نائما ولم تكن لديهم الرغبة في إقلاقه، وعندما غضب البابا سعوا الي ترضيته بقرار العلاج. وواضح أنه لم يرضه هذا فكان القرار بتقديم المتورطين في موقعة الدير للمحاكمة.. مرة أخري: ودنك منين يا جحا !. ولا شك أن هذا الموقف المتردد في القبض علي الجناة، دعم ما رددته بعض العناصر الكنسية من أن هؤلاء العربان فعلوا ما فعلوا بتحريض من عناصر أمنية، وهو أمر ينبغي ان يؤخذ بمأخذ الجد، ولا يستطيع مثلي أن يدلي بدلوه فيه لأن التغطية الصحفية للحادث ناقصة، وليس هذا المبرر الوحيد لرميها بعدم الاكتمال، ففضلا عن هذا فلم تنقل لنا وجهة النظر الأخري، ممثلة في الطرف المعتدي!. ومهما يكن الأمر، فإن التغطية الصحفية طرحت أسئلة، أكثر مما قدمت إجابات، من بينها هذا السؤال عن الجهة التي تضع يدها علي الأرض موضوع النزاع؟ فالعربان وهم البدو، الذين يسيطرون علي أراضي الدولة، فيما يعرف بسياسة وضع اليد ، وشراء المشتري للأرض من الجهة المالكة لا يعني أنها آلت إليه، ما لم يقم بترضية هؤلاء العربان ، وهو أمر يمثل عاهة مستديمة في وجه الدولة المصرية!. السؤال الثاني: من الواضح أن هذا الدير حديث التأسيس، فلماذا هو قريب من العمران، والأصل في الأديرة أنها في بطن الجبال، وإذا كنا الآن أصبحنا نشاهد أديرة رأي العين، فهذا نتيجة الزحف العمراني، وليس لأن الأديرة كانت في الأصل متاخمة للكتل السكانية، فربما نعيش حتي نشاهد أديرة في فنادق الخمس نجوم!. إن الأصل في الراهب أنه طلق الدنيا، وانشغل بالآخرة، وقد كانت مصر هي أول من اهتدي مسيحيوها الي نظام الرهبنة، لكن جري تعديل علي النظام، وأصبحت الأديرة حدائق تنتج الفواكه والغلال، ولا اعتراض لي علي ذلك، وباعتلاء البابا شنودة كرسي البابوية، وهو راهب في الأصل، جري الإسراف في نظام الاستعانة بالرهبان في الأعمال الكنسية والاحتكاك بالجماهير. قبل أيام رأيت راهبا يقود سيارة حديثة وفخمة بنفسه، ويغلق زجاجها ويدير جهاز التكييف بها، هربا من جو القاهرة الحار، وفي الوقت ذاته يتكلم في الهاتف النقال!. يُعرف الرهبان بغطاء الرأس، وهو مختلف عن غطاء رأس القساوسة، ويقيم الراهب في الدير، ويتعبد في بناية أشبه بالحفرة اسمها: القلاية ، ولا اعتراض لي علي ما جري للأديرة من تطور، يتمشي وطبيعة العصر، وعلي الفخفخة التي عليها بعض الرهبان، واحتكاكهم بالناس، وهم الذين طلقوا الدنيا! ليس هذا موضوعنا، فالشيء بالشيء يذكر، لكن من الأسئلة التي قفزت للسطح من نتاج التغطية الصحفية المنقوصة: هل بداية المشكلة كانت شجارا بين طرفين تطور الي الاعتداء الغاشم والخطف، أم أن المعركة كانت من طرف واحد وهم العربان! بعيدا عن معايير الجودة المهنية، فإن سؤالا يطرح نفسه إذا ما كان الطرف الآخر ليس مجنيا عليه علي طول الخط، فهل يقبل البابا محاكمة الجناة من جماعة الدير، وهل تستطيع الحكومة ذلك؟! في أحداث الكشح بصعيد مصر قرأنا عن دور الأنبا ويصا في الأحداث، وجاء اسمه في عريضة الاتهام، ثم فجأة اختفي اسمه، فلم يخضع حتي للتحقيق! لقد رفض البابا شنودة فكرة قعدة العرب ، وطالب بأن يأخذ القانون مجراه، وأنا معه، شريطة أن يطبق القانون علي الجميع، أما إذا كان القانون يطبق علي طرف دون طرف، لدواعي الوحدة الوطنية، فأنا مع السياسة الحكيمة المستمدة من السؤال الخالد: و دنك منين يا جحا !. عن صحيفة الراية القطرية 18/6/2008