هل تنكسر إرادة الأساطيل أمام إرادة الشعوب؟ د.عصام سليم الشنطي في الوقت الذي تريد الإدارة الأميركية استعراض قوتها العسكرية على السواحل اللبنانية بإرسال بعض السفن العسكرية بقيادة المدمرة «كول» تواجه هذه الإدارة إرادة قوية من قبل الشعوب العربية المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق ومن بعض الدول العربية التي لا تزال تدعم المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي والأميركي في فلسطين والعراق، وتقف هذه الإرادة شامخة ضد المشروع الصهيو أميركي في منطقة الشرق الأوسط والذي يهدف إلى فرض الهيمنة الإسرائيلية على العالم العربي وما يمتلكه من موارد مادية وبشرية.
ويتزامن وصول المدمرة الأميركية إلى قبالة الشواطئ اللبنانية مع الحرب التي شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والتي راح ضحيتها العشرات من الشهداء والمئات من الجرحى، ومع ذلك يصمد هذا الشعب الكبير بتضحياته الكبيرة ويصر على استمرار المقاومة المشروعة ضد الجرائم الإسرائيلية ويرفض الخضوع والخنوع للإرادة الإسرائيلية والأميركية بالرغم من وحدانيته الصمودية ضمن جغرافيا سياسية صعبة ومعقدة تسيطر عليها إسرائيل العدو من جهة وبعض العرب الأشقاء من جهة أخرى.
كما يتزامن وصول المدمرة «كول» مع سياسة فولذة الصمود السياسي لدى بعض الفرقاء اللبنانيين الذين يعلنون ولاءهم للمشروع الأميركي في المنطقة وبعض الدول العربية أيضاً وهي سياسة تنتهجها الإدارة الأميركية كلما شعرت بأن الموقف السياسي لحلفائها المقربين في لبنان وفلسطين والمنطقة ضعف ووهن لصالح خصومهم السياسيين وأصبح من الضروري ومن الواجب تقوية الحلفاء لمنع حدوث تسوية ما ضد رغبة الإرادة السياسية لإدارة بوش.
ويتزامن وصول المدمرة «كول» مع وصول الدكتورة رايس وزيرة الخارجية الأميركية إلى المنطقة للتأكيد على موقف واشنطن الداعم للسياسة الإسرائيلية تجاه فلسطين ولبنان وعلى ضرورة وقف الصواريخ الفلسطينية من قطاع غزة على إسرائيل وعلى أهمية استمرار الدعم العربي للسلطة الفلسطينية والمشروع التفاوضي مع إسرائيل وحصار الأطراف الفلسطينية التي ترفض المفاوضات مع إسرائيل والأهم على إفشال القمة العربية المزمع عقدها في أواخر الشهر الجاري في دمشق.
وأخيراً، يتزامن وصول المدمرة كول مع تصاعد وتيرة المقاومة في العراق والتي ما انفكت تحرج الإدارة الأميركية التي تستعد خلال أشهر قليلة للخروج من البيت الأبيض بعد انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة في نهاية العام الحالي وهي بذلك تريد أن تستعيد بعضاً من هيبتها، ليس فقط في الداخل الأميركي، ولكن منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره.
إذاً، هناك رسائل سياسية عديدة من وراء إرسال سفن حربية أميركية لشواطئ المتوسط بالقرب من لبنان وسوريا أرادت من خلالها واشنطن إرسالها لأصدقائها وخصومها العرب في المنطقة مفادها أنه لا يزال لدى الإدارة الأميركية خيارات كثيرة لتحقيق مشروعها الاستراتيجي والسياسي وأنها لم تيأس بعد بالرغم من كل المغامرات الفاشلة التي جسدتها السياسة الأميركية في السنوات الماضية في أفغانستان ولبنان وفلسطين.
إن إدارة الرئيس بوش التي لم تحقق نجاحاً يذكر إما على الصعيد السياسي أو حتى على الصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط تصر على استمرار تبني سياسة القوة والغطرسة وفرض الإرادات الخارجية على شعوب المنطقة تحت مسميات مختلفة كالحرية والاستقلال والديمقراطية وهي شعارات تستخدمها لتقوية وتعزيز دور الطائفية والمذهبية وتقسيم المقسم لضرب وحدة الشعوب وانسجامها داخل القطر الواحد بهدف القضاء على روح المقاومة بكل أنواعها وعلى رأسها المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأجنبي، والوقف الأميركي تجاه قتل الأطفال والنساء والمدنيين الفلسطينيين من قبل الجنود الإسرائيليين ما هو إلا دليل قاطع على كذب ونفاق السياسة الأميركية في المنطقة.
وهنا نسأل المجتمع الدولي الذي تترأسه الولاياتالمتحدة إذا افترضنا بالفعل بوجود لمجتمع دولي: هل قتل الأطفال والمدنيين الفلسطينيين هي جريمة حرب تستحق الإدانة القوية والعقاب أم يصر على أنه شكل من أشكال الدفاع عن النفس خاصة عندما نتذكر الفروق الكبيرة في موازين القوى المختلفة عند الأطراف المتصارعة؟
هل الاحتلال هو جريمة دولية تستحق الإدانة أم أنه حق مشروع؟ هل المشكلة في فلسطين ولبنان والعراق سببها مقاومة الاحتلال أم الاحتلال نفسه؟ وهل المقاومة لطرد الاحتلال مشروعة أم أن ممارسة الاحتلال هي المشروعة؟ وأخيراً، هل الإنسان العربي المقاوم ضد الاحتلال الأجنبي يختلف برأي القانون الدولي عن غيره من الذين قاوموا الاحتلال عبر التاريخ؟
الإجابة عن هذه التساؤلات من قبل المجتمع الدولي يجب أن تساعد العرب لتحديد موقفهم من المجتمع الدولي ودوره في خدمة قضايا وشعوب العالم العربي، علماً بأن العرب وحدهم يفرطون بتمسكهم بما يسمى بالمجتمع الدولي خلافاً لباقي شعوب العالم بمن فيهم الشعب الأميركي، في الوقت ذاته يجب أن نسأل المجتمع العربي الذي نقر به ولا نشكك بوجوده التالي: أين هو الموقف العربي الواضح والصريح تجاه ما يجري في فلسطين ولبنان والعراق؟
وهل يمكن للمجتمع العربي أن يتميز ويختلف عن المجتمع الدولي؟ هل المجتمع العربي متطابق في مواقفه من المقاومة مع المجتمع الدولي الذي تقوده الولاياتالمتحدة؟إن المراهنة من قبل بعض الأطراف العربية على السياسة الأميركية الحالية وتلويحها بالقوة هي مراهنة خاسرة بالتأكيد والتاريخ يثبت ذلك ولا ننسى الحرب الأميركية الإسرائيلية على لبنان في يوليو عام 2006، أو الانتصار الأميركي المزعوم في العراق بينما تستمر بشراسة المقاومة العراقية الرافضة للاحتلال الأميركي، أو الصمود الذي يبديه الشعب الفلسطيني منذ 1948 بكل أشكاله وأنواعه.
إن التاريخ يثبت بأنه لن تستطيع الولاياتالمتحدة فرض إرادتها وحلولها وقراراتها على الشعوب مهما عظمت القوة الأميركية لأن أي حل لا يحظى بقبول الأغلبية سيسقط مع سقوط أول مقاوم ضد الهيمنة والاحتلال، وتنتصر الإرادة الشعبية على إرادة الأساطيل والدبابات لأن الأولى تعتمد على الحق والأصالة والتاريخ، أما الثانية فهي تعتمد على الغطرسة والقوة الفاقدة للشرعية والأحقية وهي غريبة غير أصيلة لا ترتكز على جذور ممتدة عبر التاريخ. من يستطيع أن يكسر إرادة أم قدمت أولادها فداء للأرض والعرض وصرخت بعز وثقة تقول هل من مزيد لأنها تعشق تاريخها وتعتز به ولا تكره الحداثة إذا كانت عادلة ومنصفة ونزيهة. عن صحيفة البيان الامارتية 6/3/2008